فلسفة العلم ومنهاج البحث العلمي
قديم 03-10-2015, 07:33 PM   #1
alg17
 
الصورة الرمزية صديق القمر
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
المشاركات: 1,938
افتراضي فلسفة العلم ومنهاج البحث العلمي



فلسفة العلم ومنهاج
البحث العلمي

(Science Philosophy and the Logic of Scientific Research)


٢
المقدمة
مهما بلغ الانسان من العلم فأنه بحاجة الى تطوير ذاته بقراءات متنوعة، توسع من
مداركه وتجعله على وعي تام بأبعاد اختصاصه في العلوم الاخرى، وصلته بتلـك
العلوم ومنها العلوم المنطقية والفلسفية التي تساهم دراستها فـي البنـاء الفلـسفي
والعلمي. فتكشف لك عن الصلة بين الفلسفة والعلم، وتجعل المتعلم يقـف علـى
توجهات الفلاسفة العلمية، ونظرات العلماء الفلسفية، ومعرفة الاسـس المنطقيـة
والفلسفية التي تقوم عليها النظريات العلمية التي درستها في اختصاصك.
لذلك سوف تنصب دراستنا في البداية على تناول تاريخ العلم كونه مقدمة اساسية
للتعرف على الفلسفة العلمية، فالعلم والفلسفة هما كلاً مترابطاً.

Advertisement

حيث ان العلم ظاهرة حضارية، وقد بذل العلماء في تخصصاتهم المتنوعة جهودا
عظيمة لأتمام هذه الظاهرة والافادة منها في الحياة العلمية والعملية حتـى اصـبح
العلم يساهم مساهمة فاعلة في البناء المعرفي للانسان وتكوين عقله، وتغيير واقعه،
وصار تاريخ العلم هو تاريخ العلم الانساني والتفاعل بينه وبين الخبرات التجريبية
او معطيات الحواس.
والصلة وثيقة بين الفلسفة والعلم، فاذا استعرضنا اراء اعظم المبدعين في علـوم
القرن العشرين، وجدنا انهم يؤكدون على حتمية وجود رابطة وثيقة بـين العلـم
والفلسفة، ويمكننا ان نفهم هذا الاهتمام بالجانب الفلسفي للعلم من قبل ذوي العقول
الخلاقة والواسعة الخيال اذا تذكرنا ان التغيرات الاساسية في العلم كانـت دائمـا
مقترنة بمزيد من التعمق في الاسس الفلسفية. ويتضح من كل هذه الاعتبارات ان
كل من ينشد فهما مقبولاً لعلوم القرن العشرين ان يكون ملماً بقدر كبير من الفكر
الفلسفي.
ومن هنا فان دراسة تاريخ العلم والفكر الفلـسفي ضـرورية للبحـث العلمـي
والفلسفي، وتكشف حتماً عن كثير من الصلات بينهما حد التلاحم من حيث انهمـا
يبحثان معاً عن الحقيقة، ولهذا فان فلسفة العلم اصبحت لاتنفـصل عـن الابعـاد
التاريخية لظاهرة العلم، فغدت شديدة العناية بتاريخ العلم.
٣
لهذا نجد من الضروري ان نقدم نظرة موجزة في تاريخ العلم وصلته بالفلسفةدون
الدخول بالتفصيلات الجزئية لكل منهما، وبأمكان الراغـب فـي التفـصيلات ان
يستأنس بالمصادر والمراجع التي تبحث في هذا الموضوع.
فلسفة العلم ومنطق البحث العلمي
٤
المحور الاول: العلم في حضارات وادي الرافدين.(Mesopotamia)
في بادئ الكلام لابد من القول "ان حكماء الشرق القديم كـانوا بنـاة الحـضارات الانـسانية
الاولىومؤسسي العلوم العملية التجريبية بأتفاق المؤرخين. فهم الذين انشأوا علوم الرياضـيات
والفلك والكيمياء والطب ونحوها من علوم عملية وتجريبيـة". ومـن بـين اولئـك الحكمـاء
المتميزين حكماء العراق القديم الذين اشرقت انوار حكمتهم على شعوب كثيرة. فقـد اختـرع
العراقيون الكتابة، وأسسوا المدارس، ودرسوا الخط، وازدهرت لديهم بفعل جهـودهم العلميـة
والعملية علوم الرياضيات، والفلك، والجغرافية، والتاريخ الطبيعي، والقوانين والطـب والاداب
والفنون، وتأملوا الطبيعة وظواهرها وناقشوا موضوعات مختلفة ذات طـابع فلـسفي تتعلـق
بالكون والوجود وقصة الخلق والحياة والموت والخلود، والخير والـشر والعدالـة والقـانون
وغيرها من الموضوعات. والناظر في علوم العراقيين القدماء، سيقرر بحق ان الحكمة بـدأت
عند العراقيين، وانهم استعانوا بالملاحظة والتجربة في بناء علومهم، وتسيير امـور حيـاتهم،
وبتكاتف العلوم مع بعضها في تحقيق انجازاتهم، فـ الحكمة العراقية اساسها رياضي منطقي،
لان العراقيين اول من بنوا السدود، وشقوا الترع، وبنوا الزقـورات علـى اسـس رياضـية
وعلمية. وعقدوا الصلة بين الرياضيات والفلك فهم الذين اقاموا الاسس الرياضية التي لا يمكن
ان يقوم فلك علمي بدونها، وبدأوا سلسلة من الارصاد التي لولاها لاستحال تحقيـق القواعـد
العامة الحديثة، ثم انهم اخترعوا فن الارصاد الفلكية.
وقد افاد الانسان العراقي القديم من الطبيعة وسخرها بارادته لـصالحه، وشـرع فـي الاخـذ
باسباب الحضارة، فاصبحت لديه معارف وتصورات عن الظواهر الطبيعية المرتبطة بحياتـه
وحاجياته، واكتسب خبرة في صناعة الالات التي تيسر له الافادة من تلـك الظـواهر، واخـذ
يصقل المعادن ويطلي الاواني النحاسية بالقصدير لمنع الصدأ، وبذلك فانه كان يقـوم باعمـال
تقع في صلب علم الفيزياء، وتصور الانسان العراقي الطبيعة على اساس انهـا غيـر جامـدة
وبالتالي فانه يمكن ان يضع تراتب يبني عليه الظواهر الفلكية، فاعتمد الملاحظة الدقيقية فـي
حركة الافلاك وسجل ملاحضاته في جداول ليكشف الدورات الفلكية للاجرام الـسماوية ومـا
يتصل بها من ظواهر تحدثها على الحياة الارضية، وقد استخدمت الرياضـيات فـي تنظـيم
الجداول الفلكية على نطاق واسع وهو امر يبين بلا شك ادراك الانسان البابلي للعلاقة بين علم
الرياضيات والطبيعة، كما يمثل هذا الادراك حجر الزاوية في التطور العلمي لان التعبير عـن
الظواهر والحوادث بلغة الرياضيات هو الاساس الذي لايمكن للعلم الطبيعي والفلكي ان يقـوم
دونه.
وقد بذل الانسان العراقي جهودا ممتازة في الجغرافية فتضمنت الوثائق الجغرافية قوائم للاقاليم
ومراشد للسفن والاغراض الادارية والامكنة والبقاع.
فلسفة العلم ومنطق البحث العلمي
٥
وفي التاريخ الطبيعي تدل انواع مختلفة من الوثائق على معرفة الانسان العراقي بعدد كبير من
انواع النبات والحيوان حيث ذكروا اسماء الحيوان، وانواع النبات، كما ادركوا ادراكـا كليـا
ضرورة الجمع بين ازهار الاشجار غير المثمرة وازهار الازهار المثمرة من اجـل ضـمان
تلقيح هذه الاشجار. واما جهودهم في القانون المتعلقة بالاموال المنقولـة وملكيـة الاراضـي
والتجارة والاسرة والاضرار والعمل فلها مكانة رفيعة عند الباحثين، وفي ذلك يقول سـارتون
ان قانون حمورابي احد المعالم البارزة في التاريخ البشري.
ان اجتهاد الانسان العراقي القديم في معرفة مكانته في الكون، وبحثه في اصل الكون ونـشأته
قد قادته الى الاعتقاد بان الماء مصدر الحياة، ومنه تكونت الاشـياء، وقـد كـشفت بحـوث
المستشرقين عن وجود حضارة شرقية بابلية زاهرة نجد فيها مثلا اراء عن خلق الكـون مـن
الماء تشبه كلام طاليس. ويذكر الفيلسوف اليوناني سارتون عن حـضارات وادي الرافـدين،
فمن سذاجة الاطفال ان نفترض ان العلم بدأ في بلاد الاغريق، فان المعجزة اليونانيـة سـبقها
الاف الجهود العلمية في مصر وبلاد ما بين النهرين وغيرهما من الاقاليم.
فلسفة العلم ومنطق البحث العلمي
١
المحور الثاني: فلسفة العلم في الحضارة الیونانیة
ثانیا/ الاتجاه العقلي التأملي:
١- المدرسة الفيثاغورسية:
أن الفيثاغورسيين هم جماعة علمية دينية سياسية يخضعون لنظام مشترك ويعملون
معا في الرياضيات والفلك والموسيقى، ويعتقدون أن العلم هو خير وسيلة لتهذيب
الأخلاق. وقد انشأ هذه الجماعة فيثاغورس سنة ٥٧٢- ٤٩٧ ق.م، فهو مؤسـس
مدرسة علمية أصبح الاهتمام معها واضح في الرياضيات وجعلت منه علما قائمـا
بذاته، فاستمدت طريقة لتصوير الإعداد بوصفها تنظيمات مـن النقـاط تـصف
بترتيب هندسي فتتكون منها الإعداد. وأهملوا الأصل المادي للوجود، وبحثوا عن
حقيقته في أصول من النسب الرياضية، فذهبوا إلى أن العالم عدد، وان العدد هـو
العنصر الذي تتكون منه جميع الموجودات.
وهكذا درس الفيثاغورسيين الإعداد، وكانت لهم معرفة بخواصـها واسـتخرجوا
جداول المتواليات الحسابية والهندسية. وناقشوا ظواهر فلكيـة، فـذهبوا إلـى أن
الأرض كروية وحاولوا تطبيق فلسفتهم العددية على الجماليات والسياسة والأخلاق
والتربية.
٢- المدرسة الايلية:
تنكر هذه المدرسة الحركة أو الحركية التي أكدت عليها المدرسة الأيونية، وتؤمن
بالوجود الواحد وتعتقد أن هذا الوجود ثابت غير متبدل، وانه محدود ومـا لـيس
محدودا فهو عدم والعدم لا وجود له. وإذا شعرنا بالعالم الحسي يتغير إمامنا، فان
ذلك بسبب خداع الحواس، إما العقل فيدركه ثابت غير متبدل.
ومن أصحاب هذا المذهب:
١- اكسينيافون ( ٥٧٠- ٤٨٠ ق.م)/ وهو المؤسس والذي قال أن العالم هو وحـدة
تامة هي االله، وهذه الألوهية أزلية غير متبدلة ولا تصير إلى العدم وكانت صـور
الأشياء موجودة معها منذ الأزل.
٢- بارمنيدس ( ٤٥٠- ؟ ق.م)/ وهو منظم المذهب ويرى أن الوجود موجود ولا
يمكن أن يكون غير موجود، واللاوجود غير موجود ويجب أن لا يكون موجـود،
فلسفة العلم ومنطق البحث العلمي
٢
والوجود غير مبعثر في الكون ولا يتكون من أجزاء وهو أشبه بالجسم الكـروي
ويمتد في جميع الاتجاهات على بعد واحد من المركز. وناصره في ذلك "زينـون
الايلي" الذي هو احد طلاب بارمنيدس واستخدم الأدلة والبراهين لإثبات ذلك.
ثالثا/ مدرسة الطبیعیین المحدثین:
.... وقد عاود الفكر الفلسفي اليوناني مناقشة موضوع العالم بنظرة طبيعية علـى
يد الفلاسفة الطبيعيين المحدثين الذين امنوا بما قاله الايليون من قبل أن المـادة لا
تتبدل، ونفوا النشوء والعدم المطلقين، لكنهم جعلوا التبدل قاصـرا علـى صـور
الأجسام الجزئية الحادثة في عالمنا معتقدين بتعدد أشكال المادة التي يتـألف منهـا
العالم، وان نشوء وتكون الأجسام يكون بافتراق المادة أو اجتماعها.
ومن ابرز الفلاسفة الطبيعيين المحدثين امباذوقليس، انكساغوراس.
١- امباذوقليس: وهو عالم طبيعي وطبيب وقد ذهب إلى أن العناصر والأركـان
الأساسية هي أربع (النار، الهواء، الماء، التراب)، وان هناك قوة محركـة نحـو
المركز تجذب إليه وقوة أخرى تدفع نحو التنافر.
٢- انكساغوراس/ وكان يرى انه ليس في الكون انتقال من وجود إلى عـدم بـل
مجرد امتزاج وانفصال. فكان الكون منذ البدء خليطا من البذور التي أضفى عليها
العقل (نوس) النظام والصورة عن طريق حركة التفاف.
والنقطتان الرئيسيتان في نظريته هما:
أولا/ إدخال العقل تجاه المادة كقوة تحول الخليط بالتدريج من الفوضى إلى النظام.
ثانيا/ فكرة الإعصار الأزلي الذي يتم بوساطته تنظيم المادة.
٣- ديموقراطيس/ وقد ذهب في نظريته الذرية إلى أن الأجسام تتركب من ذرات
متناهية في الصغر لاتتجزء ولاعد لها، وهي متجانسة لكن تختلف فقط في الحجم
والشكل والموضع والترتيب في الأجسام المكونة منها، وتؤكد نظريته على واقعية
الفضاء والفراغ وتنص بان الوجود نوعان: مادة تملا مكانا، ومكان لا مادة فيه.

فلسفة العلم ومنطق البحث العلمي
٣
.... أن الحضارة اليونانية أنجبت العديد من الفلاسفة والمنظـرين الـذين ظلـت
آراءهم وأفكارهم مؤثرة إلى يومنا الحاضر، ولعل أسـماء سـقراط، أفلاطـون
وأرسطو كانت لها الثقل الأكبر في ميزان المفكرين والفلاسفة اليونانيين.
وقد ساهم سقراط مساهمة ايجابية ضرورية لتطور العلم في المستقبل وذلك يعـود
إلى:
١- تمسكه بالتحديد والتصنيف.
٢- كان يستخدم أسلوبا جيدا للجدل والكشف المنطقي.
٣- كان يشعر شعورا عميقا بالواجب واحترام القانون، وان نمو العلم الـصحيح
يتطلب صفاءا أخلاقيا وصدقا وتربية فردية واجتماعية.
٤- أن شكه العقلي يكون نقطة الارتكاز في البحث العلمي.
إما عن أفلاطون فقد اتخذ من موضوعات العلوم الرياضية مادة لتأملاته الفلسفية،
فكان من نتيجة ذلك أن جاءت تحليلاته لعلم الهندسة وعلم الحساب مـن صـميم
فلسفة الرياضيات ونظرية المعرفة المتصلة بها، فقد رفض المعرفة الحسية ونقـد
المعرفة الظنية، وإما المعرفة الرياضية فتتمتع بقدرة عالية على التجريد، وتساعد
الإنسان بالارتقاء من عالم الحس إلى عالم المثل.
وعن موقفه من العالم فقد ذهب إلى العالم قد حدث وصار بعناية االله الذي خلقه من
مادة قديمة مضطربة مشوشة فنظمها ليصنع العالم منها.
ويعرف الفيلسوف أرسطو (٣٨٤-٣٢٢ ق.م) الزمان بأنه عدد الحركة من قبـل
المتقدم والمتأخر. وأكد أن هناك علاقة متلازمة بين الزمان والحركة، فالعالم قديم
وموجود منذ الأزل، وهو حقيقي، والمظاهر الطبيعية في عالمنا هي نتيجة أسباب
مادية طبيعية.
وانتقد أرسطو أفكار أفلاطون والنظريات السابقة فلاحظ بأنهم لـم يوفقـوا فـي
الوصول إلى الحقيقة، وظلوا السبيل في كثير من الأحيان، فوضع المنطق طريقـا
إلى الحقيقة واعتمد البرهان اليقيني موصلا به إلى الحقيقة.
فلسفة العلم ومنطق البحث العلمي
٤
وقد قام أرسطو بتقسيم العلوم إلى نظرية وعملية وصـناعية وغايتهـا المعرفـة
والعمل وصنع الأشياء النافعة والجميلة.
أيضا درس في علم ما بعد الطبيعة الكائن بما هو كائن بقطع النظر عـن صـفاته
سعيا وراء تحديد طبيعته وصورته وجوهره وعلته وماهيته، فامن بوجود جـواهر
مفارقة للمادة ولا تقع تحت الحواس.
إما علم الطبيعة فيدرس الموجودات المادية الموجودة حقا، وقـد تـضمن كتـاب
"الطبيعة" لأرسطو موضوعات هذا العلم وتحليله لها ومنها المادة والحركة والزمان
والمكان.
.... أن الطابع العام للفكر الفلسفي اليوناني بعد أرسطو اهتمامه بالمشكلة الخلفية،
ولم تعالج المشكلات الطبيعية إلا لان المشكلة الخلقية تتعلق بحل مشكلاتها، ولـم
يدرس المنطق إلا لأنه إلة لحل مشكلات الطبيعة والأخلاق.

فلسفة العلم ومنهاج البحث العلمي
المحور الثالث: العلم في الحضارة العربية الاسلامية.
ليس من السهل تقديم الفكر الفلسفي والعلمي عند العرب بعرض مـوجز، خاصـة ان معظـم
فلاسفة العرب ومفكريهم وعلمائهم من اهل الفلسفة والمنطق والتصوف وعلم الكلام والحـديث
واللغة والاداب وغيرها من العلوم يتميزون بتنوع العلوم وموسوعية الثقافة، فترى الفيلـسوف
الغزالي مثلا فقيها واصوليا ومتكلما وصوفيا ومنطقياً، وترى الاديب الجاحظ مثلا مفكرا وناقدا
ومؤرخا ومتكلما.
اما اذا نظرت الى مؤلفاتهم فبامكانك ان تقتبس نصوصا كثيرة تتحدث عن الانسان والحيـوان
والنبات والارض وما عليها والسماء وما فيها، وذلك نجده في كتاب الحيوان للجاحظ، او كتاب
يتحدث عن اللغة ويضم في ثناياه كل شيء مثل كتاب العين للفراهيدي.
ابتداءا يمكن القول ان الشعر العربي قبل الاسلام قد افصح عن كثير من الصور العلمية التـي
ادركها العرب في تعاملهم مع الطبيعة والكائنات الحية وغير الحية، وان في كتاب المـسلمين
(القرآن) ايات كثيرة حول الانسان والنبات والحيوان والطبيعة والارض والـشمس والنجـوم
وخلق الكون ومصير الانسان وغيرها من موضوعات التي ساهمت في تحقيق النزعة العقليـة
عند المسلمين، لهذا تراهم طلبوا العلم في كل وقت، وكانت نتيجة ذلك التوجه مكانة رفيعة بين
الشعوب في الذي تركوه من العلوم الفلسفية وغيرها، فقد تمكن العرب من الطب ونبغـوا فيـه
فكان عندهم مكانة مرموقة سواء أكان ذلك فـي طـرقهم الطبيـة التـي اعتمـدوها ام فـي
الموضوعات التي درسوها ومنهم الرازي في كتاب الحاوي وابن سينا في كتاب القـانون فـي
الطب الذي كان الى عهد غير بعيد اساس في تعليم الطب في اوربا. ونلاحـظ فيـه الطـابع
الفلسفي المعني بالتنظيم والترتيب والتصنيف ومحاولة تطبيق الاعتبارات الفلسفية في الطـب،
لذا نستطيع ان نلقب ابن سينا بفيلسوف الطب.
وقد درسوا النبات ووصفوه وكانوا على دراية بالنباتات الشافية والاعشاب الطبيـة وتحـضير
العقاقير فتطور لديهم علم الصيدلة.
وبعد ان اطلع العرب على علوم السابقين في الحساب والجبر والهندسة وحـساب المثلثـات،
انتقلوا الى مرحلة التاليف والاكتشاف ووضع اسس البحث التجريبي الحديث باستخدام النمـاذج
الرياضية واتباع المنهج العلمي السليم في استنباط القوانين والنظريات وحتى اكتشاف فـروع
جديدة في الرياضيات وتطوير فروع اخرى الى درجة جعلت مؤرخي الرياضـيات يجمعـون
على ان علماء العرب والمسلمين في عصر النهضة الاسلامية هم اساتذة الرياضيين في عصر
فلسفة العلم ومنهاج البحث العلمي
الحضارة الاوربية الحديثة، ومن هؤلاء العلماء الذين اثـرت اعمـالهم فـي ازدهـار الفكـر
الرياضي وتقدمه الخوارزمي المعروف بكتابه (الجبر والمقابلة).
وقد اهتم فلاسفة الاسلام وعلمائهم بدراسة الحركة والزمـان والمكـان والجـسم المتحـرك،
ووصفوا حركة الاجسام وانواعها والقوة المسببة للحركة، والزمن الـذي تـستغرقه وعقـدوا
الصلة بين الحركة والزمان وكثافة الوسط حتى ان دراستهم لهذه الموضوعات وغيرها قـادت
بعض المتخصصين الى القول باسبقيتهم في فهم تاثير الجاذبية فهما علميا صحيحا، كما كتبـوا
في البصريات وتعرضوا لبعض نظرياتها مثل الكندي والرازي وابن سينا، لكن ابن الهيثم كان
له القدح المعلى في هذا المجال العام من مجالات العلوم الفيزيائية، وكذلك الكيمياء العـضوية

واللاعضوية وتطرقوا للموضوعات الجغرافية.
وبذلك يتبين ان فلاسفة العرب وعلماءهم قد الفوا في الطب والكيميـاء والرياضـيات والفلـك
والطبيعة والضوء والمعادن والميكانيك وكانت كتبهم تدرس في جامعات اوربا حتـى القـرن
السابع عشر حتى قيل بحق انه لولا علماء العرب واعمالهم لاضطر علماء النهضة الاوربيـة
ان يبدأوا من حيث بدأ هؤلاء ولتاخر سير المدنية عدة قرون.
وقد تضمنت المؤلفات الفلسفية والعلمية انذاك مسألة التكوين، ومنها كتاب (تهافـت الفلاسـفة)
للغزالي الذي يذكر فيه ادلة القائلين بقدم العالم وابديته فيذكر "الزمان خالق محدوث وليس قبله
زمان اصلا، ومعنى قولنا ان االله متقدم على العالم والزمان، الرب كان ولاعالم ثم كان ومعـه
عالم". ومفهوم قولنا: كان ولا عالم وجود ذات الخالق وعدم ذات العالم فقط. ومفهـوم قولنـا:
كان ومعه عالم، وجود الذاتين فقط. ومع قيام الحركة فأن هناك بعد اخر جديد وهـو عنـصر
الزمان قد دخل عنصر ثالث مع الحركة والوجود. ومن هذا النص وماسبقه من اقـوال ومـن
دراسة اراء الفلاسفة في هذا الموضوع وغيره يتبين لنا مايلي:
١- ان الفلاسفة قد درسوا موضوع العالم، والحركة والزمان والمكـان والجـسم المتحـرك
وتناهي ولاتناهي الجسم والحركة والزمان.
٢- ان الطابع العام للفكر الفلسفي اليوناني انه يقول بقدم العالم والزمان وابديتهما.
٣- ان الطابع العام للفكر الفلسفي الاسلامي انه يقول بحدوث العالم والزمـان ونفـي الابديـة
عنهما.
٤- ان العلاقة متلازمة بين الحركة والزمان عند كل فلاسفة الاسلام وقد عقد الغزالي الـصلة
بين الابعاد الثلاث وهي الزمان والمكان والحركة في صلتها بالجسم المتحرك.
٥- ناقش الفكر الفلسفي الاسلامي موضوع السببية في حديثه عن العلاقة بين العلة والمعلـول
(السبب والنتيجة).
فلسفة العلم ومنهاج البحث العلمي
٦- لم تكن الحلول التي قدمت من قبل فلاسفة الاسـلام لهـذه المـشكلات وغيرهـا مجـرد
انطباعات عامة، بل جاءت على وفق مناهج علمية تتداخل فـي بنائهـا علـومهم المنطقيـة
والرياضية والطبيعية فكانت لهم مواقف واراء من القياس المنطقـي والاسـتدلال الرياضـي
والاستقراء التجريبي ساهمت هذه المناهج باضافات لها اثرها في الفكر العلمي الاوربي.
٧- اهتم الاسلاميون بالرياضيات، وانشغلوا بموقعها في النسق المعرفي ودورهـا فـي بنـاء
انظمتهم الفلسفية واسناد حججهم الفلسفية والعلمية.
٨- على الرغم من تقدير العرب للمنطق الصوري فقد سبقوا الاوربيين في نقده فساعدهم هذا
على التوصل الى مناهج البحث التجريبي الاستقرائي، الذي من اعلامه جابر بن حيان مؤسس
علم الكيمياء والحسن ابن الهيثم واضع اصول الطبيعة (البصريات) والبيروني فـي انـضاجه
علم الفلك والرازي وابن سينا والزهراوي في ازدهار علم الطب على ايديهم، فقد وضع هؤلاء
الاعلام العرب اسس العلوم الطبيعية في صورتها النظرية قبل ان يفطن اليها الاوربيين بمئات
السنين.
٩- وعلى الرغم من الاهمية البالغة للجهود التي بذلها الفلاسفة والعلماء العرب فـي معظـم
العلوم واثرها على حياتهم العلمية والعملية فان القيمة ذات البعد العميق والاثر البـالغ الماثلـة
لتاريخ العلوم عند العرب تتمثل في انه المقدمة المفضية منطقيا وتاريخيا الـى مرحلـة العلـم
الحديث.

فلسفة العلم ومنھاج البحث العلمي
١
المحور الرابع/ العلم في النھضة الأوربیة الوسیطة والحدیثة:
..... ناقش الفكر الفلسفي والعلمي الأوربي مواضيع عدة وطورها بشكل كبير مـن
المباحث المنطقية ومناهج البحث العلمي والمباحث الطبيعية والعلوم المتعلقـة بهـا
والمباحث الأخلاقية والجمالية والفنية والمعرفية، وما تتضمنه هـذه المباحـث مـن
موضوعات تتعلق بالقياس والاستدلال والاستقراء والحجج المنطقية، والحديث عـن
اصل الكون ونشوءه وأدلة وجود االله ونظريات خلق العالم وغيرها من المواضـيع،
والتي هي في الأصل مشاكل نوقشت من قبل في الحضارات القديمة وعند فلاسـفة
الإسلام وعلمائهم، ولهذا فان من الإنصاف القول أن السابقين من الفلاسفة والعلماء قد
ساهموا في بناء الحضارة الأوربية ومنهم فلاسفة الإسلام، وان من غيـر الـصواب
القول أن فلسفة العلم وليدة الفكر الفلسفي والعلمي الأوربي، لان المفـاهيم الفلـسفية
والعلمية مثل الزمان والمكان والحركة والمادة والسببية وغيرها والطرق المعرفيـة
والمنطقية ومناهج البحث والنظريات الفلسفية والعلمية قد تعرضت للتحليل والنقد عند
الفلاسفة السابقين من اجل بناء أنظمة فلسفية جديدة، وهذا نشاط فلسفي يـدخل فـي
صلب فلسفة العلم.
ولهذا فانه أن كانت من بين مقومات ظهور فلسفة العلم، النشاط الفلسفي والمنطقـي
التحليلي لمفاهيم العلم وطرقه ومناهجه هو الصلة الوثيقة بين الفلسفة والعلـم وعـدم
نفور احديهما من الأخر، فان مقومات فلسفة العلم كانت موجودة عند فلاسفة اليونان
والإسلام.
....الواقع أن الفكر الفلسفي لدى الأوربيون في تلك الفترة تميز بظهور العديد مـن
المؤلفات التي تحدثت عنه والأدوار التي مر بها والرجال الذين ظهروا فيه، ومـنهم
"أوغسطين" و"روجر بيكون" و"توماس الاكويني" كما تحدثت عن أفكارهم وأرائهـم
وعن مؤلفات أرسطو والكندي والفارابي وابن سينا والغزالي وابن رشد التي دفعـت
العقول إلى الإمام وبعثت في المدارس نشاطا هائلا فكانت لذلك العصر خـصائص
منها نقل الكتب الفلسفية والمنطقية من اللغة العربية إلى اللغة اللاتينية ومعالجة مسائل
تتعلق بالمعرفة والعلاقة بين العقل، إلا إن الملاحظ لتلك الفترة هو سيطرة وهيمنـة
الفكر الارسطي والقياس المنطقي على التفكير الفلسفي واللاهوتي، ويمكن القـول أن
فلسفة العلم ومنھاج البحث العلمي
٢
القياس الارسطي طوال العصور الوسطى المسيحية لم يكن هـو المـنهج الملائـم
فحسب، بل أيضا المنهج الأوحد الذي ينبغي أن ينفرد بحلبة البحث.
ومع بداية القرن السادس عشر انحسر الاتجاه الذي يتمسك بالفلسفة الارسطية وبـدء
عصر العلم الطبيعي الحديث، حيث أصبح التوجه نحو دراسـة الطبيعـة وجـرت
محاولات على قدم وساق لاستعادة الوحدة العقلية من خلال السعي إلى تنظيم حيـاة
خلقية مستقلة بذاتها تتخذ الطبيعة قاعدة لها.
وإما على صعيد المنهج فقد اخذ مفكروا هذا العصر بنقد القياس الارسطي، واتجهوا
إلى فكرة القانون وجعلوه هدف كل بحث علمي يستند إلى الملاحظة، وكان من اخطر
النتائج التي أسفرت عنها هذه الحملة نشأت فرع جديد أضيف إلى فـروع المنطـق،
وهو منطق (أو فلسفة) العلوم أو المنطق التطبيقي، وهو يتـضمن منـاهج البحـث
العلمي، ومع هذا الجهد الذي بذله فلاسفة عصر النهضة وعلماءه، ومنهم "ليونـاردو
دافنتشي" ١٤١٢/١٥١٩، الذي اشتغل بالتصوير والنحت والموسيقا فكان فنانا عظيما
وتبحر في التشريع والأعمار والميكانيكا فكان عالما بارزا واستخلص مـن أبحاثـه
أصول المنهج العلمي. والأسلوب العلمي الذي اعتمده "كوبر نيكوس" ١٤٧٣/١٥٤٣،
ودعوة "كبلر" إلى إتباع المنهج الرياضي في كل علم. فمؤرخي العلم يجاهرون بـان
عصر النهضة الأوربية كان عصرا ذهبيا في الفنون والآداب ولكنه كان من الناحية
العلمية عصر يفجع مؤرخ العلم ويخيب أماله، ويصرح جورج سارتون بان النزعة
الإنسانية عند رواد الفكر في ذلك العصر كانت معادية للعلم وان ادعـى أصـحابها
بأنهم علماء.
ومع هذا الموقف فان النظام الفلكي الجديد الذي جاء به كوبر نيكوس باعتقاده بـان
الشمس مركز الكون هو انقلاب هائل في النظام الفلكي المعروف (بنظام بطليموس)
الذي يذهب إلى أن الأرض مركز الكون والشمس وسائر الكواكب تـدور حولهـا،
والناظر في الدراسات حول فلاسفة هذا العـصر وعلمائـه يجـد اهتمامـا لـديهم
بالرياضيات والاستقراء والتجربة ومنهم (غـاليلو غـاليلي) ١٥٦٤/١٦٤٢. إلا أن
مفكري هذا العصر كانوا برغم دعوتهم إلى اصطناع الملاحظة والتجربة، لا يزالون
يتتبعون التفكير القياسي في أبحاثهم العلمية، وبعض الآراء ذكرت بأنهم يقفون فـي
فلسفة العلم ومنھاج البحث العلمي
٣
منتصف الطريق بين أصحاب التفكير القياسي الصوري ودعاة المـنهج التجريبـي
الاستقرائي ذلك الذي اكتمل في أوربا إبان العصور الحديثة.
وقد بدأت التفرقة في العصر الحديث بين الفلسفة والعلم على يد رواد البحث العلمـي
التجريبي الذين اعتمدوا الملاحظة والتجربة والآلات والأدوات التـي تمكـنهم مـن
دراسة الظواهر الطبيعية واكتشاف أسرارها، فكان من نتيجة ذلك انفـصال العلـوم
الجزئية عن الفلسفة ومنها علم الفيزياء وعلم الكيمياء وعلوم الحياة، كمـا انفـصلت
علوم أخرى لاحقا مثل علم النفس وعلم الاجتماع وعلم الانثروبولوجيا، لكن هذا لـم
يمنع من وجود نزوع علمي عند الفلاسفة ونزوع فلسفي عند العلماء، وابـرز رواد
هذه المرحلة "فرنسيس بيكون" ١٥٦١/١٦٢٦ الذي قام بتصنيف العلوم ونقد منطـق
أرسطو وبناء منطقه الجديد بتحليل العقل ونقده من الأوهام التي يـسميها (أصـنام
العقل) وهي أوهام الجنس أو القبيلة وأوهام الكهف وأوهام السوق.
وإما "جون لووك" ١٦٣٢/١٧٠٤، وهو من ممثلي النزعة التجريبية، فقد أفـاد مـن
الاتجاهات الحسية والتجريبية في الفلسفة والعلم في بناء منهجه الاستقرائي وفلـسفته
التجريبية النقدية، ومن هنا جاء نقده للأفكار الفطرية أو المعاني الغريزية في العقـل
التي قال بها أصحاب المذهب العقلي، لان الحق عنده أن النفس في الأصـل كلـوح
مصقول لم ينقش فيه شيء، وان التجربة هي التي تنقش فيهـا المعـاني والمبـادئ
جميعا، فاعتقد بان مصدر المعرفة هو الإحساس والتعقل.
وينضم إلى هذا المذهب الاستقرائي التجريبي الفيلسوف "ديفيد هيوم" ١٧١١/١٧٧٦،
الذي عول على الانطباعات الحسية والأفكار في بناء النظريات والتصورات فهـي
الأساس في ذلك، وقد تعرض بالدراسة والتحليل لموضوع العلية والاستدلال بالعلـة
على المعلول أو بالمعلول على العلة أي العلاقة السببية، وقد سبقه في ذلك الفيلسوف
الغزالي في حديثه عن السببية.
ويستمر المنهج الاستقرائي عند الفلاسفة ومنهم "جون ستيوارت مل" ١٨٠٦/١٨٧٣،
الذي هو الأخر تعرض بالنقد للمنطق الارسطي والقياس باعتباره مصادرة للمطلوب،
مؤكدا أن القياس عملية استقراء تعطينا مقدمات جزئية نصل من خلالها إلى النتيجة.
فلسفة العلم ومنھاج البحث العلمي
٤
وإما فيما يتعلق بالمنهج الاستدلالي في الفكر الفلسفي الحديث فقد ظهر فلاسفة أكدوا
أهمية هذا المنهج وعملوا على بناءه وتطبيقه في العلوم ومـنهم الفيلـسوف "رينيـه
ديكارت" ١٥٩٦/ ١٦٥٠، الذي بحث في العلوم وأدلتها وبراهينها، فوجد أن البراهين
الرياضية أفضل البراهين وأنها تؤدي إلى اليقين، ولذلك تمسك بأهمية الرياضـيات
والمنهج الرياضي في البحث العلمي، وهذا المنهج أقامه ديكارت على أساس الحدس
والاستنباط العقلي. ويريد بالحدس انتقال الذهن انتقالا سريعا ومباشرا مـن معلـوم
يقيني إلى مجهول، وبعد الحدس تأتي مرحلة الاستنباط العقلي، وهو حركـة ذهنيـة
نستنتج بها شيئا مجهولا من شيء معلوم. وقد وضع ديكارت مجموعة من القواعـد
العملية لتطبيق منهجه التي يمكن أن نبينها بالاتي:
القاعدة الأولى/ قاعدة الشك من وجود مشكلة تتطلب حلولا.
القاعدة الثانية/ وتسمى قاعدة التحليل وهي أن اقسم كل مشكلة تصادفني ما وسـعني
التقسيم وما لزم لحلها على خير وجه.
القاعدة الثالثة/ وتسمى قاعدة التأليف والتركيب وهي أن أسير بأفكاري بنظام، فابـدأ
بأبسط الموضوعات وأسهلها معرفة، وارتقي بالتدريج إلى معرفة أكثر الموضوعات
تركيبا.
القاعدة الرابعة/ وتسمى قاعدة الاستقراء التام وهي أن أقـوم فـي كـل الحـالات
بإحصاءات كاملة ومراجعات شاملة تجعلني على يقين من إنني لم اغفل شيئا.
وأيضا يضاف إلى رواد المنهج الاستدلالي عالم الرياضيات "جو تفريد ليبنتز".
... وعلى الرغم من كل ما قيل يبقى التداخل موجود بـين المنهجـين الاسـتقرائي
والاستدلالي، فلسنا بصدد الخوض في ذلك.
... وهكذا يستمر العطاء الفلسفي والعلمي في هذا العصر وتتوالى النظريات العلمية
والمذاهب الفلسفية حتى يومنا الحاضر فتصبح الفلسفة قريبة من العلم والعلم قريـب
من الفلسفة، ويكون الحديث واسعا عن فلسفة العلوم.
فلسفة العلم ومنهاج البحث العلمي
١
المحور الخامس: تعریف ونشأة الفلسفة
.... إن مؤلفات الفلاسفة ورسائلهم في الحدود ومؤلفات الباحثين ومعاجمهم الفلسفية
تضم عددا وفيرا من المصطلحات الفلسفية ومنها مصطلح الفلـسفة (Philosophy)
الذي يمكن أن يؤدي إحصاء تعريفاته الواردة في تلك المؤلفات إلى أنجاز كتاب قائم
بذاته. ولا شك في أن هذا التنوع في تعريفات الفلسفة كان وراء الحكم في أن تقـديم
تعريف جامع مانع لها ينطبق على الفلسفات كلها غير ممكن، سواء كان ذلك بسبب
الاختلاف حول الموضوعات المدروسة، أم بسبب تباين وجهات النظر حول الطرق
المعرفية والمنطقية المؤدية إلى العلم بتلك الموضوعات، أم بسبب الأهداف المطلوبة
من الفلسفة عند كل فيلسوف ومذهب فلسفي، حتى أصبح كل مـذهب يـسعى إلـى
تعريف الفلسفة تعريفا خاصا به، ولذلك لا أرى ضـرورة أيـراد تلـك التعريفـات
واختلاف وجهات النظر فيها، لكني اذكر ما اجمع الكل عليه في حديثهم عن معناها
اللغوي وهو أن الفلسفة مشتقة من الكلمة اليونانية (فيلوسـوفيا) التـي تعنـي حـب
الحكمة، وقد أفصح الفيلسوف "الفارابي" عن كثير مما يذكر عنها في قوله: الفلـسفة
إيثار الحكمة العظمى ومحبتها، ويسمون المقتني لها فيلسوفا، ويعنون المحب والمؤثر
للحكمة العظمى، ويرون أنها هي بالقوة الفضائل كلها، ويسمونها علـم العلـوم وأم
العلوم وحكمة الحكم وصناعة الصناعات، ويعنون بهـا الـصناعة التـي تـستعمل
الصناعات كلها، والفضيلة التي تستعمل الفضائل كلها، والحكمة التي تستعمل الحكم
كلها.
وبناءا على هذه المعاني يمكن القول أن تقديم تعريف لها بحسب ماهيتها يمكـن أن
يوحد جميع المواقف التي تختلف في تعريفها بسبب تباين موضوعاتها وغاياتها عند
كل طرف. وهذا التعريف يتمثل بالقول: أن الفلسفة علم بحقائق الموجودات، ومـن
هذا عد "جابر بن حيان" العلم الفلسفي انه علم بحقائق الموجودات المعلولـة. ومثلـه
قول "الكندي" فهو أن الفلسفة علم الأشياء الأبدية الكلية، آنيتها وماهيتها وعللها، بقدر
طاقة الإنسان.
وقول الفارابي "الفلسفة حدها وماهيتها، أنها العلم بالموجودات بما هو موجود".
فلسفة العلم ومنهاج البحث العلمي
٢
وهكذا يتبين أن للفلسفة غاية واحدة، البحث عن الحقيقة وعلى الباحث عن الحقيقة أن
يجرد بحثه من الغايات الصغرى من عاطفية واجتماعية ومادية، وعليه أن ينطلق من
سمت واحد معين، ثم يقبل ما يؤديه إليه بحثه مهما كانت النتيجة التي سيصل إليها.
.... إما عن نشأة الفلسفة فقد اختلف الباحثون في ذلك، فمنهم من يرى أن الفلسفة قد
بدأت عند اليونانيين، وأول فلاسفتهم "طاليس" احد فلاسفة المدرسة الأيونية، ومـنهم
من يرى أن الفلسفة تمتد في أصولها إلى حضارات الشرق القديمـة، والحقيقـة أن
الفلسفة هي سؤال ومنهاج وجواب، والسؤال الفلسفي قديم ومثلـه بـذور المنهـاج
الفلسفي، إما الأجوبة فكثيرة قديما وحديثا تارة تأتي على وفق منهاج، وأخـرى دون
منهاج وعليه فان ربط الفلسفة بحضارة دون حضارة، أو عصر دون عـصر مـن
ناحية السؤال الفلسفي حكم غير موفق، وان ربطها ببعض الأجوبة يجعلها قديمة عند
من يؤمن بان الفلسفة مجرد جواب، إما من يرفض هذه النظرة ويربط ربطا وثيقـا
بين السؤال والمنهاج والجواب، ويرى أن الفلسفة منهاج عقلي، وأفكار تتولد عن ذلك
المنهاج فستكون بداية الفلسفة عنده مع بداية المنهاج وليس مع السؤال أو الجـواب،
لان أي إنسان يمكن أن يقدم جوابا، وإذا صح أن يجعل كل جواب على سؤال فلسفي
دونما اعتماد على منهاج، صاحب الجواب فيلسوفا، فمن باب أولى أن يطلق على كل
مفكر بأنه فيلسوف، مع أن الحقيقة هي أن كل فيلسوف مفكرا، ولـيس كـل مفكـر
فيلسوفا، فالمفكر يكون فيلسوفا إذا امتاز بأربعة خصائص:
١- أن يبحث عن الحقيقة بحثا مجردا.
٢- أن يكون بحثه هذا نظريا شاملا لمظاهر الوجود كلها.
٣- أن يجري هو في بحثه على أسس من المنطق المؤيد بالبراهين.
٤- أن يجد نظاما متماسكا خاصا به، ثم يستطيع أن يفسر لنا بهذا النظـام مظـاهر
الوجود.


التوقيع
ليس بإنسان ولا عالم من لايعي التاريخ في صدره
ومن درى أخبار من قبله أضاف أعمارا إلى عمره

صديق القمر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
البحث, العمل, العلمي, فلسفة, ومنهاج

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
وظيفة على النت وانت فى البيت مني زهران قسم الحوار العام 0 12-03-2012 07:53 PM
منهجية و مناهج البحث العلمي و تطبيقها في القانون صديق القمر قانون الأعمال Droit des affaires 0 30-03-2011 12:20 AM
خطوات ومراحل البحث العلمي صديق القمر تحميل بحوث ومذكرات جاهزة 0 09-12-2010 02:43 PM
مقالة عن التفكير العلمي صديق القمر الفلسفة 0 25-11-2010 09:01 PM
فرص عمل في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي MANOULA منتدى عروض ومسابقات التوظيف 1 16-08-2010 11:56 PM

sitemap

الموقع يخضع لسياسة ادسنس لقراءة الشروط بالعربية انقر هنا أو بالانجليزية Google Adsense Privacy Policy   

 abuse@alg17.com


الساعة الآن 03:42 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.11 Alpha 3
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
adv helm by : llssll
المواضيع المنشورة في المنتدى تعبر عن رأي اصحابها وجميع المواضيع التي تخالف سياسة الموقع يتم حذفها

Search Engine Friendly URLs by vBSEO

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138