المذهب الأحادي عند إسبينوزا
قديم 12-10-2015, 09:17 PM   #1
alg17
 
الصورة الرمزية صديق القمر
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
المشاركات: 1,938
افتراضي المذهب الأحادي عند إسبينوزا

المذهب الأحادي عند إسبينوزا

اعداد: محمد مسيكة


تمهيد :
فيهذا الفصل سوف ندرس ونحلل المذهب الأحادي عند اسبينوزا لغرض بيان كيف ناقشهااسبينوزا فضلاً عن عقد مقارنة بينه وبين الفلاسفة السابقين عليه أمثال ديكارت الذيله أثر واضح على فلسفته، لذلك تطرقت إلى ذكر التعريفات عند اسبينوزا لأهميتها فينظرية المعرفة، لأن اسبينوزا أعطى لهذه التعريفات أهمية بالغة تشمل ( الجوهر،والصفة، والحال ) ، ولكل من هذه التعريفات مفهوم فلسفي. وأيضا ناقشت مسألةالفكر والوجود عند اسبينوزا، حيث عالج مذهبه كوحدة الوجود فأجمع الوجود لله كوحدةواحدة وجعل من الفكر صفة من صفات الله . فضلاً عن مناقشته لموضوع معرفة الحبالإلهي لأن الغاية منها هي السعادة القصوى التي يسعى إليها كل إنسان. وتعد هذهالمسائل الثلاثة من الموضوعات المهمة التي ناقشها اسبينوزا وعالجها لكي تشمل كلالجوانب المتعلقة بنظرية المعرفة عنده، وهي المعرفة الحسية والعقلية والحدسية.ويربط اسبينوزا المعرفة الحدسية بالحب الإلهي، باعتبار الحدس هو أعلى درجاتالمعرفة التي يستطيع الإنسان من خلالها بلوغ الحب العقلي لله، بعد مساعدة العقلله، لأن اسبينوزا لم يرفض العقل مطلقاً، بل جعله مصدراً من مصادر المعرفة يقّوَمالأفكار الحقيقية التي ينتج منها الحدس. وغاية اسبينوزا هي السعادة القصوى التيعلى الإنسان إن يحصل عليها عن طريق اتحاد النفس بالله أو الطبيعة عن طريق الحبالإلهي .


المبحث الأول
التعريفات ووجودها عند اسبينوزا
لقد أولى اسبينوزا للتعريف أهمية بالغةلتحديد المفاهيم الفلسفية بصورة واضحة ومبسطة، ولكي يتجنب اللغط واللبس اللذيناتسمت بهما الفلسفات اليونانية القديمة وذلك لعدم تحديد موقفها من بعض المصطلحات،فشاعت الفوضى في عملية تغير المصطلحات التي أطلقها الفلاسفة الأوائل أمثال أرسطو وأفلاطون.فلكي يتجنب الالتباس، اخذ بوضع تعريف لكل مصطلح ينوي دراسته والبحث فيه. فالنقطةالأساسية عند اسبينوزا هي إيجاد المواصفات القريبة إن وجدت في المصطلح لما يمكن إننطلق عليه (تعريف) . فالهدف من وضع التعريف بنظر اسبينوزا هو إدراك الشيءمن خلال ماهيته، أو من خلال علته القريبة ، وتبعاً لذلك يكون للتعريف قواعد لدىاسبينوزا ينبغي مراعاة ذكرها وهي :
1-إذا كان الشيء مخلوقاً، فان تعريفه يجب إن يدرك علتهالقريبة .
2-إن مفهوم الشيء أو تعريفه يجب إن يجمع كل خصائصه، بقدرما نراه بذاته وليس بالترابط مع أي أشياء أخرى يمكن إن يستدل عليها منه .
3-إذا كان التعريف لشيء غير مخلوق فيجب استبعاد فكرة كلعلة، وهذا يعني أن لا يحتاج إلى شرحه عن طريق شيء خارج عن ذاته .
4-عند إعطاء تعريف للشيء يجب إن لا يترك مجالاً للشك حولوجوده .
5-يجب أن لا يحتوي أسماء يمكن أن توضع بصورة وصفيه، أي أنالموضوع المعرف يجب أن لا يشرح من خلال تجريدات .
6-يجب أن يكون من الممكن الاستدلال من التعريف على خصائصالشيء المعرف (1).

.................................................. ...............
(1)ينظر : د . زيد عباس كريم ، اسبينوزاالفلسفة الأخلاقية ، ص 112- 113 .
ويذكركريم متى عن اسبينوزا أن التعريف لا يكون كاملاً إلا إذا فسّر ماهية الشيء دون أنيستبدل بها أية خاصية من خواصه. ولكي نوضح ذلك نأخذ الدائرة على سبيل المثال، إذا عرفنا الدائرة بأنها شكلتكون كل الخطوط المرسومة من مركزها إلى محيطها متساوية فان هذا التعريف لا يفسرماهية الدائرة بل يبين إحدى خواصها وحسب(1).ويمكن إيراد التعريفات التي يضعها اسبينوزا على الشكل الأتي :-
أ - الجوهر :-
يذهب احد الباحثين إلى أهمية التمييز بين نوعين منالتعريف. التعريف الصوري: هو تعريف الأشياء الحقيقية الموجودة بالفعل، كالأشياءالتي نريد معرفة ماهيتها، وهذا يحتاج دائماً إلى البرهان . والتعريف السيمانطيقيوهو فرضي استنباطي يقترحه الباحث ولا يشترط فيه إلى الاتساق، وهو على هذا الأساسلا يحتاج إلى برهان، إذ انه ليس إلا وسيلة لاستنباط حقائق أخرى(2).ومن أشهر التعريفات الاسبينوزية (( الجوهر )) إذ يعد اسبينوزا الجوهر نقطةالانطلاق في فلسفته لأنه اهتم بموضوعات العقل الأولى في البحث عن الحقائق الأساسيةفي الكائنات. ولفظ الجوهر يحمل عدة معان مشتركة إلا أن ما يوحد هذه المعاني هواستعمال مصطلح الجوهر للدلالة على لفظ (الله) فقد عرف اسبينوزا الجوهر بقوله (( اعنيبالجوهر ما يوجد في ذاته ويتصور بذاته : أي ما لا يتوقف بناء تصوره على تصور شيءأخر ))(3). فإذن الجوهر بهذا المعنى لا يمكن إلا أن يكون واحداً،أو على الأصح انه لا وجود إلا لجوهر واحد لا يخرج عنه شيء(4).
.................................................. ...............
(1)ينظر : كريم متى، الفلسفة الحديثة، ص 97 .
(2)ينظر : د . زيد عباس كريم، اسبينوزا الفلسفةالأخلاقية، ص 113- 114 .
(3)اسبينوزا، علم الأخلاق، ص 31 .وللاطلاع أكثر قارن : يوسف كرم ، تاريخ الفلسفة الحديثة ، ص111وكذلك علي عبد المعطي محمد ، دراسات في الفلسفة العامة ، دار المعرفة ،الجامعية ،القاهرة ،1985 ص461 .
(4)وهذه نتيجة استخلصها اسبينوزا من تعريفالجوهر، وهي النتيجة التي لم يستخلصها ديكارت ذاته، على الرغم من أن هذا التعريفهو امتداد منطقي للتعريف التقليدي المألوف، ولا سيما لدى ديكارت . ينظر : فؤادزكريا، اسبينوزا، ص 61 .
إذن(( المقصود بالجوهر عندهم سيكون ما هو موجود في ذاته ومتصور بذاته، أي ما لاتحتاج معرفته إلى معرفة شيء أخر، وبالتحولات ما هو موجود في شيء أخر وما يكونتصوره بالاعتماد على تصور الشيء الذي يوجد فيه. لذلك يمكن أن تكون لدينا أفكارصادقة عن تحولات غير موجودة إذ رغم أن هذه التحولات لا توجد بالفعل خارج العقل فإنماهيتها موجودة في شيء أخر يجعل تصورها ممكناً، بينما تكمن حقيقة الجواهر الموجودةخارج العقل في ذاتها نفسها، لان هذه الجواهر تتصور بذاتها وحدها )) (1). ففي القول أن الجوهر محدث أو مخلوق تناقض، لأن ذلك يعني أن الجوهر ليسسبب ذاته، لذلك ينبغي أن يكون وجود الجوهر حقيقة أزلية ومما يلزم القول بانالطبيعة من حيث هي كل جوهر لا متناهي لا يمكن أن يكون الله باعتباره كائناً لامتناهياً خارج الطبيعة ولا متعالياً عليها بل ينبغي أن يكون في الطبيعة(2). فالجوهر موجود بالضرورة أي أن الوجود ينتمي إلى طبيعة الجوهر، ومعنىانتماء الوجود إلى طبيعة الجوهر انه لم يلحق به بفضل شيء خارج عنه، وانه ليس شيئاًاكتسبه الجوهر من الخارج، أي أن الجوهر ليس مخلوقاً، والذي يمكن أن يفهم على انهيعني الله أو الطبيعة(3). ومن هنا ندرك أن معنى كلمة الجوهر لايمكن أن تنطبق إلا على الله تعالى إذ يقول اسبينوزا ((الله أزلي، أي أن جميع صفاته أزلية ويقول أيضا إن وجود الله هو شأن ماهيته حقيقةأزلية))(4). إذن فالجوهر عند اسبينوزا هو أزلي وغير مخلوق وهو موجود بالضرورة ويطلقاسبينوزا على الله الجوهر . والجوهر قديم، بمعنى انه غير مخلوق، إذ لو كان الجوهرمتناهياً أو جزئياً لوجب حتماً السؤال عن أساسه أو أصله أو السبب في وجوده، وهوسؤال يستبعده اسبينوزا منـذ الـبـدايـة وهـذهالأزلية التـي تـحـدث عنـها اسبينوزا هي أزلية بعيدةكل البعد عن الارتباطات الدينية.
.................................................. ...............
(1)اسبينوزا، علم الأخلاق، ص 37 .
(2)ينظر : ريتشارد شاخت، رواد الفلسفة الحديثة،ص 101 .
(3)ينظر : فؤاد زكريا، سبينوزا، ص 62 .
(4)اسبينوزا ، علم الأخلاق ، ص 56 . وللإطلاع أكثرقارن : احمد السيد رمضان ، الفلسفةالحديثة ، ص 171 .

وإنما هي أزلية الضرورة المنطقية فحسب (1). ويؤكد اسبينوزا انه لا يوجد فيالطبيعة جوهران حيث يقول : لا يمكن أنيوجد في الطبيعة جوهران أو عدة جواهر من طبيعة أو صفة واحدة، لأنه إذا وجدت عدةجواهر متميزة بعضها عن بعض لكان تميزها أما بتنوع الصفات أو بتنوع الإعراض ، ولنيتسنى وجود جواهر متعددة، وإنما يوجد جوهر واحد(2).ويذهب اسبينوزا إلى أن الجوهر ليس متناهياً لأن وجوده نابع من طبيعته هو، كما انهغير محدد سواء في ماهيته أو وجوده. وهذا الكمال أو اللاتناهي إنما يتبع الجوهرذاته ولا يتبع اللاتناهي نفسه أو علة خارجية عن الجوهر،فوجود الجوهر يتبع طبيعة الجوهر، ولا تناهيه يعتمدعلى ذاته كعلة بذاته(3). لأنه لو كان متناهياً لاقتضى أن يحدهجوهر أخر من طبيعته ذاتها ولاقتضى وجود جوهرين يحد احدهما الأخر وهذا لا يمكن،فالقول بان الجوهر متناه ينطوي على خلاف منطقي، وعليه فلا يمكن أن نتصور الجوهر لامن حيث انه لا متناهي، ومن هنا كان مفهوم الجوهر المتناهي يحتوي على تناقض واضح(4). فـالـجـوهـر إذن هـو عـلـةكـامـنـة لـجـميـع الأشياء وجـمـيـع الأشياء كـامـنـة فـيـه إذ نـجـد بـنـاء عـلـىهـذا أن الـجـوهـر يـسـاوي الله ويـسـاوي فـي الـوقـت ذاتـه مـفـهـوم الـطـبـيـعـة. ويرى اسبينوزا أنه لا يـوجد فـي الكـونجـوهـران مـخـتـلـفـان وان الإقرار بـهـذا الـقـول سـيـجـعـل مـن الـمـسـتـحـيـلتـفـسـيـر ما يـدور حـولـنا مـن تـفـاعـل الـمـادة مع الفكر وإنما الكون كله وحدةواحدة متضمنة في الجوهر الإله، فـكـل ما يـوجـد إنما يـوجـد في الله ، ولا يمـكنلأي شـيء أن

.................................................. ...............
(1)ينظر : فؤاد زكريا، سبينوزا، ص 62 . ونجد أناسبينوزا قد اخذ من ديكارت فكرة الجوهر حيث يرى ديكارت أن الله هو جوهر لا متناهي أزليلا يتغير يتصف بالقدرة والإحاطة بكل شيء . ينظر : علي عبد المعطي، دراسات فيالفلسفة العامة، ص 446 .
(2)ينظر : اسبينوزا، علم الأخلاق، ص 34- 35 .
(3)ينظر : علي عبد المعطي، دراسات في الفلسفةالعامة، ص 473 .
(4)ينظر : كريم متي، الفلسفة الحديثة، ص 101 .

يـوجـد أو يتـصـور بدون الله (1). وتبعاً لذلك لا يمكن لأي جوهر أن يوجد خارج الله ومن ثم يتصور ، إذ لوكان تصوره ممكناً لوقع تصوره بالضرورة موجوداً إلا أن ذلك محال فلا يمكن أن يوجدأو يتصور جوهر خارج الله، إذن يترتب على ذلك :
1-أن الله واحد، أي لا يوجد في الطبيعة سوى جوهر واحد وانهذا الجوهر غير متناه إطلاقا .
2-أن الشيء المفكر والشيء الممتد هما صفتان(2).
ولابدمن القول أن اسبينوزا اجتهد في وضع تعريف واضح محدّد لمفهوم (الله) وهذا الأمر لمنجده عند غيره من الفلاسفة السابقين، ويمكن القول: أن فكرة الله كانت تحمل الكثيرمن اللفظ بنظر اسبينوزافأراد أن يوضح مفهوم الإله لأنه وجد أن الفلاسفة الآخرين لميحددوا معنى الإله لاعتقادهم أنها فكرة تامة بذاتها لا تحتاج إلى تعريف نفسهابنفسها، لأن المفروض أن معنى كلمة الله يفرض ذاته على المفكر وليس المفكر هو الذييحدد هذا المعنى، وهنا تصبح الفكرة أداة في يد الفيلسوف لإثبات مواقف معينة، وليستفكرة تفرض نفسها على العقل البشري وتأتي معها بمعانيها دون أن يملك هذا العقلتغيرها أو التحكم فيها(3) .

.................................................. ...............
(1) في مقابل ذلك نجد ديكارت الذي اثر فياسبينوزا بشكل كبير يقر بوجود جوهرين متمايزين ومنفصلين وهما الفكر والمادة ولكلمنهما حقيقة قائمة بذاتها حيث يقول ديكارت : (( أن لدي فكرة عن نفسي كوني جوهراًماهيته التفكير، ولدي فكرة متميزة عن الجسم باعتباره شيئاً ممتداً لا شيئاً مفكراًوهذا يثبت أن هذه الأنا، اعني نفسي متميزة عن جسمي تميزاً حقيقياً تاماً وهي قادرةعلى أن توجد من دونه )) . ينظر : رينيه ديكارت، تأملات في الفلسفة الأولى، ص 228 .ولكن متفقان في أن الله والله وحده هو الكائن المطلق اللامتناهي، وكما قلت سابقاًأن ثمة اختلافاً بينهما في أن الله عند اسبينوزا هو الجوهر الأوحد أو الجوهرالوحيد، أما ديكارت فيشير إلى الفكر والامتداد على إنهما جوهران، حقيقة أن اللهعند ديكارت لا يفتقر إلى غيره بينما الفكر والامتداد عنده مفتقران إلى اللهولكنهما يفتقران إلى الله وحده لا شيء مخلوق . ينظر : علي عبد المعطي، دراسات فيالفلسفة العامة، ص 477 .
(2)ينظر : اسبينوزا ، علم الأخلاق ، ص 45 .
(3) ينظر : فؤاد زكريا ، سبينوزا، ص 117 .
إذنالجوهر موجود بالضرورة أو واجب الوجود سرمدي لا يكون ولا يفسد وان وجد شيء عداه،فلا يمكن أن يكون هذا الشيء إلا صفة للجوهر أو حالاً يتجلى فيه الجوهر وبعبارةأخرى أن الجوهر هو مصدر الصفات والأحوال(1).إذ لا بد من إلقاء الضوء على كل من تلك التعريفات .
ب - الصفة :-
يعرف اسبينوزا الصفة في كتابه ( علم الأخلاق )قائلاً : (( اعني بالصفة ما يدركه الذهن في الجوهر مقوماً لماهيته ))(2).ويبين لنا معنى هذا التعريف بقوله اعني ماينتمي إلى ماهية الشيء، ذلك الذي إذا وجد وجد الشيء أيضا بالضرورة، وإذا غاب غابالشيء أيضا بالضرورة، أو بعبارة أخرى ذلك الذي لا يوجد الشيء ولا يتصور بدونه ولايوجد هو ذاته ولا يتصور بدون شيء(3). إذن الصفة شيء ملاصق للجوهر أو يمكن القول: إنها إحدىصور الجوهر وينكشف لنا عن طريقها معالم الجوهر، ويؤكد اسبينوزا هذه الحقيقة حيثيقول : (( أن الله كائن لا متناه إطلاقا، ولا يمكن أن ننفي عنه أيصفة من الصفات المعبرة عن ماهية جوهرية، ثم أن الله موجود بالضرورة فلو وجد إذاجوهر ما خارج الله فلا بد أن يفسر هذا الجوهر بصفة من صفاته وهكذا سيوجد جوهرانلهما نفس الصفة وهذا محال ))(4) .ويذهب اسبينوزا إلى القول إن صفات الله إنما تعبر عنالوجود لأن الصفات الإلهية نفسها التي تفسر ماهية الله الأزلية (( تفسر فيالوقت ذاته وجوده الأزلي، بمعنى أن الشيء المكون لماهية الله هو عينه المكونلوجوده وبالتالي فأن الماهية والوجود شيء واحد لا غير ))(5).
.................................................. ...............
(1)ينظر: يوسف كرم ، تاريخ الفلسفة الحديثة ، ص111 .
(2)اسبينوزا، علم الأخلاق ، ص 39 . وللاطلاعأكثر قارن : علي عبد المعطي محمد ،دراسات في الفلسفة العامة ، ص461 .
(3)فؤاد زكريا، سبينوزا، ص 62 .
(4)اسبينوزا، علم الأخلاق، ص 45 .
(5)المصدر نفسه، ص 56 .
فالعقلالبشري يقف عاجزاً عن إدراك ماهية الجوهر بوضوح ولكن ما يستطيع أن يدركه هي الصفةالملازمة له، ويبين اسبينوزا انه لا يوجد في الطبيعة سوى جوهر واحد ويقر بعدم وجودعدة جواهر وإلا لوجب أن يتميز الواحد عن الأخر باختلاف الصفات والمعلولات، فإذاكان التمايز فقط في الصفات فانه ينتج عنه وجود جوهر واحد له الصفة نفسها(1) .فينتج عن ذلك :

1-أن وجود الله، شأن ماهيته، حقيقة أزلية .
2-أن الله ثابت لا يتغير، بمعنى أن جميع صفات الله لاتتغير إذ لو كانت هذه الصفات متغيرة من حيث الوجود لكانت متغيرة من حيث الماهية،وهذا محال (2).
ولماكان الإله موجوداً متناهياً أزليا، فانه ينبغي أن يحتوي على عدد لا متناه منالصفات اللامتناهية، فالصفات هي المقومات الواقعية للماهية الإلهية كما تصورهاالعقل، وهي لا متناهية العدد لأن الماهية الإلهية لا متناهية القدرة، ولكنه يقررأن العقل البشري وتبعاً لشروط الاستنباط الصحيح لا يستطيع أن يدرك من هذه الصفاتاللامتناهية إلا صفتين هما : الامتداد والفكر، بوصفهما الصفتين الوحدتين اللتينتعبران عن المعنى الجديد الذي أراد أن يضيفه إلى مفهوم الإله من حيث هو المجموعالكلي للطبيعة في مقابل نفي الصفات الأخرى التي يقرها المعنى اللاهوتي لمفهومالإله التي يرى أنها تشبيهيه بالإنسان ولا ترقى إلى مستوى التعبير عن ماهية الإلهاللامتناهية(3). والمقصود بصفات الجوهر هي ما يعبر عنماهية الجوهر الإلهي، أي ما ينتمي إلى الجوهر و((بما أن الأزل ينتمي إلى طبيعة الجوهر فأن كل صفة من الصفات تنطوي إذاً بالضرورةعلى الأزل وبالتالي فهي جميعاً أزلية ))(4).

.................................................. ...............
(1)ينظر : علي عبد المعطي، دراسات في الفلسفةالحديثة، ص 464 .
(2)ينظر : اسبينوزا، علم الأخلاق، ص 56 .
(3)ينظر : زيد عباس كريم، سبينوزا الفلسفة الأخلاقية،ص 162 .
(4)اسبينوزا، علم الأخلاق، ص 55 .
إذن فالامتداد والفكر عند اسبينوزامكونتان للطبيعة الجوهرية أو لماهية الجوهر أو هما عنده خاصيتان أساسيتان للحقيقةالمطلقة(1).
وانمن طبيعة الجوهر أن تكون كل صفة من صفاته متصورة بذاتها ذلك أن جميع الصفات التييملكها الجوهر قد وجدت فيه دائماً معاً ولا يمكن لبعضها أن ينتج عن بعضها الآخر،بل تعبر كل واحدة منها عن حقيقة الجوهر أو كيانه وبناء على ذلك (( ينبغي تعريف الكائن اللامتناهي إطلاقا ككائن يتألف من عدد لا محدود منالصفات تعبر كل واحدة منها عن ماهية أزلية ولا نهائية ))(2). وعندما نرجع إلى إحدى صفات الجوهر والتي أكد عليها سبينوزا كثيراً وهيالفكر يتبين أن أسبينوزا يعّرفه بقوله : ((صفاتالإله وأن الإله شيء مفكر))(3) وكذلك يعرف الامتداد بقوله((الامتدادمنصفات الإله وإن الإله هو شيء ممتد))(4).
ولكينصل إلى فهم تام لهذه المسألة يقتضي بنا الأمر أن نعود بأذهاننا إلى تأويلاسبينوزا لمفهوم الطبيعة من خلال المعقولية التي يفسرها بها من حيث أنها تعبر عنماهية المبدأ الموضوعية والذي يكتسب موضوعية من خلال ذلك التغير أيضا إذ أنها تعبرعن حقيقة أزلية ثابتة لا يستنبط منها الأشياء ثابتة وأزلية .
ولما كان الفكر والامتداد صفتين، فلا يمكن رداحدهما إلى الأخر وينبغي أن ينظر إلى كل منها بصورة مستقلة عن الأخرى واعتبارهانظام كاملاً قائماً بذاته ويضيف سبينوزا أن (( الامتداد صفة من صفات الله وبعبارة أخرى فان الله شيء ممتد ))(5).

.................................................. ...............
(1)يرى اسبينوزا أن الفكر والامتداد صفة منصفات الله، أما ديكارت فيعتبرها جوهران وان كانا لا يوجدان إلا بالجوهر الإلهي .ينظر : علي عبد المعطي، دراسات في الفلسفة العامة، ص 471 . وقارن : أميل برهييه، تاريخ الفلسفة، ص 171 .
(2)اسبينوزا، علم الأخلاق، ص 40 .
(3)زيد، عباس كريم :اسبينوزا الفلسفة الأخلاقية، ص164 .
(4)المصدر نفسه ، ص164 .
(5)اسبينوزا، علم الأخلاق، ص 84 .
ويمكنالقول: أن هدف اسبينوزا الحقيقي من التركيز على صفتي الفكر والامتداد يرجع إلى أنهاتين الصفتين هما ذات الجوهر منظور إليه من الوجهة الذي تمثله تمثيلاً كاملاًبطريقتها الخاصة. وان تحديد الجوهر بالصفة معناه الحد من واقعيته، وعلى هذا فأنالإله، الموجود المطلق فيه لا متناهية سيكون له محدد لا متناه من الصفات، تعبر كلصفة منها عن لا تناهيه. والامتداد والفكر كلاهما لا متناه .
ج‌- الحال :-
يقصداسبينوزا بالحال هو (( ما يطرأ على الجوهر وبعبارة أخرى ما يكونقائماً في شيء غير ذاته ويتصور بشيء غير ذاته))(1). فالصفة تتمثل في أحوال أو ظواهر فالأجسام أحوال للامتداد نتصورها به ولانتصوره بها عما تتوهم المخيلة، أي ليس الامتداد معنى كلياً مكتسباً بالتجريد منالأجسام ولكن الأجسام أجزاء من الامتداد الحقيقي المعقول أو هي حدود فيه(2). وذلك فان الأحوال عند اسبينوزا ((ليست هي ما نعرفه في الجوهر كما أن الجوهر، ليس هو ما نفكر فيه ولكن لا نعرفه فعنداسبينوزا لا يوجد انفصال بين ما يوجد وبين ما يعرف على الرغم من أن هناك تمييزاًدائماً بين المعرفة الكلية وبين المعرفة الجزئية بحيث يمكن أن نعبر عما سبق بتعبيرأحدث وأقوى قائلين أن الحقيقة الكاملة هي موضوع المعرفة الكاملة والمعرفة هي فيالحقيقة ))(3). و(( أحوال الجوهر هي مكونات الكون أو محتوياته الجزئية، وأهم ما تتصف به هواعتمادها على غيرها لكي توجد وتتصور، فهي لا تتصف بالضرورة وجوداً ولا تصوراً، وهيعلى هذا النحو تتمثل في الأشياء الفردية التي يحفل بها عالم التجربة ))(4).

.................................................. ...............
(1)اسبينوزا، علم الأخلاق، ص 31 .
(2)ينظر : يوسف، كرم، تاريخ الفلسفة الحديثة، ص112 .
(3)علي عبد المعطي محمد ، دراسات في الفلسفة العامة، ص 468 .
(4)فؤاد زكريا، اسبينوزا، ص 65 .
ومعأن الحال لا يتقوم بذاته وتتوقف حقيقته على الجوهر الذي يتقوم بذاته إلا انه حقيقيوابعد من ذلك يجب أن نلاحظ أن تعريفي كل من الجوهر والحال مرتبطان تماماً، وقد أكدسبينوزا أن الحال يرتبط بالأشياء الجزئية إذ قال : (( إني أتحدث عنطبيعة الوجود ذاتها، تلك التي تحمل على الأشياء الجزئية، نظراً إلى لزوم عدد لامحدود من الأشياء بعدد لا محدود من الأحوال عن الضرورة الأزلية للذات الإلهية )) (1). فعند ارتباط الأحوال بالأجسام الجزئية التي هي من مكونات الطبيعة.والطبيعة والجوهر لدى سبينوزا وحدة واحدة فهو بذلك ينتج ((أن الله ليس علة هذه الأحوال بما هي موجودة فحسب بل هو علتها أيضا من جهة كونهامحددة لإنتاج معلول ما وإذا كانت هذه الأحوال غير محددة من قبل الله فانه يصبح منباب المستحيل لا من باب الجواز، أن تحدد نفسها بنفسها )) (2). وحين نتصور الجوهر من خلال تصور أحواله فأننا نتصور هذه الأحوال وهيمفتقرة في وجودها إلى الجوهر وقد يقال كيف يمكن أن نتصور فهم الجوهر عن طريقأحواله أي كيف يمكن أن نفهم الكل من خلال أجزائه أو كيف نفهم الجوهر بما هو أدنىمنه ويرد على ذلك بأن هذه الأحوال أو الأجزاء المفسرة للكل هي غير معقولة ولامتصوره إلا في ذلك الكل كما أن وجودها مفتقر إلى وجود هذا الجوهر ذاته (3). يتبين لنا من خلال عرض تعريفات كلا من الجوهر والصفة والحال، نجد أن كلامنهما مرتبط بالأخر، وان الصفة والحال لا تتقوم بذاتها وإنما تتوقف على الجوهر،فالجوهر هو الأساس . ويذكر اسبينوزا أن بعض الأحوال وجودها يتقرر بفعل الله مباشرةوتصدر عن طبيعة صفاته المطلقة (( كل حال من الأحوالالموجودة بصورة ضرورية ولا نهائية لا بد انه قد نتج بالضرورة أما عن الطبيعةالمطلقة لصفة من صفات الله وأما عن صفة طرأ عليها تحولموجود بصورة ضرورية ولا نهائية )) (4).
.................................................. ...............
(1)اسبينوزا، علم الأخلاق، ص 133.
(2)المصدر نفسه، ص 63 .
(3)ينظر :علي عبد المعطي محمد، دراسات فيالفلسفة العامة، ص 469 .
(4)اسبينوزا، علم الأخلاق ، ص 58 .
ويتابعاسبينوزا توضيح مفهوم الحال عند ارتباطه في الله فالحال لا يتقوم بذاته فهو ملاصقلشيء أخر غيره ، وبه يجب أن يتصور انه يوجد في الله وحده ويجب تصوره بالله وحدهوإذا تصورنا حالاً موجوداً بالضرورة وغير متناه فانه ينبغي تصور هاتين الخاصتين أوإدراكهما بالضرورة بواسطة صفة إلهية . باعتبارأن هذه الصفة تعبر عن ضرورة الوجودولا تناهيه أوتعبر عن الأزل(1). فالأشياء التيتتلو من طبيعة المطلقة لأية صفة من صفات الله ينبغي أن تكون أزلية ولا متناهية منخلال تلك الصفة بالذات . ويطلق اسبينوزاعلى هذه الأحوال اسم الأحوال اللامتناهية(2).
أن كل حال يكون موجوداً بالضرورة ولا متناهياًيجب أن تترتب عليه بالضرورة، أما الطبيعة المطلقة لإحدى صفات الإله أو خاصية تأثرتبمؤثر يكون موجوداً بالضرورة ولا متناهياً حيث أن تعريف الحال يوجب أن يكونموجوداً ولا متناه بالضرورة فانه يجب الاستدلال عليه أو إدراكه بالضرورة من خلالأحدى صفات الإله بقدر ما ندرك هذه الصفة تعبيراً عن لا تناهي وضرورة الوجود(3). وإذا عرفنا أن الحال متناه للامتداد، في جسم هو مجرد كتلة من الامتدادوأجزاؤه محركة بحركات متناسبة فيما بينها وقابلة للانتقال من جزء إلى آخر في تناسبيتاح معه للمجموع أن يستمد لمدة معلومة، فلن نجد شيئاً في هذا الحال المتناهييربطه بالماهية الأزلية للصفة، فوجود هذا الجسم يكمن سببه في أحوال متناهية أخرىيكمن سببها، بعد ذلك في أحوال متناهية أخرى وهكذا إلى ما لا نهاية (4). وما يصدق على أحوال الامتداد يصدق أيضا على أحوال الفكر والأفكار، ذلك أنترتيب الموضوعات في الفكر يكون بحسب مطابقة الصفات،و ترتيب الأعيان في الامتداد (5).

.................................................. ...............
(1)اسبينوزا، علم الأخلاق، ص 58.
(2)ينظر : كريم متى ، الفلسفة الحديثة، ص 113 .
(3)ينظر : زيد عباس ، الفلسفة الأخلاقية ، ص175 .
(4)ينظر : أميل برهييه ، تاريخ الفلسفة، ج4، ص208- 209 .
(5)المصدر نفسه، ص 209 .

ويلزمعن ذلك أن للحال المتناهي كيفية في الوجود مباينة جداً لكيفية وجود الحالاللامتناهي والصفة، فالحال اللامتناهي والصفة يحوزان الأزلية أو التمتع اللامتناهي الوجود أي ما فيه تمتزج الماهيةبالوجود.
وسبق الإشارة إلى أن الحال لا يمكن أن يشار إليهبمعزل عن الجوهر فهو إحدى صور الجوهر ويلزم من كل ما تقدم أن الجوهر له صفاتملازمة له وأحوال تطرأ عليه عبر عنها اسبينوزا بالأشياء التي تتلو من الطبيعةالمطلقة لأنها صفة من صفات الإله فيجب أن تكون أزلية ولا متناهية من خلال تلكالصفة. أما الحال المتناهي فإذا أخذناه في ماهيته فهو ممكن، فحسب ولا يشرح بالوجودإلا إذا ولد حال متناه أخر، ويتوقف عن الوجود حالما يقصه عنه حال متناه أخر،فالوجود في ديمومة، فهو إذن الوجود من حيث هو متمايز عن الماهية و يعود فقط إلىالموجود المتناهي الذي توجد عليه وجوده خارج ذاته(1).إذن من صفات الحال المتناهي لا يمكن أن يكون من ضمن صفات الله وذلك لأنه متناهي أيهناك حد إلى ما لا نهاية فلا يمكن أن يندمج مع العلية الخارجية والديمومة، وأصبحمن الواضح أن الحال المتناهي إنما يعبر عن الأجسام الفردية التي تمر بمرحلةالتكوين والفساد وذلك باختلاف نسبة الحركة والسكون فيها، وحين تتفاعل الأشياءالفردية بعضها مع بعض ولما كانت الأشياء الفردية أحوالا لا جواهر فإنها تنزع إلىتغيرات نتيجة تأثير أشياء أخرى فيها ولا يمكن استنتاج التغيرات المتعاقبة الحاصلةفيها من ماهيتها لأنها ليست جواهر(2).
.................................................. ...............
(1)ينظر : أميل برهييه، تاريخ الفلسفة القرنالسابع عشر، ص 209 .
(2)ينظر : زيد عباس ، سبينوزا الفلسفة الأخلاقية،ص 181 .


المبحث الثاني
الفكر والوجود عند اسبينوزا
أنالفكر هو ما يميز الإنسان عن سائر الموجودات لأنه هبة من الله فالفكر نفحة إلهيةأودعها الله بالإنسان تكريماً له، وقد أكد اسبينوزا هذه الحقيقة قائلاً : (( فالفكر صفة من صفات الله وبعبارة أخرى فان الله شيء مفكر ))(1). وتعد مسألة الفكر والوجود من المسائل الشائكة التي اختلف تفسيرها عندالباحثين والفلاسفة، فقد تساءل الإنسان منذ القدم عن طبيعة هذا الوجود، ومن الذيأوجده على هذا النحو وليس على نحو آخر ولماذا كان ها هنا وجود ولم يكن هناك مثلاً،فهذه الأسئلة تثير في عقول الإنسان وليس الفلاسفة وحدهم من شغل نفسه بل حتىالإنسان العادي، وهذه كلها محاولة من الإنسان لتعرف حقيقة هذه الحياة . والوجوديعني النظر في طبيعة الوجود على الإطلاق مجرداً من كل تعين، وبذلك يترك للعلومالجزئية البحث في الوجود في بعض نواحيه، فالعلوم الطبيعية مثلاً تبحث عن الوجود منحيث هو جسم متغير سواء من الناحية الكيميائية أو الفيزيائية في حين لا يمكن لنا أننصل بدراستها إلى معرفة الوجود بالمعنى معرفة ماهيته الحقيقية وما ينطوي عليه منأحداث ماورائية وهذا العلم كان يسمى عند الفلاسفة القدماء ماوراء الطبيعة ( الميتافيزيقا). والآن استقلت مباحث العلوم، الطبيعة وحصرت المباحث العامة عن الوجود فيالميتافيزيقا أو ما بعد الطبيعة، كذلك يدخل في مبحث الوجود ما إذا كان هناك ماوراءعالم الظواهر المتغير وفي صفات الله وعلاقته بالموجودات(2). وهذا كلام صحيح لأن السؤال عن الوجود يأخذنا إلى السؤال عن الله وصفاتهوعن وجود العالم والموجودات .

.................................................. ...............
(1)اسبينوزا، علم الأخلاق، ص 83 .
(2)ينظر : د . حسام الدين الالوسي، مدخل إلىالفلسفة، ، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت، ط1، 2005، ص 210 .
وقداشتهر اسبينوزا بأنه احد إتباع مذهب وحدة الوجود إذ تظهر فلسفته على نحٍوبناء واضحالمعالم محكم التنظيم تترابط فيه الأفكار والعلل العقلية ترابط الحقائق الرياضيةالضرورية ولعل ما يتميز به اسبينوزا انه منح مذهب وحدة الوجود الأطر العقلية التيكان يفتقر إليها من قبل مدرجاً إياه ضمن نسقية فلسفية صارمة . وتنص فكرة هذاالمذهب المشهورة بها بان الفيلسوف يجمع كل أطراف الكون في وحدة واحدة . لا تفرقةفيها بين الإله وبين الطبيعة إلا من حيث أن هذا هو الوجه الطابع للطبيعة وذاك هووجهها المطبوع. وهنا يقف اسبينوزا لكي يوضح ماذا يعني بالطبيعة الطابعة والطبيعةالمطبوعة فيقول : (( يجب أن أفسر هنا ، أو بالأحرى أن أشير إلىما ينبغي أنُ يفهم بالطبيعة الطابعة والطبيعة المطبوعة، لأنه غدا من الواضح، مما تقدم أن ما ينبغي فهمه بالطبيعة الطابعة هو ما يكون في ذاته ومتصور بذاته اعنيصفات الجوهر تلك التي تعبر عن ماهية أزلية لا متناهية أو كذلك الإله من جهةاعتباره علة حرة، واعني بالطبيعة المطبوعة كل ما ينتج عن وجوب الطبيعة الإلهية أيكل ما ينتج عن وجوب كل صفة من صفات الله، وأعني بها أيضا كل أحوال صفات اللهباعتبارها أشياء موجودة في الله ولا يمكن بدونه أن توجد ولا أن تتصور ))(1). ويمكن القول: أن مذهب وحدة الوجود بشكل عام هو مذهب الذين يوحدون اللهوالعالم ويزعمون أن كل شيء هو الله(2).فجمع اسبينوزا الوجود كله في وحدة واحدة على الدوام، وقد أعلن بصراحة أن الإلهوالطبيعة شيء واحد وهذه هي الحقيقة الصادقة لديه وكل الأشياء بالنسبة إليه مجردإعراض .
ويرىاسبينوزا أن الفكر والامتداد أمر واحد وهو الله، الأشياءالأخرى مجرد إعراض والله عنده هو جوهر يتألف من صفات لانهائية، تعـبر كل منها عن ماهيتـه المطلقة الخـالدة، ولكـننا نعرف من هذه الصـفاتصفـتين فقط هما الفـكر والامـتداد، حـتى أن

.................................................. ...............
(1)اسبينوزا، علم الأخلاق، ص 63- 64 .
(2)ينظر : جميل صليبا، المعجم الفلسفي، ص 569 .وقارن : كريم متى، الفلسفة الحديثة، ص 102 .


جهلنايفوق بدرجة لا متناهية معرفتنا عن الواقع (1).
لايمكن أن يوجد أو يتصور شيء بدون الله ، فالأحوال لا يمكن أن تكون أو تتصور بدونالجوهر وان كان يمكن فقط أن توجد في الطبيعة المنقسمة وحدها وان تتصور من خلالها،والى جانب الجواهر والأحوال لا نجد شيئاً إذ أن كل شيء أما أن يكون في ذاته أو فيشيء أخر ومن ثم فانه لا يوجد أو يتصور شيء بدون الله(2).فالجوهر عند اسبينوزا موجود بالضرورة أو واجب الوجود، سرمدي لا يكون ولا يفسد،فإذا وجد شيء عداه، لم يمكن أن يكون هذا الشيء إلا صفة للجوهر الأوحد أو حالاًجزئياً يتجلى فيه الجوهر. ولما كان الأوحد فإنه مطلق الحرية أي انه هو الذي يعينذاته، أما حريته فمرادفة للضرورة، والضرورة غير القسر فان الفعل الضروري فعل ذاتيمنبعث من باطن فالجوهر ضروري والحقائق الأزلية ضرورية لم يفرضها بإرادته كما ذهب (ديكارت) ، فإذن الجوهر لا يفعل لغاية،ولكنه يفعل كعلة ضرورية فجميع معلوماته ضرورية، وليس في الطبيعة شيء حادث أو ممكنإلا بإضافة إلى نقص معرفتنا (3). وذلك لان اللهليس فقط العلة التي تجعل الأشياء تشرع في الوجود ، ((بل هو أيضا العلة التي تجعلها تبقى في الوجود وبعبارة بأخرى إن الله علة كينونةالأشياء ، ذلك انه ، سواء وجدت الأشياء أو لم توجد فأننا كلما تأملنا ماهيتهاوجدناها لا تنطوي لا على الوجود ولا على الديمومة، وبالتالي فانه لا يمكن لماهيتهاأن تكون علة لوجودها وبقائها وإنما الله وحده يمكنه ذلك لان من طبيعته هو فحسب أنيكون موجوداً ))(4) ويرى اسبينوزا أن كل من اللهوالطبيعة يحل كل منهما مكان الأخر، وذلك لان الطبيعة بالمعنى العام الذي يعنيالموجود العام للعام ويطلق عليه اسم الطبيعة الخالقة(5).
.................................................. ...............
(1)ينظر : ا . و . بن، تاريخ الفلسفة الحديثة،نقله إلى العربية، عبد المجيد عبد الرحيم، مكتبة الانجلو المصرية، ط1، 1958، ص 72-73 .
(2)ينظر : علي عبد المعطي، دراسات في الفلسفةالعامة ، ص 466 .
(3)ينظر : يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الحديثة، ص111- 112 .
(4)اسبينوزا، علم الأخلاق، ص 59 .
(5)ينظر : احمد السيد علي رمضان، الفلسفةالحديثة ، ص 170 .


ويؤكداسبينوزا انه لا بد أن يسلم الجميع بأنه لا يمكن لأي شيء أن يوجد أو يتصور بدونالله (( وذلك لكونهم يسلمون بان الله هو العلة الوحيدة للأشياء جميعاً وانه علةماهيتها ووجودها على حد سواء، بمعنى أن الله ليس فحسب علة الأشياء من حيثالصيرورة، كما يقال بل كذلك من حيث الوجود، إلا أن بعضهم يقول أن ما ينتمي إلىماهية الشيء هو لا يمكن للشيء أن يوجد بدونه أو يتصور وعليه فإما أنهم يعتقدون أنطبيعة الله تنتمي إلى ماهية الأشياء المخلوقة وإما أنه يمكن للأشياء المخلوقة أنتوجد وتتصور بدون الله ))(1). فليس هناك سبب معقوليدعو لان ننسب إلى الطبيعة قوة وقدرة محدودتي أو أن نعتقد بأن قوانينها لا تنطبقإلا على أشياء معينة فقط، لا على كل الأشياء، ذلك لأنه لما كانت قوة الطبيعةوقدرتها هي قوة الله وقدرته وكانت قوانين الطبيعة وقواعدها هي أوامر الله ذاتها .إذ يؤكد اسبينوزا أن (( من الواجب أن نعتقد بلا تردد بأن قدرةالطبيعة لا نهائية، وان قوانينها من الاتساع بحيث تسري على كل ما يتصوره العقلالإلهي ، أما لو تصورنا غير ذلك، لكان في ذلك اعتراف منا بأن الله قد خلق طبيعتهعاجزة وسن قوانين وقواعد عقيمة إلى حد يضطر معه دائماً إلى مساعدتها لكي تظل باقية))(2). ويتابع اسبينوزا في كتابه إصلاح العقل الفكرة نفسها عندما يقول :(( إذا علمنا أن كل ما يحدث إنما يحدث وفق نظام أزلي ووفق قوانين طبيعةمحدودة ، ولما كان الإنسان غير قادر في هذه الإثناء على إدراك هذا النظام بفكرهوكان يتخيل طبيعة بشرية تفوقه قوة بكثير ولا يرى أي مانع لاكتساب طبيعة تماثلهافانه قد وجد نفسه مدفوعاً إلى البحث عن وسائل تقوده إلى هذا الكمال فيسمى خيراًحقيقياً كل ما ساعده على ذلك ،أو كان الخير الأعظم في نظره في أن يتمتع بمثل هذهالطبيعة ))(3).


.................................................. ...............
(1)اسبينوزا، علم الأخلاق، ص 92 .
(2)اسبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ص 223.
(3)اسبينوزا، رسالة في إصلاح العقل، ص 30 .
وكماقلنا سابقاً أن الإله عند اسبينوزا يمتلك صفة الامتداد والحقيقة أن هذه الفكرةأوقعت المفسرين في مشكلات عديدة سببها أن اسبينوزا لم يجب عن الأسئلة التي تثيرهافكرة الإله المالك الامتداد فإذا كان الامتداد صفة للإله فهل معنى هذا أن الطبيعةتشكل جسداً للإله في كل أجزاء العالم، أن الإله هو الامتداد أو المادة فمعنى هذاأن مذهب اسبينوزا الإلهي ويعتقد في أن المادة هي كل ما يوجد وهو المذهب المتعارفعلى وصفه بالإلحاد، ولأن اسبينوزا لم يطرح هذه الأسئلة أصلا فلم يقدم إجابات لذاظل المفسرون مختلفين حول مذهب اسبينوزا حتى ألان(1).ويرى اسبينوزا أن الجوهر الحقيقي لا متناهي، بمعنى انه يجوز أن يطلق على عدد لانهائي من الصفات والأحوال انه الكل الشامل لكل ما يمكن تصوره من صفات وأحوال، وكلما يمكن أن يظهر في الوجود من صفة أو حال جديد موجود مسبقاً في هذا الجوهراللامتناهي(2). ومعنىأن الجوهر قديم وان وجوده أما أن يكون متناهياً أو لا متناهياً، ولا يمكن أن يكونالجوهر متناهياً وألا حده جوهر آخر من نفس طبيعته ، ومن ثم ينتج عندنا جوهران لهمانفس الطبيعة أو الصفات، فالجوهر إذن لا متناهي لان وجوده من طبيعته هو، وانه غيرمحدد سواء في ماهيته أو وجوده، وهذا الكمال أو اللاتناهي إنما يتبع الجوهر ذاتهولا يتبع اللاتناهي نفسه أو علة خارجية عن الجوهر، فوجود الجوهر يتبع طبيعة الجوهرولا تناهيه و يعتمد على ذاته كعلة بذاته (3).
يمكن القول إن اسبينوزا وجد أن المفهوم الدينيالتقليدي عن الله من حيث هو جوهر لا متناه خلق الطبيعة من العدم بفعل إرادي حر،وانه مفارق لها متعال عليها، يتنافى مع نظام سلسلة الأسباب وان الأشياء عنده لاتفسر إلا بأسبابها القريبة، فلا يمكن أن نفسر الكون تفسيراً معقولاً إلا إذااكتشفنا هذا الشيء الذي ترجع إليه وتستخلص منه كل الأشياء استخلاص النتائج منالمقدمات(4).
.................................................. ...............
(1)See: Steven Nadler : Spinoza Ethics An introduction, p . p 39- 42 .
(2)ينظر : اسبينوزا، علم الأخلاق، ص 58 .
(3)ينظر : علي عبد المعطي، دراسات في الفلسفةالعامة، ص 473 .
(4)ينظر : زيد عباس كريم، اسبينوزا الفلسفة الأخلاقية،ص 146 .ولمزيد من التفاصيل ينظر :كريم متى ، الفلسفة الحديثة ، ص99.
لذلكيقول اسبينوزا : أن الله هو العلة القريبة إطلاقا للأشياء الناتجة عنه مباشرة،لكنه ليس علتها من حيث جنسه، ولا يصح القول إن الله هو العلة البعيدة للأشياءالجزئية إلا إذا كانت غايتنا التمييز بين هذه الأشياء وتلك التي أنتجها مباشرة أيتلك التي تنتج عن طبيعته المطلقة، ويعني بالعلة البعيدة العلة التي لا تربطها أيصلة بمعلولها لان كل ما يوجد أنما يوجد في الله وهو تابع له في وجوده، بحيث لايمكنه أن يوجد ولا أن يتصور بدون الله(1).وتحدث اسبينوزا عن الفكر قائلاً : (( أن علة الوجود الصوريللأفكار هي الله منظوراً إليه فقط كشيء مفكر، لا كشيء يتجلى من خلال صفة أخرىبمعنى أن العلة الفاعلة لأفكار كل من صفات الله والأشياء الجزئية ليست الموضوعاتالتي تمثلها هذه الأفكار أي ليست هي الأشياء المدركة، وإنما هي الله نفسه من حيثانه شيء مفكر ))(2). ولما كان الله الجوهر الوحيد اللامتناهي المتسبب لذاته فانه يعمل بحسبقوانين طبيعته وحدها، ولا يتأثر بأي شيء آخر لأنه لا يوجد شيء خارجه يمكن أن يؤثرفيه ومن هذا يلزم أولا أن ما يعمله الله أنما يصدر عن كمال الله أو طبيعته لا عنسبب خارجه ولا داخله، وثانياً أن الله وحده هو السبب الحر ،لأن الله وحده موجودبالضرورة من طبيعته وانه يعمل بالضرورة من طبيعته وحدها (3). وقد أكد اسبينوزا في أكثر من مناسبة إلى أن قدرة الطبيعة هي نفسها قدرةالله وصفته المميزة وان قدرة الله هي ذاتها ماهيته إذ لا يحدث شيء في الطبيعةمناقض لقوانينها العامة، أو حتى لا يتفق مع هذه القوانين أو لا يصدر عنها بوصفهانتيجة لها ، (( وان كل ما يحدث حقيقة بإرادة الله وبأمره الأزلي، أي انه لا يحدث شيء، إلاوفق القوانين وقواعد تنطوي على ضرورة وحقيقة أزليتين، وأن لم تكن نعرفها كلها ،وبالتالي فهي تنتج نظاماً ثابتاً لا يتغير ))(4). ولمّا كان الله متقدماً على جميع الأشياء بعلته، بل على العكس أن حقيقةالأشياء وماهيتها الصورية هي علـى نـحـو ما لأنهاتوجـد موضوعياً على هذا النـحو في العـقل الإلهي، فالعـقلالإلهي
.................................................. ...............
(1)ينظر : اسبينوزا، علم الأخلاق، ص 62 .
(2)المصدر نفسه، ص 86 .
(3)ينظر : كريم متى، الفلسفة الحديثة عرض نقدي،ص 103 .
(4)سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ص 223.
منحيث تصورنا هو مكون لماهية الله وهو علة ماهية الأشياء وعلة وجودها كذلك (( ولما كان عقل الله هو العلة الوحيدة للأشياء أي انه علة ماهيتها وعلةوجودها على حد سواء، فهو يختلف عنها بالضرورة من حيث الماهية وأيضا من حيث الوجود،وفعلاً فان ما يجعل المعلول مختلفاً عن علته هو بوجه التدقيق انه تابع لها ))(1). ومثلاً الإنسان هو علة وجود إنسان أخر لا علة ماهيته لان هذه الماهيةحقيقة أزلية ومن ثم فالاثنان يتفقان تماماً من حيث الماهية ولكنهما يختلفان من حيثالوجود، ولهذا السبب فان فناء وجود احدهما لا يتبعه فناء وجود الأخر، ولكن لو أمكنلماهية احدهما أن تتقوض وتبطل فان ماهية الأخر ستبطل أيضا و بناء على ذلك فان الشيء الذي يكون علة لماهيةمعلول ما ولوجوده معاً، فان عقل الله يختلف إذا من حيث تصوره مؤلفاً للماهيةالإلهية، عن عقلنا نحن من حيث الماهية ومن حيث الوجود على حد سواء ولا يمكن أنيتفق معه في شيء، عدا في الاسم، كما أردنا إثباته، وفيما يتعلق بالإرادة (2). هذا يعني أن الله موجوداً اعتماداً على الضرورة الوحيدة بطبيعته، ولايمكن القول: بوجود أشياء حادثة. واعتقد أن كل ما يحدث ضروري ومنطقي وذلك لأنه يسيروفق نظام قد وضعه الله للموجودات وقد أجمل اسبينوزا ما أراد قوله عن طبيعة خصائصالله إذ يقول : (( لقد بينت أن الله موجود بالضرورة وانه واحدوانه كائن اعتماداً على ضرورة طبيعته فحسب وبينت انه العلة الحرة لجميع الأشياءوما الذي جعله كذلك وان جميع الأشياء كامنة في الله ومن ثم فأنها تعتمد عليهوأخيرا أن جميع الأشياء قد حددها الله تحديداً مسبقاً لا بفضل إرادته الحرة أوامرهالمطلقة، وإنما اعتماداً على طبيعة الله ذاتها ))(3). يذهب اسبينوزا إلى أن الله أو الجوهر موجود بضرورة وذلك لانتماء الوجودلطبيعة الجوهر وله عدة أدلة على وجود الله أو الجوهر وهي :

.................................................. ...............
(1)اسبينوزا، علم الأخلاق، ص 54 .
(2)ينظر : المصدر نفسه، ص54.
(3)ريتشارد شاخت : رواد الفلسفة الحديثة، ص 101 .
1- الدليل الأول : أن تصور الله يعني تصوره كجوهر وينتمي الوجود إلى طبيعةالجوهر، لأن من طبيعة الجوهر أن يكون موجوداً لأنه لا ينتج عن شيء أخر، وإذا أردناتصور عدم وجوده فيكون محالاً لأنه سيكون تناقضاً واضحاً(1).

3-الدليل الثاني :(( لابد أن يكون لكل شيء سببأو علة معينة تفسر وجود هذا الشيء أو عدم وجوده . وإن وجد مثلاً مثلث ،لابد منوجود علة أو سبب لوجوده ، وإن لم يوجد ، لابد أيضاً من وجود علة سبب يمنع وجوده أوينزع منه الوجود . ثم إنه لابد لهذه العلة أو السبب إما تتضمنها طبيعة الشيء أو أنتوجد خارج الشيء))(2) .وبصيغة أخرى انه لا بد أن يكون لكلشيء سبب أو علة معينة تفسر وجود الشيء أو عدم وجوده، وهذا الشيء لا يمنع وجوده سبب أو علة أنما هو واجب الوجود. لان افتراض هذه العلة أو السبب يقتضي أما وجودها ضمن طبيعة الله وأما خارجها أيضمن جوهر من طبيعة أخرى لأنه لو كان هذا الجوهر من طبيعة الله نفسها نكون بذلك سّلمنا بوجود إله آخر أو جوهر مغايريشارك الله في شيء وهذا غير ممكن(3).
3-الدليل الثالث : يذكر اسبينوزا إذا كانت القدرة على الوجود هي القوة فانه يترتبعلى ذلك انه كلما ازدادت نسبة الواقع الذي ينتمي إلى طبيعة شيء ما ،كان له بذاتهأكثر قدرة على الوجود(4). إذن هناك اله وحدة الوجود الذي تصور الله فيصورة الطبيعة بجوانبها الخلاقة وصفاتها اللامتناهية (5). يقولاسبينوزا : (( كل ما يوجد أنما يوجد فيالله، ولا يمكن القول إن الله حادث، لأن الله يوجد ضرورة، لا جوازاً، وبالنسبة إلىأحوال طبيعة الله ، فهي تنتج عن هذه الطبيعة بالضرورة أيضا ، لا عن طريق الجواز،وذلك سواء اعتبرنا الطبيعة الإلهية إطلاقا أو اعتبرناها محددة للفعل بنحو ماوعـلاوة على ذلك، ليـس الله علـة هذه الأحوال بما هي موجـودة فحسب بل هو علتها
.................................................. ...............
(1)ينظر : احمد السيد علي رمضان، الفلسفةالحديثة عرض ونقد، ص 172 . وللاطلاعأكثر قارن : يوسف كرم ،تاريخ الفلسفة الحديثة ،ص111-112
(2)أسبينوزا : علم الأخلاق ،ص40-41 .
(3)ينظر: احمد السيد علي رمضان ، الفلسفةالحديثة عرض ونقد ، ص 172 . وقارن كريممتى، الفلسفة الحديثة، ص 107 .
(4)المصدر نفسه ص 173 . ويربط ديكارت الوجود بالأناحيث يقول : (( إنا أفكر إذن إنا موجود ويعتبر هذه قضية كحقيقة حدسية واحدة، لأنهفي الوقت الذي أدرك فيه، إني أفكر، أدرك كذلك إنني موجود، فانا موجود )) . ينظر :كريم متى، الفلسفة الحديثة، ص 71 .
(5)ينظر : جان فال ، طريق الفيلسوف، ص 464 .
أيضامن جهة كونها محددة لإنتاج معلول ما، وإذا كانت هذه الأحوال غير محددة من قبل اللهفانه يصبح من باب المستحيل، لا من باب الجواز، أن تحدد نـفسها بـنفسـها أما إذاكـانت، على العـكس مـن ذلـك، محـددة مـن قبـل الله، فانه من المستحيل وليس منالجائز أن تجعل نفسها غير محددة وكل شيء محدد إذا بضرورة الطبيعة الإلهية لا فقط كي يوجد، بل أيضا كي ينتج معلولاً ما بوجه ما ولا وجود لشيء حادث ))(1). ويحدد اسبينوزا لفكرة الله، في تعريفاته الأساسية الأوصاف الآتية :الوجود الضروري، واللانهائية، والأزلية، والشمول . كل هذه الأوصاف لا تتعارض علىالإطلاق مع مفهوم الطبيعة من حيث هي مبدأ أخلاق، أو الطبيعة بوصفها النظام الكليالشامل للعالم، ويصف الطبيعة بأنها موجودة بالضرورة، أما كونها لا نهائية وشاملةلكل ما هو موجود وأزلية، ويقرر اسبينوزا أن الوجود والماهية في الله شيء واحد ومنالممكن أن نستخلص من ذلك صفة الوحدة(2).يذهب اسبينوزا إلى أن (( تنتج عن وجوب الطبيعة الإلهية وحدها أو عنقوانين طبيعته وحدها، على انه لا يمكن لأي شيء أن يوجد ولا أن يتصور بدون الله، بلالأشياء جميعاً موجودة في الله، لا يمكن لأي شيء أن يوجد خارج الله كي يحدد فعلهأو يرغمه على تصرف ما، وعليه فان الله يتصرف بقوانين طبيعته وحدها وبدون أي قهر ))(3). من هذا يلزم أولا أن ما يعمله الله أنما يصدر عن كمال الله أو طبيعته لاعن سبب خارجه ولا داخله، وثانياً : أن الله وحده هو السبب الحر لأن الله وحدهموجود بالضرورة من طبيعته وانه يعمل بالضرورة من طبيعته وحدها ، أن هذا لا يتضمنأن الله يستطيع أن يريد أو يجعل الأشياء تحدث على غيرنحو ما يحدث فيه، فمع أن الله سبب حر إلا أن كل ما يحدث فيه ضروري ولا معنى للحرية داخل الطبيعة رغم أن الطبيعة بما هيكل حرة(4).


.................................................. ...............
(1)اسبينوزا، علم الأخلاق ، ص 63 .
(2)ينظر : فؤاد زكريا ، اسبينوزا، ص 117- 118 .
(3)اسبينوزا، علم الأخلاق، ص 51 .
(4)ينظر : كريم متى ، الفلسفة الحديثة، ص 103-104 .
ويرى اسبينوزاأنإرادة الله وقوانين الطبيعة اسمان يطلقان على حقيقة واحدة . ويتبع ذلك أن كلالإحداث التي تقع في العالم ما هي إلا نتيجة آلية لقوانين الطبيعة الثابتة وليستهذه الإلية قاصرة علىالمادة والجسم فقط كما ذهب ديكارت بل يرى اسبينوزاأنها تشمل الله والعقل أيضا(1).
إذن ثمة اختلاف بيناسبينوزا وديكارت في أن اسبينوزا يرى بأن الله أو الطبيعة ترجع إلى وحدة واحدة أماديكارت فيذهب إلى أن الفكر والمادة مذهب ثنائي . يبين اسبينوزا خواص وطبيعة اللهقائلاً : (( انه واجب الوجود، وانه واحد احد، وانه يوجد ويتصرف بضرورة طبيعته وحدها،وانه العلة الحرة للأشياء جميعاً، وكيف يكون هكذا وان جميع الأشياء قائمة فيهوتابعة له، بحيث لا يمكن لأي شيء أن يوجد أو يتصور بدونه وأخيرا انه قدر الأشياءجميعاً، ليس بإرادة حرة، اعني ليس حسب هواه بإطلاق، وإنما بناء على طبيعتهالمطلقة، أي على قدرته اللامحدودة ))(2).فسبينوزا ينبه إلى ضرورة تجنب الخلط بين المجالين الممتد والفكري، في تفسيرالظواهر، وهو خلط طالما وقعت فيه النظرة اللاهوتية إلى الأشياء، إذ تضع غايات للظاهرالطبيعية أو تنظر إلى الحوادث المنتمية إلى مجال الامتداد على أنها تنفيذ لخطةعليا ذات طابع فكري، وجهة نظر اسبينوزا من فكرة مادية الله يخالف تماماً كل تراثفلسفي وديني سابق عليه، فصفة المادية صفة جديدة أضافها اسبينوزا إلى فكرة الله (3)
.................................................. ...............
(1)ينظر : احمد السيد علي رمضان، الفلسفةالحديثة عرض ونقد ، ص 174 . وقارن ول ديوارنت، قصة الفلسفة، ص 216- 217.
(2)اسبينوزا، علم الأخلاق، ص 71- 72 .
(3)ينظر : فؤاد زكريا، اسبينوزا، ص 120 .
المبحث الثالث
معرفة الحب الإلهي
ارتبط مفهوم الحب الإلهي* لدى اسبينوزابالكمال والرفعة والتعالي عما نعرفه من مفهوم الحب التقليدي لدى البشر فعند الربطبين الحب كعاطفة وبين الذات الإلهية ككمال نكون بذلك قد ارتقينا بمستوى العاطفةالآنية ذات المسحة البشرية المتعرضة للتبدل إلى الكمال والمثال الإلهي الذي لايجري عليه أي تغير فنكون بذلك قد حصلنا على عاطفة إلهية لا يعتريها التغير ونشعرعندئذ بنوع من الانبساط أو الانشراح والفرح وذلك لأنه ارتبط بفكرة الذات الإلهيةنفسها ، وقد أطلق اسبينوزا على هذا الحب اسم الحب العقلي لله فهو الذي ينشأ منالنوع الثالث من المعرفة إلا وهي المعرفة الحدسية ويؤكد اسبينوزا حقيقة انه (( لا يوجد أي حب أزلي، باستثناء الحب العقلي ))(1).وتعرض اسبينوزا لهذا الموضوع لأنه أراد أن يميز بين العقل والعاطفة، ويرىانه علينا أن نحارب العواطف الهوجاء التي لا تقوم على العقل بالعواطف التي يستندهاالعقل ، فكل ما يعمله الإنسان يكون مبنياً على أساس من العقل والتفكير، لا علىالمشاعر والعواطف فهو عمل فاضل وإذن لا فضيلة في رأي اسبينوزا إلا بالعقل(2). يربط اسبينوزاالحب العقلي لله بحب الله لنفسه حيث يجعلهما شيء واحد وبذلك يقول : (( أن ما تشعر به النفس من حب عقلي لله لا يختلف عن الحب الذي يحب به اللهنفسه، لا من حيث هو لا متناه، وإنما من حيث انهيمكن تفسيره بماهية النفس البشرية منظوراً إليهما من جهة الأزل بمعنى ما تشعر بهالنفس من حب عقلي لله هو جزء من الحب اللامتناهي الذي يحب به الله نفسه ))(3).الإ أن أسبينوزا يؤكد دائماً على أن الإله ليس له انفعالات ، كما أنه لايتأثر بعواطف اللذة والألم(4).
.................................................. ...............
* الحب الإلهي : هو عبارة عن بهجة وليدة كمال الله، يشعر بها العارفون منالمتصوفة، وسببها أن تطهر نفسك من كل ما يشغلك عن الله، وان تملأ قلبك به، وكلماكان الحب أقوى كانت السعادة أعظم . ينظر : إبراهيم مدكور، المعجم الفلسفي، الهيئةالعامة لشؤون المطابع الأميرية، مصر، 1983، ص 66 .
(1)اسبينوزا، علم الأخلاق، ص 343.
(2)ينظر : ول ديوارنت، قصة الفلسفة ، ص 143 .
(3)اسبينوزا، علم الأخلاق، ص 343 .
(4)ينظر: زيد عباس كريم ، أسبينوزا الفلسفة الأخلاقية ، ص229 .
وعليهفلكي يتمكن الإنسان من تحقيق ذلك الحب عليه أن يمتلك بتلك الصفة . وقد كاناسبينوزا يؤمن حقيقة بأزلية العقل البشري، وان كان يعترف باستحالة التوفيق بينأزلية العقل وبين أرائه الأخرى في علاقة النفس بالجسم (1). إذن يتبين لنا أن العقل البشري يمكن أن يكون أزليا بأزلية الله وتكون فيحالة واحدة إلا وهي الحب العقلي لله . إذ يؤكد أسبينوزا بأن معرفة الحب الإلهي مرتبطةبمعرفة الطبيعة حيث يقول : (( فمن المؤكد أن كل موجوداتالطبيعة تحتوي على فكرة الله وتعبر عنها حسب درجتها في الماهية والكمال . ومن ذلكيتضح انه كلما ازدادت معرفتنا بالأشياء في الطبيعة كانت المعرفة التي نحصل عليهابالله أعظم وأكمل )) (2). فهنا يرى اسبينوزا انهلكي يحصل الإنسان على معرفة الحب الإلهي ينبغي علينا أن نعرف الطبيعة أي الأشياءالخارجية لكي تزيد معرفتنا بالله*. هذا من جانب ، أما من الجانب الأخر فإنأسبينوزا يرى بأن حكم الله ((هو نظام الطبيعة الثابتالذي لا يتغير ، أو تسلسل الموجودات الطبيعية ، وذلك لأن قوانين الطبيعة الشاملةهي مشيئة الله الأبدية التي تتضمن حقائق وضرورة أبديتين .


.................................................. ...............
(1)ينظر: فؤاد زكريا، سبينوزا، ص 155 .
(2)اسبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ص 194.
*تجدر الإشارة هنا إلى إننا نستطيع أن نقارب ونقارن بين نظرةاسبينوزا هذه إلى الحب الإلهي وربطه بالطبيعة وما أكد عليه من الوحدة بين اللهوالطبيعة، وبين فكرة العشق الدافع للحركة عند أرسطو، وهي الفكرة التي أكد فيها علىأن العالم بكل موجوداته يتجه نحو المحرك الذي لا يتحرك بدافع العشق، مع ملاحظة أنهذا العشق عند أرسطو لا يؤدي بأي حال من الأحوال إلى الاتصال بين المحرك الأولوالعالم ذلك أن المحرك الأول هو سبب للحركة وعلة لها ولكنه منفصل عن العالم وقابعفي مكان أخر – لا يحدده أرسطو صراحة – يضاف إلى ذلك انه مخالف للعالم في جوهريته،بينما عند اسبينوزا فالله والطبيعة شيء واحد وهما وجهان لجوهر واحد، وإذا كانالعشق الأرسطي يرتبط بشكل اكبر بالجانب الانطولوجيا فان الحب الإلهي عند اسبينوزايرتبط بشكل اكبر بالجانب الابستمولوجي . ينظر بهذا الصدد .:
-كريم متى : الفلسفة اليونانية، منشورات مطبعة الإرشاد،بغداد، 1971، ص 214- 215 .
-أميرة حلمي مطر : الفلسفة عند اليونان، منشورات دارمطابع الشعب، القاهرة، 1965، ص 192- 193 .
-أرسطو : الطبيعة، الترجمة العربية القديمة، حققها وقدملها : عبد الرحمن بدوي، منشورات الدار القومية للطباعة والنشر ، القاهرة، 1964، م8 ف 6، ص 868- 873 .
-أأ. هـ ،ارمسترونغ : مدخل إلى الفلسفة القديمة، ترجمة : سعيد الغانمي، منشورات (كلمة ) والمركز الثقافي العربي، أبو ظبي، بيروت، ط1، 2009، ص 125- 126 .
-م،تايلور: الفلسفة اليونانية ( مقدمة )، ترجمة : عبدالمجيد عبد الرحيم، مراجعة وتقديم : ماهر كامل، منشورات مكتبة النهضة المصرية،القاهرة، ط1، 1958، ص 137 .
فانقلنا إن كل شيء يسير حسب قوانين الطبيعة ، أو طبقاً لمشيئة الله ، فأننا نقول نفسهفصفات الله هي قوانين الطبيعة ، بل أن الله هو الطبيعة ، الله هو الطبيعة الطابعة،والطبيعة المطبوعة ))(1) . وحين يعرف الإنسان اللهمعرفة حدسية لا يملك إلا أن يحبه وهذا هو ما يدعوه اسبينوزا الحب العقلي لله، فحينيبلغ الإنسان أعلى المراتب من الترفع والتعالي وتنقية النفس من الشرور ويخرج مننفسه كل تعلق بالملذات الحسية فهو بذلك يصل إلى أعلى مراتب الكمال ويحصل علىالسعادة القصوى إذ يؤكد أسبينوزاهذا المعنى بقوله : (( تتمثلالغبطة في حب الله ، وينشأ هذا الحب عن النوع الثالث من المعرفة وعلى ذلك فلابد أن يكون هذا الحب مرتبطاًبالنفس بوصفها فاعلة ، وذاك فهو الفضيلة بعينها ))(2) .فلما كان حب الله هو السعادة القصوى والغاية الأخيرة للأفعال الإنسانيةفأن من يحب الله يكون هو المطيع حقاً للقانون الإلهي لاعن خوف أو رجاء بل بمايدركه الإنسان بذهنه لا بجسمه في حين نجد أن القانون الإنساني ، غاية أخرى وهيالمحافظة على سلامة الإنسان وأمن الدولة إلا إذا كان الوحي هو الذي شرعه ، لأنمعنى ذلك هو إرجاع الأشياء لله(3) وإذا استبدلنا باللهالطبيعة أمكننا أن نقول أن سعادة الإنسان القصوى تقوم في معرفة الطبيعة ومعرفةقوانينها معرفة واضحة وكافية من منظورها الأزلي الذي لا يكون فيه مجـال لما هوحـادث أو ممكن بل أن كل شيء فيه يتلو بالضرورة من سببه، وهذا السبب من سببه، وهكذاحتى تنتهي إلى الطبيعة ومتى بلغ الإنسان هذه المرحلة من المعرفة زالت عنه كلمخاوفه لأنه يعيش حينئذ في انسجام تام مع الطبيعة وما الخير الأعظم إلا الانسجامأو الوحدة بين العقل والطبيعة(4). لذلك فالمعرفةالحدسية عند اسبينوزا لها مكانة مهمة حيث يقول : ((أن المعرفة الحدسية أو المعرفة من النوع الثالث وكم تفوق هذه المعرفة المعرفةبالكليات التي قلت أنها النوع الثاني من المـعرفة فـي أن الأشياء جـمـيـعـاً تكونتابعة لله من حيث الماهية والوجود، فان هذا
.................................................. ...............
(1) أسبينوزا : رسالة في اللاهوت والسياسة ، ص67
(2) أسبينوزا : علم الأخلاق ، ص350-351 .
(3) ينظر: أسبينوزا ، رسالة في اللاهوت والسياسة،ص58 .
(4) ينظر : كريم متى، الفلسفة الحديثة ، ص 120 .
الإثبات، مع انه إثبات مشروع ولا يفسح المجال للشك،لا يكون تأثيره في أنفسنا على نحو تأثير ما نستنتجه من ماهية كل شيء فردي بالذات ))(1). ويذهب اسبينوزا إلى أن العلم العقلي أو المعرفة الحدسية تقوم على السعادةوالخلاص والتحرر من المؤثرات الخارجية، وتلك هي الفضيلة القصوى، فإذا فهمت فكرةالله على أنها النظام الضروري للكون فان حب الله العقلي يغدو عندئذ نوعاً من حبالكون أو تعبيراً عن سعي الإنسان الدائم إلى بلوغ المثل الأعلى للمعرفة(2). ويرى اسبينوزا أن من يفضل المعرفة العقلية لله أي الموجود المطلق الكمالعلى كل شيء، ومن تزيد نشوته بها يكون بالضرورة هو الأكمل، ويشارك في السعادةالقصوى وهي في معرفة الله وحبه وبالتالي فان حب الله ينشأ من معرفته، ومعرفة اللهيجب أن تنشأ من أفكار مشتركة يقينية معروفة بذاتها(3).ويذهب اسبينوزا إلى انه لا يمكن للحب العقلي أن يبطل حيث يقول : (( ينتج هذا الحب العقلي بالضرورة عن طبيعة النفس من جهة اعتبارها، فيعلاقتها بطبيعة الله، حقيقة أزلية وبناءً عليه فلو وجد شيء مناقض لهذا الحب، لكانهذا الشيء مناقضاًّ للحق، وبالتالي لكان الشيء القادر على إبطال الحب قادراً علىجعل الحق باطلاً، إلا أن هذا محال، إذاً لا يوجد في الطبيعة أي شيء ))(4). ويشرح الدكتور فؤاد زكريا العلاقة بين الذهن البشري والعقل الإلهي حيثيقول: لا تكون العلاقة بينهما حقيقتين متميزتين، بل تكون علاقة حقيقية جزئيةبحقيقة كلية تتجاوز الأولى، وإن تكن في الوقت ذاته تعبر عن نفسها من خلالها،فعندما يفكر الإنسان فمـن المـمكن القـول أيـضاً أن الذي يفـكر هو الله، من حيثانه يتمثل من

.................................................. ...............

Advertisement

(1)اسبينوزا، علم الأخلاق، ص 345 .
(2)ينظر : كريم متى، الفلسفة الحديثة، ص 120 .وقارن : فؤاد زكريا، سبينوزا، ص 227- 228
(3)ينظر : سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة،ص 194- 196 .
(4)اسبينوزا : علم الأخلاق، ص 345 .

خلالالذهن البشري(1). و((الإنسان الحر يجد سعادته في تبينه انه جزء من ذلك النظام المجبر جبراً يشمله بأسرهفترى هذا الإنسان الحر يمتعه أن يجد نفسه في موضعه الحق وهي متعة تكون مصحوبةبفكرة الله أو الكون، وهذا هو حب الله بالمعنى الذي أراده سبينوزا لتلك العبارة ))(2). ومتى بلغ الإنسان هذه المرحلة من المعرفة زالت عنه كل مخاوفه، لأنه يعيشحينئذ في انسجام تام مع الطبيعة (3). وهذا يدل علىتأكيد اسبينوزا في أكثر من نص أن المعرفة الإلهية تحصل من أن النفس تشعر بحب عقليلله أولا وفي معرفتنا للطبيعة ثانياً . يقول فؤاد زكريا كون الإنسان لا ينتظر منالله حباً متبادلاً* معناه انه يقبل هذا النظام الضروري للكون، أو هذا المصير، وانيكن النظام الضروري ذاته لا يستهدف غاية بشرية، ولا يسعى إلى إرضاء الإنسان، بل لايكترث به ويقف منه موقفاً سوياً، لا لشيء إلا لأنه ضروري فان الإنسان في الوقتالذي يظل فيه ساعياً إلى بلوغ المثل الأعلى للمعرفة طوال حياته، لا يمكنه أن يبلغهذا المثل الأعلى على الإطلاق، ومن أيسر الأمور أن ندرك كيف يكون الحب الإلهيعقلياً، إذ أن علاقة المعرفة أو الفهم أو الاتصال بالطبيعة الضرورية للأشياء، هيعلاقة عقلية قبل كل شيء(4). وهذا ما يؤكده اسبينوزا قائلاً : (( لما كانت ماهية أنفسنا تتمثل في المعرفة فحسب، ولما كان الله هو مبدأ هذهالمعرفة وأساسها فأننا ندرك بوضوح كيف وبأي صورة تنتج النفس من حيث الماهيةوالوجود . عن الطبيعة الإلهية، وكيف تظل تابعة لها ))(5). والإنسان العاقل يصبح من خلال اتحاده بالله أزليا وخالداً ومن ثم حراًسعيداً، (( وحين يبلغ الإنسان هذه الـمـرحـلـة مـن الـكـمـال لا يـكـف عـن حـب، بــليــحــب مـا هـو أزلي، لأنه يصبح

.................................................. ...............
(1)ينظر : فؤاد زكريا، سبينوزا، ص 165 .
(2)الموسوعة الفلسفية المختصرة، نقلها عنالانجليزية فؤاد كامل وجلال العشري وآخرون، راجعها واشرف عليها . د . زكي نجيبمحمود، مكتبة الانجلو المصرية، القاهرة، ب . ت ، ص 181 .
(3)ينظر : كريم متى، الفلسفة الحديثة، ص 120 .
*فأسبينوزا حين قال إن حبنا لله ليس معناه أن ننتظر حباً مقابلاً من جانب الله، كانيقصد تنقية هذا الحب من مظاهر الأنانية التي تجعلنا نتوقع المبادلة في كل حب نشعربه ، بحيث ننتظر أن نُرد هذا الحب إليناأخر الأمر .ينظر : فؤاد زكريا : أسبينوزا، ص166 .
(4)ينظر : فؤاد زكريا، سبينوزا، ص 167- 168 .
(5)اسبينوزا، علم الأخلاق، ص 344 .
هو والله شيئاً واحداً ))(1).أي أن الإنسان متى ما ارتبط بالأشياء اللامتناهية يبلغ مرحلة الكمال لأنه بذلكيتصل بالله، وكل شيء يتصل بالله يصبح أزليا ، وسبيل الإنسان الحصول على السعادةالقصوى هو المعرفة الحدسية التي تؤهله للتعالي على حدود الزمان والمكان وإدراكالأشياء في صورة الأزلية، ومن ثم الاتحاد بالله أو الطبيعة بما هي كل، وإذا كانتالمعرفة تتجاوز المكان والزمان فأنها ليست معرفة وافية، لأنها مجردة وقاصرة علىقوانين وصيغ رمزية، أما المعرفة الحدسية فأنها وافية لأنها من ناحية خالية منالخطأ ولانها من ناحية أخرى حية، ففي المعرفة الحدسية لا يدرك الإنسان الأشياء فيصورة قوانين مجردة، بل يدركها من حيث هي أشياء محسوسة وحين يحصل المرء على المعرفةالحدسية يدرك بأنه موجود في الله، وبأن الله موجود فيه(2). ويقول اسبينوزا: يرتقي العلم الحدسي من المعرفة من الفكرة التامة للماهيةالصورية لبعض الصفات الإلهية إلى المعرفة التامة لماهية الأشياء(3). فالنوع الثالث من المعرفة (المعرفةالحدسية ) يتعلق بالأشياء الفردية هو أنها نوع من الحدس الذي نصل به إلىالماهية الكلية للأشياء عن طريق فهم طبيعة شيء خاص يشارك في هذه الماهية الكليةويوضحها بوصفه وجهاً أو مظهراً لها، فإذا فهم الإنسان طبيعة ذهنه ففي وسعه أن يفهمماهية الطبيعة بأسرها، أو الماهية الإلهية، عن طريق إدراكه لاعتماد ماهية الذهنعلى ماهية الطبيعة(4). والمعرفة عند اسبينوزا في أعلىدرجاتها هي المعرفة الحدسية، التي تختص بالله وحده على الرغم مـن إن النـاس قديحـققونها بقدر يسير، وهي تحـصـل عندمـا نرى الروابط

.................................................. ...............
(1)كريم متى، الفلسفة الحديثة، ص 123 .
(2)ينظر : المصدر نفسه، ص 122 .
(3)ينظر : اسبينوزا، علم الأخلاق، ص 126- 127 .
(4)ينظر : فؤاد زكريا، اسبينوزا، ص 72- 73 .

بينأفكار النسق بغير حاجة منا إلى السير خطوة خطوة في الاستدلال(1). وان أوصاف اسبينوزا للمعرفة الحدسية لا تنطوي على أي تقليل من شأن العقل،وإنما هي، أن شئت، تعبير عن طريقة أخرى من طرق استخدام العقل، تختلف عن الطريقةالاستدلالية وربما كانت هي التعبير عن إدراك وتبصر يصل إليه العقل حيث يعلم انهيعكس في داخله قوانين الطبيعة في مجموعها، واسبينوزا في حديثه عن هذا النوع منالمعرفة موحياً باتجاهات صوفية، وحين يقرنه بالحديث عن المعرفة الحدسية لله، فانهفي معظم الأحوال يتناول هذا الموضوع في سياق لا يكف عن تأكيد انه العقل هو اشرف مالدى الإنسان وهو أسس غاياته(2). ويرى اسبينوزا أنالعقل قوة من قوى الطبيعة ، ونظام من الأفكار المطابقة التي تحدد فضائلنابالضرورة، والإنسان مقود بعقله بالضرورة والفضيلة قوة العقل، ويقرر أن العقل لايطالب بشيء متناف مع الطبيعة ولا مضار لها(3).فان (( ما نعنيه بالعقل ليس الفكر المطلق، بل هو نمط معين من التفكير فحسب،ويختلف هذا النمط عن الأنماط الأخرى كالرغبة والحب ... الخ، وينبغي بالتالي تصورهبواسطة الفكر المطلق، ينبغي تصوره بواسطة صفة إلهية تعبر عن الماهية الأزليةاللامتناهية للفكر، لهذا يجب أن تنسبه إلى الطبيعة المطبوعة لا إلى الطبيعةالطابعة، وكذا الشأن بالنسبة إلى بقية أنماط التفكير ))(4). إذن يعطي اسبينوزا للمعرفة الحدسية وهي النوع الثالث من المعارف أهميةكبيرة والتي من خلالها نتصل بالله أو بالطبيعة بأسرها . وقد عرفها احمد السيدبأنها : تلك المعرفة التي يدرك فيها الشيء بماهيته أو بعلته القريبة وتعتبر منارقى أنواع المعارف، لأنها تمثل المعرفة الكاملة والأفكار الحقيقية، باعتبارموضوعاتها معان واضحة متميزة يكونها العقل بذاته .

.................................................. ...............
(1)ينظر :مجموعة منالعلماء، الموسوعة الفلسفية المختصرة ، مصدر سابق،ص181 .
(2)ينظر : د . فؤاد زكريا، اسبينوزا، ص 73 .
(3)ينظر : د . عبد الرحمن بدوي، الأخلاقالنظرية، وكالة المطبوعات، الكويت، ط2 ،1975 ، ص 260- 261 .
(4)اسبينوزا، علم الأخلاق، ص 64- 65 .
لذلكأعطى منهجاً للوصول إلى تلك المعرفة الكاملة والأفكار الحقيقية التي هي المعرفةالحدسية لأنها تعبر عن نشاط عقلي خالص وهذا المنهج هو على نوعين المنهج الصاعدالمتمثل في النهوض بالفهم عند الفرد إلى أن تتحقق معرفة اغلب المسائل الأساسيةللميتافيزيقا، أما المنهج النازل وهو عبارة عن طرح الحقائق عن الله والعالم فيصورة تعاريف ثم يعمل على استخلاص متضمناتها المنطقية للأشياء الأكثر جزئية(1). فهذه المعرفة تجعلنا في سرور مصحوباً بفكرة الله هو محبة الله، والإنسانهو العلة الكاملة لهذه المحبة وهي خالصة لا يقابلها محبة من جانب الله ، لأن اللهبريء من الانفعال، وتلك هي الحياة الأبدية المستقلة عن الزمان، وكلما ازدادت معرفتناازداد حظها – النفس – في الخلود(2).
وعلىذلك تخلص نظرية أسبينوزا حول الحب الإلهي محاولة منه إلى التوفيق بين المعرفةالإلهية وبين العلم ومعرفة النظام الحتمي الذي يحكم الكون فعندما يتخذ الإنسان منذلك العلم الصحيح هدف له عندها يغدو كل شيء واضحاً إمامه لان كل شيء سوف يفسر منخلال الضرورة الكلية للكون ، ويصل الإنسان إلى السعادة الحقيقة والتحرر الحقيقي،يقصد به التحرر من الانفعال والخوف الناتج من الجهل بالأسباب وعن إغفال الطبيعةالضرورية لكل الحوادث ويكتسب العقل راحته الكبرى عندما تظهر الضرورة الكونية الأزليةأمامه واضحة ومتميزة(3). فأراد أسبينوزا أن يرتفع بالإنسان عن كل ماحوله من مغريات فانية وأن يلقي الضوء على الموجود الأزلي فعند تخلص الإنسان من كلالانفعالات التي تجلب له الحزن يكون بذلك قد أرتبط بانفعال عاطفي لا يمكن أن يتغيرذلك الانفعال لأنه مرتبط بالله فالحب بالمعنى التقليدي لا يمكن له أن يدوم وذلكلأنه محكوم بالظروف والتغيرات التي قد تطرأ عليه في حين أن الحب الإلهي أزلي لايمكن إن تجري عليه الظروف .

مسيكةمحمد
.................................................. ...............
(1)ينظر : احمد السيد علي رمضان ، الفلسفةالحديثة عرض ونقد ، ص 175- 177 . وقارن : ريتشاردشاخت، رواد الفلسفة الحديثة ص 87- 88 .
(2)ينظر : يوسف كرم، الفلسفة الحديثة، ص 115-116 .
(3)ينظر:زيد عباس كريم ، أسبينوزا الفلسفة الأخلاقية ، ص231 .
التوقيع
ليس بإنسان ولا عالم من لايعي التاريخ في صدره
ومن درى أخبار من قبله أضاف أعمارا إلى عمره

صديق القمر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-10-2015, 09:19 PM   #2
alg17
 
الصورة الرمزية صديق القمر
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
المشاركات: 1,938
افتراضي رد: المذهب الأحادي عند إسبينوزا

التوقيع
ليس بإنسان ولا عالم من لايعي التاريخ في صدره
ومن درى أخبار من قبله أضاف أعمارا إلى عمره

صديق القمر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
المذهب, الأحادي, عند, إسبينوزا

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
المذهب العقلـي MANOULA الفلسفة 3 17-10-2015 09:10 PM
المذهب العقلي عند المعتزلة صديق القمر الفلسفة 0 17-10-2015 09:09 PM
أنواع المعرفة عند إسبينوزا صديق القمر فلسفة 1 12-10-2015 08:29 PM
المذهب الفلسفــي الذرائعيـــة (البرجماتــــية) MANOULA الفلسفة 0 15-08-2010 05:14 PM
المذهب المثالي MANOULA الفلسفة 0 15-08-2010 05:13 PM

sitemap

الموقع يخضع لسياسة ادسنس لقراءة الشروط بالعربية انقر هنا أو بالانجليزية Google Adsense Privacy Policy   

 abuse@alg17.com


الساعة الآن 09:52 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.11 Alpha 3
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
adv helm by : llssll
المواضيع المنشورة في المنتدى تعبر عن رأي اصحابها وجميع المواضيع التي تخالف سياسة الموقع يتم حذفها

Search Engine Friendly URLs by vBSEO

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138