واقعية المنهج الكلامي عند الإمام أبي الحسن الأشعري ودورها في مواجهة التحديات الفلسفية
قديم 03-10-2015, 07:23 PM   #1
alg17
 
الصورة الرمزية صديق القمر
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
المشاركات: 1,938
افتراضي واقعية المنهج الكلامي عند الإمام أبي الحسن الأشعري ودورها في مواجهة التحديات الفلسفية

واقعية المنهج الكلامي عند الإمام أبي الحسن الأشعري ودورها في مواجهة التحديات الفلسفية
حينما انتهض الإمام الأشعري لرأب الصدع بينالمذاهب الكلامية على أسس إسلامية مستوحاة من بيان القرآن الكريم والسنّة النبويةلم يغفل أمر النظر في الكسب العلمي الذي أدى إلى ذلك الإختلاف؛ وإنما عمل علىإعادة النظر فيه وفق قاعدة التصحيح والتفريع، ولأجل ذلك لقيت طريقته في معالجةقضايا التصورات الإسلامية القبول، وصار نهجه الكلامي سمتاً منهجياً يتسم بالواقعيةوالشمول.
ومامن أحدٍ يتوخى النظر في تجديد علم الكلام إلاّ ويحق له النظر في تراث الإمامالأشعري، وذلك لا يعني إكراه ذلك التراث على الاستجابة للتحديات المعاصرة؛ وإنماالنظر فيه من باب ماذا بقي منه معبّرًا عن روح التدين الإسلامي ومقاصده، ومُعينًاعلى مواجهة التحديات الفلسفية المعاصرة. ولئن نجح الإمام الأشعري في زمانه في أنيختط منهجًا علميًا يتسم بالواقعية والشمول؛ فإن نسق التحديات الفلسفية المعاصرةلم يُحدث تحولاً في طبيعة القضايا الميتافيزيقية، أو الدينية المتعلقة بفقهالتصورات وقضاياه العامة.
فإنكان ذلك كذلك؛ فإن ما أنجزه الإمام الأشعري من منهج كلامي يرفدنا بثوابت منهجيةتكون لنا عوناً في بيان أصول العقائد، والنظر في التراث الإنساني الفلسفي وفققاعدة التصحيح والتفريع، وذلك يُتيح لنا قدرًا عظيمًا من المرونة في الحوار معالآخر، واستيعاب منجزاته العلمية وفق ثوابتنا المنهجية، وترشيد فهمه في إطار كُليإنساني جامع. ومن ثم تتحول تلك التحديات الفلسفية المعاصرة من كونها معولاً بيدخصوم الإسلام لهدمه وتقويض بنائه العلمي والعقدي إلى كونها محطة مهمة لتجديد علمالكلام الإسلامي ذي السمت الأشعري في استيعاب منجزات الإنسانية العلمية وترشيدهانحو غايات إسلامية كُليّة جامعة لكل البشر، يقتضي قضاءًا مُبرمًا على "مقالاتالملحدين"، ويوّجه "مقالات الإسلاميين" نحو الأسس الجامعة والموحدةلهم.
لإدراكالغايات -آنفة الذكر- لابد من النظر في الأطوار العلمية للإمام الأشعري، والسبلالتي اتخذها في إنجاز منهجه الكلامي، ومن ثم تتوفر لنا حصيلة علمية دقيقة تجعلناأكثر قدرة على التحقيق في شأن ما بقى من منهجه فاعلاً في حياتنا العلمية المعاصرة.


الأطوار العلمية للإمامالأشعري:
إن أول ما يسترعي الإنتباهفي درس الإمام الأشعري هو الاختلاف في بيان هذه الأطوار العلمية التي تقلّب فيهاالإمام الأشعري, فالبعض يرى أنه بدأ معتزلياً ثم صار كُلايباً ثم رضي أن يلقى اللهبعقيدة السلف كما بينها الإمام أحمد بن حنبل[i]والبعض الآخر يرى أنه بدأ معتزلياً ثم تحوّل إلى الدفاع عن عقيدة الإمام أحمد بنحنبل فلما لم تقبله حنابلة بغداد رأى في طريقه عبد الله بن كلاب السبيل الأمثلللتعبير عن موقفه الجديد[ii]والبعض يرى أنه تحول من الاعتزال إلى الدفاع عن عقيدة الإمام أحمد بن حنبل دونالمرور بأي مرحلة بينيَّة[iii]،بالإضافة إلى هذه الاتجاهات الثلاث في النظر في الأطوار العلمية للإمام الأشعري.
هناك إتجاه يُرجحالنظر إلى هذه الأطوار العلمية بأنها تمثل نسقاً فكرياً واحداً حاول الإمامالأشعري وفق قاعدة التصحيح والتفريع بناء نظام عقدي لا يتجاهل مواقع القوة والصحةفي أي من هذه الإتجاهات الثلاث في التعبير عن العقيدة، ومن ثم فإن التحول لم يكنيعني التخلص عن بعض الحق الذي عبّر عنه المعتزلة خلال بيانهم للعقيدة والتوفيقبينه وبين عقيدة السلف واطرح الزيغ والإنحراف الذي وقعوا فيه، وكذا الحال في طريقةعبد الله بن كلاب فبعض الحق الذي نالته قد استخلصه الإمام الأشعري في إطار نظامهالجديد الذي تغيا فيه الدفاع عن عقيدة السلف كما مثلها الإمام أحمد بن حنبل فيمواقفه العقدية, لأجل ذلك يحق لنا القول بأن هذا الاتجاه الأخير في النظر إلى تراثالإمام الأشعري يرى أن النظر إلى الأشعري بأنه كان معتزلياً ثم تخلى عن الاعتزالثم صار كلابياً ثم خلصت نيته في اتباع الإمام أحمد بن حنبل، أو الاحتمالات الأخرىفي النظر إلى الأطوار العلمية التي وقعت للإمام الأشعري تجعل منه مثالاً للترددوالتوتر الفكري.[iv]
عوضاً عن ذلك نرىأهمية درس تراث الإمام الأشعري بأنه رحلة متصلة لإدراك الحق والتعبير عنه، وذلكيعني أنه في كل مراحله كان يسعى لطلب الحق والركون إليه واتخاذ السبل اللازمة فيالتعبير عنه والدفاع عنه في وجه خصومه وأنه لم يتحول إلّا عن تلك الآراء التي تبينله انحرافها عن الجادة وأنه في كل ذلك كان يصدر عن موقف يتسم بالواقعية والشمول فيعرض العقيدة الإسلامية، فلمّا تبين له مخالفة طريقة المعتزلة في التعبير عن سمتالواقعية والشمول تخلى عن تلك المواقف ولزم مواقف هي الأقرب لتحقيق هذا المعنى.ولما رأى عند البعض محاولة للجمود على بعض المواقف الشخصية اعتصم ببيان القرآنوالسنة في التعبير عن العقيدة والإستدلال على صحة ما ذهب إليه.[v]
إذاً نرى في هذهالطريقة للنظر إلى تراث الإمام الأشعري سبيلاً لبيان الوحدة الفكرية في ذلكالتراث، وأنه قد أسهم في تجديد طرائق النظر إلى العقيدة وبيان أصول العقائد بصفةتستوعب التراث الإنساني المعاصر له وتُرشده إلى الغايات الإسلامية، وهو في كل ذلكقد استعصم ببيان القرآن الكريم وهدي السنة النبوية وفهم السلف الصالح من الأمة،ولأجل ذلك فقد كُتبت لطريقته القبول ووصف بأنه "ناصر الدين" بعد وفاته[vi].وهذه الوحدة الفكرية أقل ما يمكن أن يُفترض في تراث من هو في قامة الإمام الأشعريإذ البديل عن ذلك هو عرض مؤلفاته كأنها جُزراً معزولة لا رابط بينها، وعلى هذاالنحو يُشك في نسبة ذلك الكتاب إليه أو يُختلف في أيَّ مرحلة كتب فيها هذا الكتاب،أو ذاك من مؤلفات الإمام الأشعري.[vii]
فالمغالط التيوقعت من إنكار نسبة رسالة استحسان الخوض في علم الكلام (الحث على البحث) إلىالإمام الأشعري[viii]، أو أن كتابالإبانة[ix]هو آخر مؤلفات الإمام الأشعري، أو القول المعارض لذلك من أن كتاب اللمع هو آخر مااستقر عليه الإمام الأشعري في شأن الصفات[x].كل ذلك وقع بسبب الذهول عن النظر في تراث الإمام الأشعري من موقع الوحدة الفكريةالتي انتظمت ذلك التراث، ومن ثم كانت هذه الأسئلة من باب الأسئلة الضعيفة وجاءتالإجابات عليها -رغم الجهد العلمي في الاستقصاء التاريخي[xi]-لا تُفيد كثيراً في فهم تراث الإمام الأشعري الفكري.
وإنما هي بسبيلإكراه ذلك التراث ليتسق مع مقالة صاحب التأويل، وأزعم أن نسق الأسئلة القوية فيفهم وتأويل تراث الإمام الأشعري يبدأ من مبدأ التعاطي مع هذا التراث على أساس أنهيُمثل وحدة فكرية انتظمتها قاعدة التصحيح والتفريع، وكان همّ صاحب ذلك التراث هوبلوغ الحق والتعبير عنه بالسبل التي جاء بيان القرآن الكريم وهدي المصطفى صلى اللهعليه وسلم لتوضيح معالمها، وتمثلها السلف الصالح في عرضهم للعقيدة والدفاع عنها.
ويسعنا كذلكالقول بأن ما توفر لنا من مؤلفات الإمام الأشعري تفي بالغرض المطلوب في فهم تلكالوحدة الفكرية إذ أن ما جاء على لسانه في مقالات الإسلاميين واختلاف المصلينلبيان مواقف المعتزلة وخاصة تلك الأقوال التي نسبها للجبائي[xii]تمثل مرحلة مهمة في تفكير الإمام الأشعري، وتستبين لنا من خلال تلك الأقوالالكيفية التي عملت بها قاعدة التصحيح والتفريع في لاحق تراث الإمام الأشعري حينماانتهض للتعبير عن مواقف أهل السنة والإستقامة[xiii].من خلال هذه المقارنات نستطيع أن نتلمس معالم تلك الوحدة الفكرية، ومن ثم ندركتفاصيل دقيقة لأبعادها تكون لنا عوناً في تتبع مقالته في شأن بناء تصوراتهالعقدية، وما يترتب على ذلك البناء العقدي من قيم أخلاقية.
إذاً ليس منالمفيد النظر إلى أطوار الإمام الأشعري العلمية بأنها تقلّبات فكرية تردد فيها بينالمعتزلة، وطريقة عبد الله بن كلاب، ونهج السلف كما بينه الإمام أحمد بن حنبل؛وإنما الصواب النظر إلى ذلك التراث العلمي الذي خلّفه الإمام الأشعري كنسق علمييمثل رحلته في طلب الحق والتعبير عنه. فما من أحد حاز ذلك القبول العلمي والروحيالذي حازه الإمام الأشعري؛ إلا ويحق لنا أن نُعيد التأمل في الأسباب الباطنة التيوراء مظاهر التردد والتقلّب الفكري. فمن عُد في قبيل أصحاب التردد والمزاجالمتقلِّب لا يحق لهم أن يتولوا قيادة الأمة إلى سبيل الرشاد، ولما كان الإمامالأشعري قد نجح في توحيد هذه الملة ورأب الصدع بين مذاهبها الكلامية ببيان الحقالذي اجتمعت إليه في زمانه ومن بعد ذلك فإنه لا يمكن أن يوصف بأنه قد تقلّب في تلكالأطوار العلمية على سبيل التردد والتقلب. فإن كان ذلك كذلك فلا بد لنا من النظرفي الأسباب الباطنية حتى نستطيع فهم ذلك التراث العلمي بصورة هي أقرب للصواب.
ملاك القول إنفهم الأسباب الباطنة يقتضي تحليل نصوص الإمام الأشعري باعتبارها تمثل نسقاً فكرياًمتكاملاً والمراحل أو الأطوار التي مرّ بها إنما هي محطات اقتضتها قاعدة التصحيحوالتفريع لإمام كان الحق ديدنه أينما لاح له وجه الحق أذعن إليه.
لئن خرج واصل بنعطاء على الإمام الحسن البصري فيما يزيد على المائة عام من خروج الأشعري على أبي علىالجبائي في مدينة البصرة، ومن ذات المسجد الجامع؛ فإن الفارق بين اعتزال واصل بهعطاء وعمر بن عبيد بن باب وتأسيسهما لفرقة المعتزلة، وبين خروج الأشعري ونصرتهلمذهب أهل السنة والاستقامة، وتوحيد الأمة على أصول جامعة في العقائد وبيان معالمالمنهج في الوصول إليها يدل على أن اعتزال الأول فتّ في عضد الجماعة المسلمة،بينما خروج الثاني أعاد للأمة وحدتها العقدية على أسس بيّنة. ذلك يدعونا إلىالتأمل في التاريخ الديني والسياسي لمدينة البصرة، وكيف أن بوادر الإنشقاق العقديصدرت عنها واتسعت الشقة بتأسيس مذهب كلامي كان له دوره الإيجابي في الدفاع عنالميتافيزيقيا الإسلامية التوحيدية في وجه الفلاسفة والدهريين والمانويينالملاحدة، وكانت له آثاره السلبية في التعبير عن قضايا التصورات الإسلامية فيمسائل الميتافيزيقيا الإسلامية والفعل الإنساني الملتزم ببيان القرآن الكريم وهديالمصطفى صلى الله عليه وسلم, وامتد ذلك -على المستوى السياسي- إلى ما عُرف بمحنةالإمام أحمد بن حنبل في شأن خلق القرآن.
لا أحد ينكر بلاءالمعتزلة في الدفاع عن التوحيد وحرية الإرادة الإنسانية، لكن غلوهم في ذلكوتجاوزهم حدَّ ما كان عليه السلف الصالح من طريق في اتباع بيان القرآن وهدي النبيصلى الله عليه وسلم أوقعهم في كثير من المغالط. كان دور الإمام الأشعري هو ردالأمور إلى نصابها، واستيعاب هموم عصره العلمية، والارتفاع إلى مستوى التحدياتالميتافيزيقيا والأخلاقية، والإجابة عنها من موقف توحيدي يستهدي ببيان القرآن وسنةنبينا عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
لم يكن ذلك فعلاًهيناً، وإنما اقتضى معرفة دقيقة بالواقع الفكري، ومخالطة نابهة له، ومعرفة عميقةبأصول عقائد الإسلام ومنهج الوصول إليها, فكانت سمتي الواقعية والشمول في النظرإلى أحوال المتدينين في زمانه والتمييز بين دقيق الكلام وجليله هما اللتان جعلتامن نهجه السبيل الأمثل لتوحيد مقالات الإسلاميين على أسس صحيحة ونقص مقالاتالملحدين بدلائل يقبلها الحس والنظر والخبر الصحيح عن المصطفى عليه الصلاة والسلام.
صفوة القول إنمدينة البصرة -بعد تجربة علمية قد امتدت لأكثر من مائة عام- قد آبت لرشدها بعد أنجرّبت طرائق في التفكير في مجال العقائد، وما ارتبط بها من مجال الأخلاق أورثتالفكر الإسلامي العقدي والأخلاقي سعة ومرونة، وحينما أُعملت فيه قاعدة التصحيحوالتفريع إزدان بهاء ورونقاً وصار واحداً من المنجزات العلمية التي أثّرت بصورةعميقة في تاريخ الإنسانية العقدي والأخلاقي[xiv].
لئن آثر واصل بنعطاء البقاء في مسجد البصرة، وتأسيس حلقة جديدة انتجت أول فرقة كلامية عقدية، قامالأشعري بالخروج عليها في ذات المسجد ولكنه انحاز إلى مدينة السلام (بغداد) للدفاععن عقيدة أهل السنة والاستقامة. وفقدت بخروجه البصرة عالمًا جليلاً ولم تقمللمعتزلة بعد ذلك قائمة؛ إذ أن الأشعري كان معداً ليقود المعتزلة بعد شيخهالجبائي، وأذّن خروجه على المعتزله بغياب شمسهم الفكرية وسيطرتهم العلمية.
فمدينة بغداد هيالتي كتب فيها الإمام الشافعي من قبل رسالته، أو ما أسماه بالكتاب، والذي كانفتحاً جديداً في العلم الإسلامي مهّد الطريق لقيام علم أصول الفقه, وأحسب أن مدينةبغداد بسمتها الفكري والعلمي هي التي دفعت الإمام الشافعي ليخطط هذه الطريقةالجديدة في ترتيب مدارك النظر في العلم الإسلامي ثم جاء الإمام الأشعري -فيما يقربمن المائة عام بعد ذلك- ليعيد النظر في طريق ترتيب الأدلة في الدفاع عن عقائدالملّة الإسلامية، وأحسب أنه بذلك قد وجه النظار إلى معالم علم جديد في التعبير عنأصول الدين.
لن يُخطئ من أرادالتأريخ لعلم الكلام[xv]-قبل الإمام الأشعري- بأن يصف ذلك العلم بأنه جملة من المقالات المتفرقة والمسائلالمتناقضة لم ينتظمها نهج واحد، ولم تنسلك في نظام العلوم التي تلقتها الأمةبالقبول, فالذي قام به الإمام الأشعري هو إعادة تنظيم تلك المقالات في نسق"مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين" في قبالة "مقالة الملحدين".ثم إنه قد بيّن لنا النهج القويم في الوصول إلى أصول العقائد، والتعبير عنها عنطريق بيان القرآن الكريم، وبيان السنة النبوية وهدي السلف الصالح في التعبير عنذلك النهج الذي تمثل في الوحي بشقية.
ومن ثم قامالإمام الأشعري بتلخيص العقيدة في نظام يُبين ما أجمعوا عليه من إعتقادات تنتظم فينسق شامل لكل جوانب مسائل أصول الإعتقاد. فالمنهج ومحتوى ذلك المنهج من مسائلالإجماع في أصول العقائد مثل الإسهام الحقيقي للإمام الأشعري في إعادة النظر فيعلم الكلام على نهج جديد يؤهله لأن يكون علماً إسلامياً صميماً، ولكنه بذلك قدانجز علماً جديداً هو أفضل تعبير علمي عن أصول التدين في الإسلام.
فإذا أردناالتأريخ لهذا العلم لا بد لنا من التفرقة بين ما قام به الإمام الأشعري بعدانحيازه إلى عقيدة السلف من إصلاح علمي طال المنهج والمحتوى لهذا العلم، وبينالعلم وهو على هيئة مقالات المتكلمين، وكان ثمرة إصلاح الإمام الأشعري هو قبول هذا العلم في نسق العلوم الإسلامية. لكن كذلك يجب التنبيه على أنالإمام الأشعري بذات الفعل قد ابتكر علماً جديداً صاغه من مادة علم الكلامالمعتزلي، وطريقة عبد الله بن كلاب، وتقريرات الإمام أحمد بن حنبل، وطريقة احتجاجهفي مسائل خلق القرآن والرؤية وعلم الله وبقية الصفات التي بيّن معالم النظر الصحيحفيها.
فهذه الصياغةالجديدة للمنهج والمحتوى التي قام بها الإمام الأشعري قد يُعدها البعض تطوراًعادياً في تاريخ العلم، والحق يقال أنها ليست كذلك، بل هي نقلة نوعية، وقد أخطأالبعض في نظره لما قام به الأشعري من كونه مجرد مقالات تُضاف إلى مقالات علمالكلام[xvi]،وأن ما ذهب إليه الإمام الأشعري هو قول نظر فيه في مسائل ذلك العلم وفق نهج السلفالصالح. ولذلك يمكن وصف آراءه بأنها مقالات كلامية اتبعت طريقاً مخالفاً لما كانتعليه المعتزلة، ومن ثم وصلت إلى نتائج مخالفة لهم في شأن الصفات والإرادةالإنسانية، ولكن بعد إمعان النظر فيما قام به الإمام الأشعري.
يبدولنا أنه لم يكن يُرد إضافة مقالة كلامية جديدة؛ وإنما أراد أن يضع كلّ مقالاتالإسلاميين في نسق علمي وآحد يُستخلص منه منهجاً وأصولاً للعقائد يتبَّع بيانالقرآن وبيان السنة النبوية وهدي السلف الصالح في التعبير عنهما، ومن ثم لا يمكنأن يوصف هذا الناتج العلمي بأنه مقالة كلامية جديدة. بل هو طريق لبيان تجاوزمقالات الإسلاميين للوصول إلى نسق علمي يكون أصدق تعبيراً عن أصول التدين فيالإسلام، والثمرة التي تدل على ما ذهبنا إليه هو رسالته إلى أهل الثغر، فتبدو فيهاتلك المعالم واضحة، وهي طريقة مبتكرة في التأليف في هذا المجال[xvii].
ورجعبنا القول لبيان تلك الوحدة الفكرية التي انتظمت تراث الإمام الأشعري لنقول: إن ماتبقى من كتب ورسائل تولي العلماء بنشرها تفي بتحقيق غرض إثبات تلك الوحدة الفكرية،ولو أن كتاب مقالات الملحدين أضيف إلى تلك المؤلفات لأفاد كثيرًا في بيان نهجالإمام الأشعري في رصد وتفنيد مقالات الملحدين. وإن كان من الجائز القول بأن ماأشار إليه الإمام الأشعري في مقالات الإسلاميين حال حديثه عن بعض مقالات الملحدينيُعطينا طرفاً من طريقته في هذا الصدد، أو لو أننا نظرنا فيما فصلّ الإمامالباقلاني في نقد اليهودية والنصرانية والمجوسية والبرهمانية وغيرها من الأديانلاستطعنا الإلمام بطرف آخر من تلك الطريقة كما بدت عند الإمام الباقلاني فيما بعدفي كتابه تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل[xviii].وذلك لأن طريقة الإمام الأشعري في جمع مقالات الإسلاميين على صعيد واحد، وجمعمقالات الملحدين على صعيد آخر، وذلك للتمهيد لبناء نسق علمي على أساسه تُصاغالميتافيزيقا الإسلامية، ونظامها الأخلاقي في مواجهة التحديات المباشرة وفق نهجيتوخى الواقعية والشمول، اتخذت سبيلاً يهتدي به في التأليف في هذا المجال، إذاً مقالاتالإسلاميين هي نقطة البدأ لأنها تُعين على فهم المواقف الميتافيزيقية والأخلاقيةالمتباينة، وكلما كان ذلك الرصد أميناً ودقيقاً لا ينشد التشويش على الخصوم وكسر حجتهمكلما وفر إطاراً علمياً قيّماً لتجاوز نسق تلك المقالات بنسق علمي ينبني على بيان القرآنالكريم والسنة النبوية وهدي السلف الصالح، ومعبراً على مسائل وقضايا ذلك العصر فيشأن الميتافيزيقية والأخلاق.
إنرسالة استحسان الخوض في علم الكلام (الحث على البحث[xix])تُلحق بمقالات الإسلاميين من وجهة أنها تؤسس لمنهج النظر في تلك المقالات دون أنتُحسب في إطار تلك المقالات التي يقوم برصدها، فهي من باب بيان مشروعية النظر فيمسائل العقائد وقضاياها بطريق النظر والمباحثة العقلية، وأن هذا السبيل يسنده بيانالقرآن وهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم، ويسنده كذلك دليل العقل مؤيداً لبيانالقرآن والسنة في هذا الصدد وخارجاً من أن يوصف بالبدعة وإنما هو عين الشرعة. وفيكتابي الإبانة واللمع تأسيس علمي لمجال الميتافيزقيا والأخلاق من منطلق إسلامي علىاختلاف يسير في التوجه بين الكتابين في شأن ذكر الصفات الخبرية في كتاب الإبانة،والسكوت عنها في كتاب اللمع، أما رسالة الإمام الأشعري لأهل الثغر ففيها هذهالمعالم الجديدة في التأليف في مجال أصول الدين. إذاً يسعنا القول بأن الخط الناظملهذه المؤلفات يمثل تلك الوحدة الفكرية، وكأنها مشروع فكري لبيان الميتافيزقيا والأخلاقالإسلامية. وهي كذلك تُعين على فهم هذه الأجزاء المتفرقة من تراث الإمام الأشعريفي نسق جامع يبين لنا كيف توسل به إلى توحيد الأمة على أسس تعصمها من الزلل والزيغعن جادة الطريق.
قديرى البعض في هذه الطريقة في عرض تراث الإمام الأشعري إكراه خفي لذكر التراث،وتقوّل عليه؛ إذ أن الإمام الأشعري لم يقصد ما ذهبنا إليه، ولم يوجهنا إلى درسهوفهمه على هذه الصورة. وأن ترتيب كتبه ورسائله بهذه الكيفية تتجاهل أهمية النظرإليها بصورة تاريخية تُعني بالتسلسل الزمني وتتوفي بيان خط التطور العلمي فيها -وأنالذي لم يصل إلينا من تراث الإمام الأشعري أكثر مما قد وصل إلينا- حسب من جاء عندمن ترجموا له وحاولوا استقصاء مؤلفاته -وأن لو توفرنا على ذلك التراث في كليتهلكان تأويلنا له مختلفاً عما توصلنا إليه- نقول: إن في هذه الاعتراضات قدراًوافراً من الصحة ولكنها لا تمس جوهر فكرة أهمية النظر إلى تراث الإمام الأشعريباعتباره وحدة كاملة بغض النظر عن ما بلغنا منه من تراث علمي في شكل مؤلفات بعينها.
ذلك لأن الإمام الأشعري هو مؤسس مدرسةعلمية رائدة في التعبير عن أصول التدين الإسلامي، ومن ثم فإن طريقته لم تندثر؛وإنما وجدت لها امتدادات علمية في مؤلفات الأجيال اللاحقة، حيث أن الجمع بينمقالات المسلمين ومقالات الملحدين في نسق تأليفي يُفضي إلى القول الفصل في شأنأصول العقائد والأخلاق الإسلامية صار معلماً أساسياً في المدونات العلمية. ولاينكر أحداً أن طريقة الإمام الأشعري قد اتسمت بالواقعية والشمول ودقة التعبير ولمتنحدر إلى اللجاجة والظنون الشخصية. ولكن تراث المدرسة الأشعرية -في مجمله- لميخرج كثيراً عن ذلك النسق العلمي الذي وجدناه في مؤلفات الإمام الأشعري التي وصلت إلينا،وقد يكون في ذلك دليل على صحة تأولنا لذلك التراث. أما دعوى التسلسل التاريخيللمؤلفات إن قُصد بها ضرب ذلك التراث بعضه ببعض والخروج بنتائج مفادها أنه قد تخلىعن مقالة معينة في شأن الصفات كان قد ركن إليها في مؤلف سابق لإثبات صفة"الحنبلية" في شأن عقيدته أو نفيها، فهذا توجه لا يفيد كثيراً في فهمالإمام الأشعري وجوهر ما قام به من إنجاز علمي كان السبب وراء وحدة الأمة عقائديًا،وانتظام علم الكلام بهيئته الجديدة في سلك العلوم السياسية.
وإنكانت هذه الطريقة لا تخلو من إكراه خفي لتراث الإمام الأشعري، لكنها مبرأة منالإسقاط التام، وداعية إلى النظر إلى ذلك التراث بنوع من الحيدة والتجرد في حدودإنجاز تأويل علمي يُعيننا على فهم الإمام الأشعري، والإنفعال بذلك الفهم في حلّقضايانا الميتافيزيقية والأخلاقية المعاصرة. ولئن اتضح جلياً أنه ما من تأويللتراث الإمام الأشعري، أو لغيره من العلماء؛ إلا ويتلبس بنوع من الإكراه، أو يحصلّدرجة منه، لكن الفيصل في قبول أو ترك ذلك الإكراه هو مدى التزامه بالمنطق الداخليلذلك التراث وتجرده العلمي حال النظر في مفردات ذلك التراث واختياره لبعض، والسكوتعن البعض الآخر. إذًا ما سيتم تحقيقه من تأويل لتراث الإمام الأشعري يستهدف غايةعملية، ويتوخى نهج علمي يتسم بالجيدة، ومراعاة المنطق الداخلي لذلك التراث.
لايخفى على الناظر الحصيف أن الإمام الأشعري قد نظر في طريقة الإمام أحمد بن حنبل فيالرد على الجهمية[xx]، بل ذهب إلىأبعد من ذلك في تبني كثير من مواقفه والأمثلة التي جاء بها من القرآن والسنة لبيانحجته، لكنه كذلك أدخل مصطلحات وألفاظ جديدة في المحجاج اللفظي والعقلي أثرت طريقةالإمام أحمد بن حنبل، ووضعتها في إطار علمي منظم يستجيب لحاجات ذلك العصر. فإن زعمالزاعم أن وجه الشبه بينهما شكلي، وأن الإمام الأشعري قد خرج على طريقة الإمامأحمد بن حنبل، وإن كان قد ادعى بأنه متبع له فتقول: بأن الإمام الأشعري رأى في طريقةالإمام أحمد بن حنبل ضالته في كيفية فهم بيان القرآن والسنة النبوية وهدي السلفالصالح، ذلك لأن فيها نظراً عميقاً لتدبر معاني القرآن الكريم وفق ماصح عند أصحاباللسان العربي الذي نزل القرآن عليهم وتولّى النبي صلى الله عليه وسلم ببيان مانزّل إليهم واستقر ذلك الفهم عند السلف الصالح، ومن ثم فإن ظاهرة الحجاج اللغويومنطقها الداخلي يستند على نظام مرجعي يُستدل به على الخطأ والصواب في التأويللتلك المعاني. ومن ثم تنحسم مادة الخلاف وفقاً لذلك الإطار.
وما جاء به الإمام الأشعري من مصطلحات مثلالحركة والسكون والجسم والجوهر والعرض في سياق الاحتجاج العقلي، فقد عمل على تأصيلتلك المفردات من بيان القرآن الكريم، ومن ثم يحق لنا القول بأنه لم يخرج عن ذلكالإطار في مجمله، بل إن هذه المصطلحات الجديدة مثلث حصاد الكسب العملي في زمانه،فكان إدراجها في سياق الحجاج العقلي واللغوي يُعد تأصيلاً لمعانيها، ومن ثم فتحاًعلمياً جديداً. فبدل أن تستخدم هذه الألفاظ من قبل الخصوم الفكريين للتشويش ولبناءنسق علمي جديد يسعى لهدم فقه التصورات الإسلامية وتجاوزه عمل الإمام الأشعري علىإعادة صياغة تلك المصطلحات وفق ما استقر من نظام لغوي وعقلي عند المسلمين. وعبّربذات المصطلحات عن تلك المعاني التي استقرت عنده، فكان في ذلك تكثير للمعاني وفقإطار علمي يرجع في سنده إلى بيان القرآن وهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم.
إذاًتأويلنا لتراث الإمام الأشعري المتعلق بأصول الميتافيزقية والأخلاق الإسلامية يصدرعن نظر علمي يرى في الأطوار العلمية لدى الإمام الأشعري بأنها رحلة علمية متصلةلطلب الحق والتعبير عنه انتظمتها قاعدة التصحيح والتفريع للتعبير عن سمتي الواقعيةوالشمول في أصول التدين الإسلامي. وهذه الرحلة قد عبّرت عن معالم الإنشطاروالتباين، وعن كيفية تحقيق الوحدة العقدية، فما حدث في مدينة البصرة في حلقةالإمام الحسن البصري من اعتزال واصل بن عطاء، وما حدث في تلك المدينة من خروجالإمام الأشعري عن فرقة المعتزلة، وانحيازه لمنهج السلف وبيانه لكيفيات توحيدالأمة من ناحية عقدية وفق نظام علمي جديد تجاوز بعلم الكلام مرحلة الخلاف العقديإلى مرحلة توحيد الأمة على أسس قويمة هي أصول الدين التي يُأتم بها، وبسبيلها تحفظتلك الوحدة الفكرية والعقدية الجامعة[xxi].

الواقعية والشمول في تراث الإمام الأشعري
إن النظر في تراث الإمام الأشعري من خلال سمتيالواقعية والشمول يُفيد كثيرًا في كيفيات الاستفادة من ذلك التراث في مواجهةالتحديات الفلسفية المعاصرة في مجالي الميتافيزيقيا والأخلاق، وهو كذلك يكون لناعونًا في بيان معالم الوحدة الفكرية فيه. لاستقصاء هذا الجانب في تراث الإمامالأشعري لابد من التوفر على قراءة تجمع بين مراعاة المنطق الداخلي لذلك التراثوالأهداف التي يتغياها، وبين الأغراض العلمية التي نسوق لأجلها تأويلنا لذلكالتراث، ولنجعل كتاب مقالات الإسلاميين فاتحة لهذا التحليل، لتحقيق تلك الأغراضالتي بيناها من قبل.
لقدقام الإمام الأشعري بتدوين هذا الكتاب لأجل غرض صرح به في مقدمته الافتتاحية،قائلاً: "لابد لمن أراد معرفة الديانات والتمييز بينها من معرفة المذاهبوالمقالات[xxii]"، ثميبين لنا الآفات التي اعترت مؤلفات من دخل في باب التصنيف في هذا المجال"ورأيت الناس في حكاية ما يحكون من ذكر المقالات، ويصنفون في النحلوالديانات، من بين مقصر فيما يحكيه، وغالط فيما يذكره...[xxiii]".ويُعدد لنا هذه الآفات سواء ما وقع منها على سبيل الغفلة، أو تنفيق الكذب ليصف ذلكبأنه ليس من "سبيل الربانيين، ولا سبيل الفطناء المميزين[xxiv]"،ثم يلفت أنظارنا إلى طريقته لن تقع في تلك الآفات قائلاً: "فحداني ما رأيت منذلك على شرح ما التمست شرحه من أمر المقالات، واختصار ذلك وترك الإطالة والإكثار[xxv]"إذاً لهذا الكتاب غرض واضح وموضوع بيّن المعالم، وهمة عالية ورغبة صادقة في تلمسسبيل الربانيين، الفطناء المميزين.
ولقد راع الإمام الأشعري التخليط والمغالطالتي وقع فيها الذين صنفوا من قبله في مجال المقالات والنحل والديانات، وطالما أن الإمامالأشعري قد رأى ثمة ارتباط وثيق بين معرفة الديانات، والتمييز بينها وبين معرفةالمذاهب والمقالات، فلابد من التوفر على نهج دقيق لا يقع في تلك الآفات التي قامببيانها، وإلا سيقع التشويش في معرفة الديانات والتمييز بينها. إذاً معرفة المذاهبوالمقالات هي مقدمة لازمة لمعرفة الديانات والتمييز بينها، وليس العكس، وأن السبيللتحقيق ذلك هو تجاوز تلك الآفات التي بيّنها، والتي رأى أنها تُخالف سبيل ما أسماهبالربانيين والفطناء المميزين. ولا يخفى على الناظر الحصيف أنه لم يرد تجريدالربانيين من الفطنة والتمييز، ولكن طالما أن موضوع المذاهب والمقالات لا تتمحض فيهالحيدة والتجرد عن الغرض، فلابد من صفتي الفطنة والتمييز كحد أدنى في التعاطي معهذا الموضوع؛ فإن لم تُتدارك تلك الآفات؛ فإن الغرض الذي لأجله صُنِّفت تلك الكتبيصير في عداد المستحيلات.
لقد بين الإمام الأشعري أن الناس قداختلفوا في أشياء كثيرة بعد النبي صلى الله عليه وسلم "ضلل فيها بعضهم بعضًا،وبرئ بعضهم من بعض، فصاروا فرقًا متباينين، وأحزابًا مشتتين؛ إلا أن الإسلاميجمعهم ويشمل عليهم[xxvi]"في هذه الجملة المفتاحية، والتي جاءت مباشرة بعد المقدمة التي بينت الغرض من تأليفهذا الكتاب ومنهجه وموضوعه. يقرر الإمام الأشعري المعنى الذي احتواه عنوان الكتابفي أن هذه مقالات للإسلاميين، واختلافات بين المصلين الذي يرى الإمام الأشعري أنالإسلام يجمعهم ويشتمل عليهم رغم اختلافهم، ثم يفصل لنا في أول اختلاف حدث بينالمسلمين بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم، والذي كان حول موضوع الإمامة، وما أفضىإليه من اقتتال حولها إلى ظهور الخوارج في زمان على ابن أبي طالب رضي الله عنه إلىيوم كتابة الإمام الأشعري لكتابه هذا[xxvii].
قد يتساءل المرء لماذا اختار الإمامالأشعري تقسيم الفرق الإسلامية إلى عشرة أصناف هي: الشيع، والخوارج، والمرجئة،والمعتزلة، والجهمية، والضرارية، والحسينية، والبكرية، والعامة، وأصحاب الحديث،والكلابية أصحاب عبد الله بن كلاب. وكيف أن هذا التقسيم له صلة بغرض كتابه،للإجابة عن ذلك نقول: إن الإمام الأشعري قد رأى أن هذه الاختلافات التي أدت لقيامهذه الأصناف تتداخل فيما بينها، وأنها ليست اختلافات حدية قاطعة في كل الأحوال.فكثير من الشيعة والخوارج وبعض المرجئة، وكذلك الضرارية والحسينية والبكريةأقوالهم في التوحيد والصفات هي أقوال المعتزلة، وأن المعتزلة أنفسهم اختلفوا فيمابينهم في تفاصيل القول في التوحيد والصفات، وأن المعنزلة أنفسهم اختلفوا فيمابينهم في تفاصيل القول في التوحيد والاستطاعة. ويمكن أن تحدث المقابلة بينالمعتزلة والكلابية إن قامت القسمة على نهج المتكلمين، ويمكن أن تحدث المقارنة بينالكلابية وأهل الحديث على أساس أن الكلابية قد وافقوا أهل الحديث في مسائل الصفات،وبقية التقريرات المتعلقة بجليل الكلام، واختلفوا معهم في تبني نهج المتكلمين فيالاحتجاج لتلك التقريرات[xxviii].
ولقد أحسن الإمام الأشعري في عرضه الضافيلمسائل جليل الكلام مستعرضًا مقالات الفرق المختلفة، ومبينًا الاختلافات الداخليةفيما بين الفرقة الواحدة، والأشياء التي تجمع بينهم وبين الفرق الأخرى، والمعالمالتي تميزهم دون غيرهم. فإن كان حديثنا حول المسائل الميتافيزيقية، والقضاياالمتعلقة بالأخلاق نجد أن المعتزلة يمثلون بأرائهم في هذين المجالين القاسمالمشترك بين كثير من هذه الفرق، ولذلك احتلت مواقف علمائهم حيزًا أكبر، وشاركتهمفرق كثيرة في مقالاتهم في هذا الصدد. والذين اختلفوا معهم اختلافًا واضحًا في هذا المضمار هم أصحاب الحديث-الذين سماهم الإمام الأشعري فيما بعد بأهل السنة والاستقامة- ويضاف إليهم أصحابعبد الله بن كلاب.
لقد ركز الإمام الأشعري على بيانالاختلافات الداخلية بين الفرق المختلفة، وحكى ذلك على وجه التفصيل، وقد التزم فيحكايته لتلك الاختلافات الحيدة والتجرد، وكان الناتج العملي لنظام السرد الذيتبناه أن أهل السنة والاستقامة هم الصنف الوحيد الذي لم تقع فيه اختلافات داخليةفيما ذهبوا إليه من آراء، فجاءت آراؤهم جملة من الإجماعات المستندة على نصوص منالقرآن والسنة. وطالما أن العامة في تدينهم تبعًا لهم، فالاختلاف الذي وقع بسببانحراف العامة لا يُعتد به؛ إذ أنه حدث بسبب سوء الفهم، ولم يتحول إلى مقالة، أومذهب علمي بستحق الذكر.
لقد اشتملت الفرق التي ذكرها الإمامالأشعري على فرق من الغلاة كان أكثرهم من الشيعة، يُضاف إليهم من ذهبوا إلىالتناسخ والحلول، وقد اجتهد الإمام الأشعري في تحري الدقة في النقل لهذه الآراءتحقيقًا لنهجه الذي بينه في مقدمة كتابه، والذي لم يفارقه في جميع التفاصيل التيذكرها عن الفرق المختلفة، سواء أكان في جليل الكلام أو دقيقه. فالغلاة ومن أُلحقبهم من أصحاب المقالات المنحرفة قد خرجوا عن الرؤية الميتافيزقية الجامعة المتعلقةبالفصل بين الخالق والمخلوق، ثم تنقسم هذه الرؤية الميتافيزيقيا إلى اتجاهين:اتجاه يذهب بالتنزيه إلى أقصى حدوده ليقع في نفي الصفات، واتجاه آخر يقوم بإثباتالصفات بلا كيف. ثم يبين لنا الإمام الأشعري النهج الذي اتخذه أيّ من الاتجاهين فيبيان موقفه الميتافيزيقي، ويرتبط بهذه الرؤية الميتافيزيقية النظر في شأن الإرادةالإلهية، وصلتها بالفعل الإنساني، ويبين لنا الاتجاهات التي ينبني عليها النظامالأخلاقي وتفاصيله.
ويأتي تفصيل معاني النظام الأخلاقيالمرتبطة بتلك الميتافيزيقا في تفاصيل الحديث عن الاختلافات في دقيق الكلام، حيثيتفرع القول في شأن تعريف الجسم، واختلاف المقالات حوله، ثم كذلك القول في شأنالجوهر والعرض، والحركة والسكون، والآراء المختلفة حول الجزء الذي لا يتجزأ، ثمالمكان والشيء، وتعريف الإنسان، وحدّ البلوغ والتكليف، وبيان القول في الاكتساب.ويصدر الإمام الأشعري -في كل ذلك- عن نظام في السرد يبين الصلة الوثيقة بين مسائلالميتافيزيقيا وبين قضايا الأخلاق وأصولها العقدية.
إذًا تلك القسمة العشرية التي اتبعهاالإمام الأشعري بعد أن بيّن لنا تفاصيل الاختلافات الداخلية، والتقاطعات بين تلكالفرق، ثم أخرج الغلاة ومن أُلحق بهم حتى لا يكونوا جزءًا من الميتافيزيقياالإسلامية العامة. ثم يبين لنا رؤيتين ميتافيزيقيتين في إطار تلك الوحدة العامةتلك التي تبنتها المعتزلة، وكان دافعها المحرك هو تحقيق التنزيه المطلق، وتلكالرؤية التي التزمها أهل السنة والاستقامة، وتبعتهم الكلابية في أكثر ما ذهبواإليه، وكان جماع تلك الرؤية هو الالتزام ببيان القرآن الكريم وهدي المصطفى صلىالله عليه وسلم، وتمثل السلف الصالح لهما. فإن كان غرض الكتاب هو التمييز بينالمذاهب والمقالات لمعرفة التمييز بين الديانات، فقد أفلح الإمام الأشعري في خطتهمن انجاز كتابه على أكمل وجه، مستعينًا في ذلك بفهم عميق لسمة الشمول، والتي تحققتفي مستوى هذا الحصر العشري للأصناف، وبيان تفاصيل الاختلافات والتقاطعات بين تلكالفرق. ومن ثم الخلوص إلى الوحدة الشاملة التي تنتظم تلك الفرق، وبيان المميزاتالعامة في إطار تلك الوحدة الشاملة، وتطبيق ذات السمة في شأن دقيق الكلام، ومحاولةحصر مسائل دقيق الكلام، وبيان صلته بجليل الكلام، وارتباط أصول الأخلاق بأصولالميتافيزيقيا.
أما سمة الواقعية، فلقد عمل الإمامالأشعري جاهدًا في الوصول إلى مسح دقيق هو أقرب لواقع حال ما عليه المتدينينبالإسلام، فهو لا يشتط في الدخول في التفاصيل التي تُخرجه عن موضوعه، وكذلك لايختزل تلك التفاصيل في تعميمات لا تدل على معرفة بواقع الحال. فهو يبين لنا رجالالرافضة ومؤلفوا كتبهم مميزًا بينهم وبين من انتحلهم، ثم يبين لنا أماكن تواجدهم"والتشيع غالبًا على أهل قم، وبلاد إدريس بن إدريس وهي طنجة وما والاها منالكوفة[xxix]"،وكذلك الحال في شأن الخوارج يبين لنا الألقاب التي ذُكرت في وصفهم، وتلك التي لايرضونها، ثم يحدد لنا الأماكن التي فيها لهم وجود طاغ، أو شوكة ودولة "والكورالتي الغالب عليها الخارجية: الجزيرة والموصول وعمان وحضرموت، ونواح من نواحالمغرب، ونواح من نواح خراسان، وقد كان لرجل من "الصفرية" سلطان فيموضوع يُقال له سجلماسة على طريق غانه[xxx]"،وغير ذلك من المواضع الأخرى في الكتاب التي تخص الفرق الأخرى.
فهو يتحرى أن يُعطي تقريرًا لما عليه تلكالفرق في زمانه، وبسبب هذه السمة الواقعية في نهجه، فقد قدم لنا تفصيلاً دقيقًالما عليه المعتزلة في زمانه، وربما زعم الزاعم بأن البيانات التفصيلية التي ذكرهلفي شأن المعتزلة تعود إلى أنه كان واحدًا منهم، لكننا نقول: ربما كان في تلك العلّةمسوغًا كافيًا للتشويش عليهم بسبب خروجه عليهم، لكن تقييده لآرائهم وآراء أبي عليالجبائي على وجه الخصوص جاءت غاية في الدقة والحيدة، فسمت الواقعية يقتضي عدمالتهوين من شأنهم، أو التهويل في بيان خطرهم، بل إنه أنزلهم منزلتهم في الخريطةالعامة للمقالات، ولذلك استطاع أن يرسم لنا صورة واقعية لما عليه الحال في شأنالميتافيزيقيا الإسلامية الجامعة، والتحورات التي اعترتها، وأصول الأخلاق المرتبطةبتلك الميتافيزيقيا، والرؤى التي تجاذبتها في شأن تكييق الفعل الإنساني وصلتهبالإرادة الإلهية.
فالسمت الواقعي لطريقته في عرض المذاهبوالمقالات، وتلخيصه لأصول عقائد أهل السنة والاستقامة أخرجته من دائرة التهويماللاهوتي العقيم، وجعلت من سمت الشمول إطارًا عامًا يقع تفصيل معاني الواقعية فيحكاية المقالات، وسرد حججها واستدلالها دون الوقوع في التكرار والترداد أو الذهولعن الأُطر الجامعة لتلك المقالات.
ترتبط رسالة استحسان الخوض في علمالكلام (الحث على البحث) بما لم يُصرح بهفي كتاب مقالات الإسلاميين من نقد لأولئك الذين حولوا موقف أهل السنة والاستقامةإلى مقالة شخصية، ومن ثم طفقوا للدفاع عنها من تلك الزاوية الضيقة، ولما كانفي ذلك خطر على طريقته في السرد والتصنيفالذي ارتضاه لنفسه في كتاب مقالات الإسلاميين، انبرى في الدفاع عنه في هذه الرسالةواصفًا تلك الفرقة بأقسى عبارات التقريع قائلاً في افتتاحية تلك الرسالة:"فإن طائفة من الناس جعلوا الجهل رأس مالهم، وثقل عليهم النظر والبحث عنالدين، ومالوا إلى التخفيف، والتقليد[xxxi]".ثم يستمر في بيان خطورة موقفهم الذي انتقل من آفة التقليد إلى اتهام من أراد البحثوالنظر بالضلال والبدعة، "وطعنوا على من فتش عن أصول الدين، ونسبوه إلىالضلال، وزعموا أن الكلام في الحركة والسكون، والجسم والعرض والألوان، والأكوان،والجزء، والطفرة، وصفات البارئ عز وجل بدعة وضلالة[xxxii]".
ثم ذكر لنا حجتهم في ذلك "وقالوا: لوكان ذلك هدى ورشادًا لتكلم فيه النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه وأصحابه[xxxiii]"،فقام الإمام الأشعري بتفنيد تلك المقالة مستندًا على بيان معنى البدعة وسوءاستغلالهم لها، فلو صح المعنى الذي ذهبوا إليه في شأن فهمهم للبدعة لما وسعهم وصفمقالة الذين تكلموا في أصول الدين بكلام لم يجر على ألسنة السلف الصالح بأنه بدعة.ذلك لأن السلف الصالح لم يبدعوا ذلك القول، لأنه وقع من بعدهم، فمن قام بالتبديع،فهو أيضًا مبتدع؛ لأنه جاء بمقالة فيها بدعة وخروج عما كان عليه السلف الصالح.
ثم ينطلق الإمام الأشعري لتأصيل القول فيهذه المعاني التي وقعت للمتكلمين من بيان القرآن الكريم والسنّة النبوية، وهو فيكل هذا يصدر عن بيان دقيق لمقياس النظر في المقالات حال ردها أو قبولها، وأنالتقليد في شأن أصول الدين لا تُحمد عاقبته؛ وإنما يُوقع في الجهل والافتئات علىالعلماء.
إذًا هذه الرسالة ذات غرض عملي بينهالإمام الأشعري، وهي كذلك جزء مهم من مشروعه العلمي في مقالات الإسلاميين؛ إذ أنالتمييز في شأن الديانات لا يقع عن طريق الإجحاف في حق الآخرين، والعكوف على فهمضعيف لما عليه أهل السنة والاستقامة من نظر فسيح يتسم بالشمول والواقعية في تصفحأحوال المتدينين بالإسلام.
ما تبقى من تراث الإمام الأشعري –الذي وصلإلينا- يقع في دائرة تفصيل القول في شأن اعتقادات أهل السنة والاستقامة، والدفاععنها بحجج نقلية فيها فهم عميق لتلك الحجج، وتنبيه لموقع الاحتجاج اللغوي والعقليالمستنبط من منطق ذلك البيان اللغوي، ومن بدائه العقول والحس المشترك. وهو في ذلكلم يخرج عن ما قام به الإمام أحمد بن حنبل في الرد على الجهمية، وبسبب مخالطةالإمام الأشعري لأصحاب المقالات والمذاهب المختلفة، ومعرفته الدقيقة بخفاياأقوالهم جاء نظام السرد عنده أكثر إحكامًا، ومتميزًا بالواقعية والشمول.
إن أردنا استعراض كتاب "الإنابة عنأصول الديانة" لبيان سمتي الواقعية والشمول، نقول: إن الإمام الأشعري قامباستقصاء تفاصيل الفروق بين موقف أهل السنّة والاستقامة، وبين المعتزلة على وجهالخصوص، ذلك لأن المعنزلة يمثلون الأساس الميتافيزيقي الذي استندت إليه الفرقالأخرى، فلذلك خصهم بالذكر في الحديث عن أهل الزيغ، "فإن كثيرًا من الزائغينعن الحق من المعتزلة وأهل القدر مالت به أهواؤهم إلى تقليد رؤسائهم، ومن مضى منأسلافهم، فتأولوا القرآن تأويلاً لم ينزل الله به من سلطان، ولا أوضح به برهانًا،ولا نقلوه عن رسول رب العالمين، ولا عن السلف المتقدمين[xxxiv]".
لئن عاب الإمام الأشعري على أولئك الذينوصفهم بالجهل في رسالة استحسان الخوض في علم الكلام؛ فإنه كذلك قد وصف المعنزلة فيزمانه بوقوعهم في التقليد لرؤسائهم، وهذه آفه عظيمة في شأن فهم العقائد الإيمانية،ثم بين لنا معالم خطئهم المنهجي، ويذكر تفاصيل هذا المنهج، ويذكر على وجه التقديروالتخصيص موقف الإمام أحمد بن حنبل قائلاً: وبما نقول به أبو عبد الله أحمد بنحنبل نضر الله وجهه، ورفع درجته، وأجزل مثوبته، قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون؛لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان به الله الحق، ورفع به الضلال، وأوضحبه المنهاج، وقمع به المبتدعين وزيغ الزائغين[xxxv]".قد يرد السؤال حول ما إذا كان في هذا الموقف من الإمام الأشعري تقليدًا للإمامأحمد بن حنبل أم لا؟ والإجابة القاطعة في هذا الشأن هو أن الإمام الأشعري قد اتبعوجه الدليل عند الإمام أحمد بن حنبل، ودافع عن طريقته؛ لأنها تمثلت بيان القرآنالكريم وهدي السنّة النبويّة.
والناظر في باقي الكتاب يرى دقة الاحتجاجالعلمي الذي سلكه الإمام الأشعري في مسائل الصفات، وما ترتب عليها من نظر في مسألةالرؤية، وخلق القرآن، وبقية المسائل المتعلقة بعذاب القبر، والشفاعة، والحوض، ثمأصول قضايا الأخلاق المتعلقة بالاستطاعة، وأخيرًا مسألة الإمامة، وصحة إمامة أبيبكر الصديق. وفي كل ذلك يبين وجه الدليل بصورة علمية ربط فيها بين الميتافيزيقياالإسلامية الصحيحة في شأن العقائد الإيمانية، وبين أصول الأخلاق المتصلة بمسائلتلك العقائد الإيمانية. ولا يخفى على الناظر الحصيف اتصال ذلك بسمتي الواقعيةوالشمول، حيث أنه لم يغرق في التفاصيل اللاهوتية؛ وإنما قام بمواجهة زيغ أهلالباطل الذين كانوا من حوله يبثون تلك الآراء، وينافحون عنها.
إذا انتقلنا إلى كتاب "اللمع"،فهو لا يختلف كثيرًا عن كتاب "الإبانة"؛ إلّا أنه قد سكت فيه عن الصفاتالخبرية، ربما بحكم أنه قد اختص بشأن الرد على أهل الزيغ في جماع ما انحرفوا به عنالجادة في شأن الصفات، وبقية المسائل التي ترتبت عليها، وهو يؤسس للنظر في بيانمعالم الميتافيزيقيا الإسلامية الجامعة، ونهج الوصول إليها، وربطها بأصول الأخلاقالمتعلقة بالعقائد الإيمانية في مسألة الاستطاعة، وصلة الفعل الإنساني بالإرادةالإلهية، ثم يختم ذلك بمسألة الإمامة. والناظر في الكتاب يرى أن الإمام الأشعرييطالعنا بجملة مفتاحية تبين غرض الكتاب من ناحية عملية، قائلاً: "فإنك قدسألتني أن أصنف لك كتابًا مختصرًا أبيّن فيه جملاً توضح الحق وتدمغ الباطل...[xxxvi]"ثم يشرع في بيان الدليل على أن للخلق صانعًا، ليخلص من ذلك للحديث عن صفاته، وبقيةمسائل العقائد الإيمانية[xxxvii].
وإن كان المنطق الداخلي لهذا الكتاب-وبدرجة أقل في كتاب الإبانة- ينحو إلى كسر حجج المخالفين الذين وصفوا يأنهم أهلالزيغ؛ إلا أنه كذلك قد تمثل نهج الإمام الأشعري في شان الصدق في النقل عن الخصوم،وعدم التشويش عليهم، والتسلح بسمة الواقعية والشمول حتى يأتي بيانه ملتزمًا بنهج السلففي التصدي للانحرافات العقدية دون الإغراق في التفاصيل اللاهوتية التي لا طائل منورائها. أخيرًا؛ فإن سمت رسالته إلى أهل الثغر تمثل فتحًا جديدًا في شأن الكتابةفي موضوع أصول الدين، والتعبير عن العقائد الإيمانية، فالنهج الذي اختطه تجاوزطرائق علم الكلام، وبلغ بسمتي الواقعية والشمول الحدّ الأقصى. فالكتاب في الأصل هورسالة لبيان تلك العقائد، لكن السبيل الذي اتخذه يبين لنا كيفية تأصيل نهج تلقيتلك العقائد عن صاحب الملّة، وكيفية الاحتجاج عليها من بيان القرآن الكريم، ثم مايترتب على ذلك المنهج من ما استقر من إجماعات حول تلك العقائد الإيمانية.
ويقول الإمام الأشعري في رده على المسائلالتي وردت إليه من مدينة باب الأبواب قائلاً: "ووقفت على ما التمستموه من ذكرالأصول التي عول سلفنا رحمة الله عليهم وعليها [عليها] وعدلوا إلى الكتاب والسنّةمن أجلها واتباع خلفنا لهم في ذلك[xxxviii]"؛إلا أن يبين طريقته، "وذكرت لكم جملاً من الأصول مقرونة بأطراف الحجاج تدلكمعلى صوابكم في ذلك، وخطأ أهل البدع فيما صاروا إليه من مخالفتهم وخروجهم عن الحقالذي كانوا عليه قبل هذه البدع معهم، ومفارقتهم بذلك الأدلة الشرعية، وما أتى بهالرسول عليه السلام منها[xxxix]".إن طبيعة رسالته إلى أهل الثغر تقتضي بيان المنهج الذي يقع به الاستدلال، كما فُهممن بيان رسول الله عليه الصلاة والسلام حينما جاء بدعوته للعالمين، وما جاءت بهآيات الذكر الحكيم في بيان معالم هذا الدين، والطريق لتلقي العقائد الإيمانية فيه،ثم ما استقر من إجماعات حول تلك العقائد.
قد يبدو لأول وهلة أن نسق هذه الرسالة منالأمور البدهية، ولكن بالإطلاع على تأريخ التأليف في شأن المسائل الكلامية، أو بينالمقالات والمذاهب والديانات نرى تحقق سمتي الواقعية والشمول على أفضل وجه في هذهالرسالة، فهذه الرسالة لا يمكن أن توصف بأنها رسالة في علم الكلام، أو في الرد علىأهل الزيغ، أو في الإبانة عن أصول الديانة، أو في نهج مقالات الإسلاميين، بل نقول:إنها قد احتوت على كل ذلك في صعيد واحد، وتجاوزته إلى نسق جديد من الكتابة العلميةفي شأن العقائد الإيمانية.

خلاصات:
ما من أحد اطلع على تراث الإمام الأشعري وتبين تلكالوحدة الموضوعية في ذلك التراث الذي مثلّت فيه قاعدة التصحيح والتفريع منطلقًامحوريًا، واكتسب بسمتي الواقعية والشمول حيوية وانحيازًا لقضايا الحياة المعاصرةله، وأنتج في شأن التعبير عن العقائد الإيمانية طريقة جديدة في التأليف والتعاطيمع هذا المجال الحيوي الذي يمثل جماع الرؤية الكلية التي يصدر عنها المتدينين بدينالإسلام. فإن ورد السؤال عن ماذا بقى من ذلك التراث فاعلاً في حياتنا المعاصرة،وكيف ننفعل به لمواجهة التحديات الفلسفية القائمة في زماننا، نقول: إن الإمامالأشعري قام بتأصيل منهج في النظر إلى القضايا الميتافيزيقيا، أو ما نسميه أحياناًبالرؤية الكونية، وهذه لا تحدث فيها تغيّرات جوهرية، بل لها حظ من الثبات مثل كلالحقائق الكلية التي تُعطي أيَّ نظام عقدي سمته المميز. فكانت صياغة الإمامالأشعري في مواجهة التحديات التي كانت في عصره مما يُستهدى به في هذا الصدد، فهوقد حوّل كل تلك التحديات إلى مناسبات عظيمة لإعمال قاعدة التصحيح والتفريع، ومن ثماستيعاب الكسب العلمي الذي وقع للإنسانية في إطار تلك الرؤية الكونية الإسلامية.وهو كذلك قد ربط تلك الرؤية بمجال أصول الأخلاق المرتبطة بالعقائد الإيمانيةالمتمثلة في الصلة بين الفعل الإنساني والإرادة الإلهية.
بعدهذه الفذلكة العامة يحق لنا أن نقول: إن ذلك التراث العلمي الفخم وامتداده فيالمدرسة الأشعرية قد أسهم بنصيب وافر في التصدي للمشكلات الفلسفية المعاصرةالمتمثلة في تيار الحداثة ومنهجها الوضعي التجريبي، فحينما أُفتتن سير سيد أحمدخان بالفلسفة الغربية الطبيعية (النتشرية) تصدى له جمال الدين الأفغاني[xl].وحينما كتب الإمام محمد عبده رسالته في التوحيد[xli]بيّن تلك الموازنة الدقيقة بين الميتافيزيقيا الإسلامية والعلم التجريبي، ثم توالتطرائق تفعيل ذلك التراث في مواجهة نظريات المعرفة في الحضارة الغربية، فانتج ذلكاسهمات قيمة على يد العلّامة إقبال، ولابد كذلك بالإشادة بإسهمات علي سامي النشار[xlii]،وإسهام طه عبد الرحمن[xliii]في مجال بيان معالم الرؤية الكونية الإسلامية (الميتافيزيقيا الإسلامية)، ومايترتب عليها من قول في شأن مجال أصول الأخلاق، والتظير العلمي لها، وكذلك الإضافاتالقيّمة في هذا الصدد التي قام بها الفاروقي[xliv]مستهديًا بهذا التراث العلمي.

Advertisement

ولماكانت القضايا المتعلقة بالتصورات الميتافيزيقيا لها حظ من الثبات، وكان لب ما أنجزالإمام الأشعري يتعلق بهذا المجال، وكيفية الربط بينه وبين مجال أصول الأخلاق؛ فإنتراث الإمام الأشعري سيظل دائمًا معلمًا يُستهدي به في مجال بناء الرؤية الكليةالإسلامية في مواجهة التحديات الفلسفية المعاصرة سواء المتصلة بالحداثة، أو ما بعدالحداثة. فمن أراد توخي سبل الرشاد في استجابته للتحديات المعاصرة، فعليه إمعانالنظر في تراث الإمام الأشعري، بالكيفية التي بينّاها، فالكل عيّال عليه.

[i]الإمام أبي الحسن الأشعري، رسالة إلى أهل الثغر، تحقيقودراسة عبد الله شاكر محمد الجنيدي، (مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة: 2002م)ص63-64.

[ii]الشهرستاني، الملل والنحل، (دار الكتب العلمية، بيروت:بدون تاريخ)، ص 81. انظر كذلك: إبراهيم محمد زين، تأملات حول علم الكلامومآلاته، التجديد، العدد العشرون، 2006م، ص200-201.

[iii]يرى عبد الله شاكر محمد الجنيدي في دراسته القيمة التي نشرها معتحقيق رسالة أهل الثغر، أن ذلك هو رأي ابن النديم في الفهرست، ص64. انظر كذلك: عبدالرحمن بدوي، مذاهب الإسلاميين، (دار العلم للملايين، بيروت: 1983م) ج1،ص493.

[iv]المرجع السابق، ص63 وما بعدها في المبحث الذي عقد الجنيدي حول"المراحل والأطوار التي مرّ بها" أي الإمام الأشعري. انظر كذلك: تلخيصد. عبد الله بدوي في مذاهب الإسلاميين، ج1، ص532-533. انظر كذلك: ما ذهبإليه د. أحمد محمود صبح، في علم الكلام: دراسة فلسفية لآراء الفرق الإسلامية فيأصول الدين (الأشاعرة)، (دار النهضة العربية، بيروت: 1985م)، ص85-88.

[v]Richard M. Frank, Early islamic Theology: TheMu'tazilites and al-Ash'ari (Ashgate, Burlington:2007) pp. 83-152.

[vi]الجنيدي، ص36.

[vii]انظر د. عبد الرحمن بدوي، ص505-532.

[viii]Frank, pp. 83-152.

[ix]الجنيدي، ص60.

[x]صبحي، ص57.

[xi]الجتيدي، ص63 وما بعدها.

[xii]الإمام أبي الحسن الأشعري، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين(فرانز ستايز، فسبارن: 1963م)، ص522-525.

[xiii]انظر كتاب الإنابة، وكتاب اللمع، ورسالة إلىأهل الثغر في شأن هذه القضايا.

[xiv]انظر بعض الأراء الطريفة في هذا الصدد عن المعتزلة والأشاعرة عندموسى بن ميمون، دلالة الحائرين، (مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة: بدونتاريخ)، ص180-204.

[xv]انظر كتاب الإمام الأشعري، مقالات الإسلاميين، كنص قام به الإمام الأشعريكمؤرخ لمقالات علم الكلام قبله.

[xvi]إن في الكتاب الذي نُسب لابن فورك مجرد مقالات الشيخ أبي الحسنالأشعري، (دار المشرق، بيروت: 1987م) خير دليل على الذهول عن مقصد الإمام الأشعريفي مشروعه الفكري.

[xvii]رسالة إلى أهل الثغر.

[xviii]الإمام الباقلاني، تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل، (مؤسسةالكتب الثقافية، بيروت: 1993م)، ص53-226.

[xix]الإمام أبي الحسن الأشعري، اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع، وفيآخره رسالة في استحسان الخوض في علم الكلام (دار الكتب العلمية، بيروت: 2000م)ص89-97. انظر تحليل Frankفي ص83-152.

[xx]الإمام أحمد ابن حنبل، الرد على الجهمية والزنادقة، تحقيقعبد الرحمن عميرة، (دار اللواء، د.م: د.ت) ص85-149.

[xxi]كثير من الذين ترجموا للإمام الأشعري من المعاصرين حوّموا حولهذا الغرض في النظر إلى تراث الإمام الأشعري: د. حمودة غرابة، أبو الحسنالأشعري (مطبوعات مجمع البحوث الإسلامية، القاهرة: 1973م). د. عبد الرحمنبدوي، مذاهب الإسلاميين. د. أحمد محمود صبحي، في علم الكلام. د.جلال محمد عبد الحميد موسى، نشأة الأشعرية وتطورها (دار الكتاب اللبناني،بيروت:1975). وآخرين من المستشرقين مثل: جورج مقدسي، وفرانك.

[xxii]مقالات الإسلاميين، ص1.

[xxiii]المرجع السابق، ص1.

[xxiv]المرجع السابق، ص1.

[xxv] المرجع السابق، ص1.

[xxvi]المرجع السابق، ص1-2.

[xxvii]المرجع السابق، ص5.

[xxviii]المرجع السابق، ص5-300.

[xxix]المرجع السابق، ص63-64.

[xxx]المرجع السابق، ص128.

[xxxi]اللمع وفي آخره رسالة في استحسان الخوض، ص89.

[xxxii]المرجع السابق، ص89-90.

[xxxiii]المرجع السابق، ص90.

[xxxiv]الإمام الأشعري، الإبانة عن أصول الديانة، (الجامعةالإسلامية بالمدينة المنورة، المدينة المنورة:1975م) ص6.

[xxxv]المرجع السابق، ص8.

[xxxvi]اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع، ص13.

[xxxvii]المرجع السابق، ص15.

[xxxviii]رسالة إلى أهل الثغر، ص133.

[xxxix]المرجع السابق، ص134.

[xl]السيد جمال الدين الأفغاني الحسيني، الرد على الدهريين، (نقلهاعن اللغة الفارسية الشيخ محمد عبده بمساعدة عارف افندي، ضمن الآثار الكاملة (مكتبةالشروق، القاهرة:2002م) ص127-206.

[xli]الإمام محمد عبده، رسالة التوحيد، تحقيق محمد عمارة (دارالشروق، القاهرة: 1994م) ص17-32.

[xlii]علي سامي النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، الجزءالأول (دار المعارف، القاهرة: 1981م).

[xliii]طه عبد الرحمن، فيأصول الحوار وتجديد الكلام، (المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء: 2000م).

[xliv]Ismail R.al-Faruqi, Al-Tawhid: Its Implication for Thought and Life (IIIT, Herndon:1998)وكتبه الأخرى كذلك المتعلقة بالميتافيزيقيا والأخلاق.
التوقيع
ليس بإنسان ولا عالم من لايعي التاريخ في صدره
ومن درى أخبار من قبله أضاف أعمارا إلى عمره

صديق القمر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
متى, مواجهة, الأشعري, المنهج, التحديات, الحزن, الفلسفية, الإمام, الكلامي, عند, في, واقعية, ودورها

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
قصة واقعية stalingrad قسم الحوار العام 0 28-10-2012 12:54 PM
جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ودورها في الحركة الوطنية الجزائرية مسيكة محمد علوم انسانية 0 10-09-2011 05:15 PM
بعض الحزن وسيم قسم الحوار العام 3 20-06-2011 03:19 PM
الابتسامه هي ارقى تعبير عن الحزن خاطفة القلب قسم الحوار العام 6 05-03-2011 11:43 PM
اجمل اشعار الحزن محبة الله قسم الحوار العام 3 03-03-2011 10:56 AM

sitemap

الموقع يخضع لسياسة ادسنس لقراءة الشروط بالعربية انقر هنا أو بالانجليزية Google Adsense Privacy Policy   

 abuse@alg17.com


الساعة الآن 04:07 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.11 Alpha 3
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
adv helm by : llssll
المواضيع المنشورة في المنتدى تعبر عن رأي اصحابها وجميع المواضيع التي تخالف سياسة الموقع يتم حذفها

Search Engine Friendly URLs by vBSEO

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138