صراع التيارات الفكرية النقدية الثورية التقدمية
قديم 23-08-2015, 06:54 PM   #1
alg17
 
الصورة الرمزية صديق القمر
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
المشاركات: 1,938
افتراضي صراع التيارات الفكرية النقدية الثورية التقدمية

صراع التيارات الفكرية النقدية الثورية التقدمية
* مدخل :
يلتقي الفكر النقدي الثوري التقدمي مع الفكر التحرري التحديثي (الليبرالي) من حيث الميل للتنظير القومي والعلماني والعقلاني والتحرري ، انما يذهب ابعد من ذلك فيعنى بالتحول الثوري في بنية العلاقات التقليدية والمؤسسات والنظام السائدة باتجاه التأكيد على اهمية مقولات العدالة الاجتماعية للتخفيف من حدة الفروق الطبقية . بكلام اخر ، يذهب ابعد منه باتجاه الاشتراكية .
ويتمثل هذا التيار في مرحلته النهضوية بدرجات متفاوتة في كتابات .. احمد فارس الشدياق ، عبد الرحمن الكواكبي ، شبلي الشميل ، فرح انطون وغيرهم … ممن مثلوا في هذه المرحلة طليعة الثقافة النقدية التقدمية المضادة للثقافة السائدة وتفرعاتها.
سنجد ان الكواكبي كان يشارك التيار الديني الكثير من مفاهيمه وان اختلف نوعيا من حيث مراميه ومنطلقاته الفكرية ، كذلك قد يشترك الشدياق وشميل وانطون مع التيار التحرري التحديثي (الليبرالي) ، في بعض توجهاته ، ولكنه كان اكثر تعلقا بمفاهيم العدالة الاجتماعية والتحليل الطبقي والاشتراكية . من ناحية اخرى وعلى عكس ما هو متوقع قد نجد ان بعض اصحاب هذا التيار التقدمي والتحول الثوري كانوا ربما اقل اهتماما بقضايا المرأة والحريات الفردية من التحديثيين (الليبراليين) .

* احمد فارس الشدياق 1804-1887 :
كان الشدياق متضارب الانتماءات ، فقد ولد ونشأ ماورنيا وانحاز الى الانجيلية ثم انقلب عليها واعتنق الاسلام . وقد تنازع رجال الدين المسيحيون والمسلمون اثر وفاته حول من يصلي على رفاته واين يدفن .
أنتمى الشدياق إلى أسرة من الوجهاء ولكنه تمرد على العائلات الاقطاعية ورجال الدين المسيحيين وأنتقدهم أشد الانتقادات بسخرية متميزة ، وكان عثماني الولاء ولكنه عاد فأنتسب إلى العروبة القائمة على الرابطة اللغوية والثقافية . وأنحاز إلى الفقراء من عمال وفلاحين فكان بذلك رائدا للفكر الاشتراكي العربي في مطلع عصر النهظة .
وللشدياق مؤلفات عديدة تبلغ حوالي الخمسين ولكن أهم ما كتب هو ( الساق على الساق في ما هو الفارياق أو أيام وشهور وأعوام في عجم العرب والأعجام ) نشره عام 1855 . وقد تعرضت مؤلفاته للتعتيم والمنع والرقابة حتى فقد بعضها ، وعلى هذا الأساس أسماها الطرابلسي والعظمة بـ(الأعمال المجهولة ) .
ومن خلال قراءتنا للكتاب - أي كتاب الساق على الساق – توصلنا إلى ان الشدياق تصدى لثلاثة محرمات هي :- الدين ، والثورة الأجتماعية ، والمرأة والجنس .
أولا – توصل الشدياق من خلال نقده الساخر لرجال الدين المسيحي وأنحيازه عن المارونية والأنجيلية إلى التشكيك في الماورائيات كلها والتمسك بالعقل وإلى الدماغ عن حرية الرأي والتعبير وإلى القول والفصل بين السلطتين الزمنية والدينية أو فصل الدين عن الدولة وإلى نبذ التفرقة المذهبية والدينية والتمسك بدلا من ذلك والتآخي بين أبناء الوطن الواحد كافة والى الاعتقاد بأن الدين شأن فردي .
ثانيا – توصل شدياق من خلال النقد الأجتماعي إلى القول بلأشتراكية ، ويظهر ذلك في نقده لمفاهيم المناصب والثروات المتوارثة والألقاب ، وفي تهجمه على أمتيازات الحكام وأصحاب القطاع والأغنياء مستنكرا على عيش القلة على حساب الكثرة الكادحة، وفي تسائله كيف بنى العالم على الفساد والظلم ، وبهذا كان (أول عربي يعتنق المذهب الأشتراكي ويذهب به إلى أبعد حدود الألتزام) .
ثالثا – شكل كتاب الساق على الساق (رحلة أستكشافية لرجل شرقي في عالم المرأة) وبه أحيا الشدياق (الأدب الجنسي عند العرب) . ويرى كل من الطرابلسي والعظمة أن الجديد في تناوله لقضية المرأة ليس فقط في قوله أن ( لا نهضة للشرق الا بنهضة المرأة ) . وليس في دعوته إلى مساواة المرأة بالرجل في التعليم والعمل ، وليس في دعوته لاحترام حقها باختيار زوجها وان تتمتع بحق متساو في الطلاق . الجديد ايضاً هو في دعوته لمساواتها بالرجل من حيث حقها باللذة الجنسية .
من خلال قراءتي الساق على الساق تبين لي ان له بالإضافة إلى المواقف الجريئة والواضحة أسلوبا او مذهبا خاصا ذا لغة متميزة اطلق عليه هو نفسه تسمية ( الفارياقية ) وهي تسميه منحوتة من الجزء الاول من اسمه (فارس) والجزء الاخير من الاسم العائلي (الشدياق ) واصبح يعرف باسم (الفارياق) .
ويتصف اسلوبه بالسخريه والتلاعب باللغة في سبيل اظهار سيطرته على العربية والتاكيد على هويته . واستوقفني في كتابه هذا ، خاصة مواقفه من رجال الدين والاثرياء، ومن العلاقة بين الشرق والغرب كما بين الترك والعرب ومن النساء .
استوقفني في موقفه من رجال الدين والاثرياء قوله : (والظاهر ان سادتنا رؤساء ء الدين والدنيا لا يريدون لرعيتهم المساكين ان يتفقهوا او ان يتفقحوا . بل يحاولون ما امكن ان يغادروهم متسكعين في مهامه الجهل والغباوة ) .
كذلك استوقفني قوله : ( فأنه اكثر الرهبان لا فائدة من اقامتهم في الدير لا لهم ولا لغيرهم ) . وسخريته من نساء الاثرياء : (طناطير النساء تطول بمقدار ثراء ازواجهن) . وتوجهه إلى ثري متسائلا : (اليس وجود مئة كتاب بدارك .. اولى من هذة الطيالس الكشميرية وتلك السمورية وهذة الانية النفيسة والحلي الفاخر ؟ فان الانسان اذا نظر إلى الحلي لا يستفيد منه شياًء لا لبدنه ولا لرأسه) .

وفي نظرته إلى علاقة الشرق بالغرب ، لم يكن الشدياق يعاني عقدة ما ، ولم يعمد إلى التبسيط في وصف المجتمعات وثقافاتها ، بل صورها بكل تعقيداتها وتعدديتها وحسناتها وسيئاتها ، واوجه التناقض والتكامل وصراعاتها الداخلية والخارجية . وينصح بالسفر ليس لـ(مجرد التفاخر ) بل في سبيل ان تختبر ( أحوال غير قومك وعاداتهم وأطوارهم وتدري أخلاقهم ومذاهبم وسياستهم تم تقابل بعد ذلك بين الحسن عندهم وغير الحسن عندنا ) .فأنه في مختلاف المجتمعات (الطيب والخبيث ) و(تكثر فيها الرذائل كما تكثر الفضائل ) .
أهم ما يراه مفيداً في التبادل بين الشرق والغرب يتجلى بوضوح بتوجيهه سؤالاً إلى ثري شرقي : ( فلم تشتري من الإفرنج الخز والمتاع ولا تشتري منهم العلم والحكمة والأداب ؟ .. فلعل تحت قبعته أفكارا ومعاني لم تخطر بما تحت طربوشك ).
ولم يكن الشدياق يعاني عقدة علاقة الشرق بالغرب ، فيقول انه كان يحسب قبل زيارته لإنكلترا (آن الإنكليز احسن الناس حالاً وانعم بالاً .فلما قدمنا بلادهم وعاشرناهم اذا فلاحوهم أشقى خلق الله . انظر إلى اهل هذه القرى التي حولنا وامعن النظر فيهم تجدهم لافرق بينهم وبين الهمج . يذهب الفلاح منهم في الغداة إلى الكد والتعب ثم ياتي بيته مساءً هلا يرى أحد من خلق الله ولا يراه أحد . فيرقد في العشاء ثم يبكر لما كان فيه وهلم جرا . فهو كالالة التي تدور مداراً محتماُ فلا في دورانها حظ وفوز ولا في وقفها راحة . فأذا جاء يوم الاحد وهو يوم الفرح واللهو في جميع الاقطار لم يكن له حظ سوى الذهاب إلى الكنيسة . فيمكث فيها ساعتين كالصنم ، يتثاءب ساعة ويرتد اخرى ثم يعود إلى بيته ) . وفي نظرته للعلاقة بين الترك والعرب ، يقول : ( فأن للترك سطوة على العرب وتجبراً ، حتى ان العربي لايحل ان ينظر إلى وجه تركي كما لا يحل له ان ينظر إلى حرم غيره . واذا اتفق في نوادر الدهر ان تركيا وعربياً تماشيا اخذ العربي بالنسبة المفروضة وهي ان يمشي عن يسار التركي محتشماً خاشعاً ناكساً متحاقراً متصاغراً متضائلا .. فأذا عطس التركي قال له العربي : رحمك الله . واذا تنحنح قال : حرسك الله واذا مخط قال : وقاك الله ) .
ويسخر الشدياق من علاقة الرجل بالمرأة فيقول بلسان حاله :- ( حرجت على زوجتي بأن تطلعني على جميع ما يخطر ببالها ويخلج صدرها من الافكار والهواجس . وبما تحلمه ايضاً في الليل من الاحلام .. وقلت لها ان لم تخبرني باليقين ادريت بك ابانا القسيس فيكفرك ويحظر عليك ثم يستخرج منك كل ما تكتمين ) .
ثم يحذر الرجل ( مهما بالغت في ان تبرقع زوجتك عن رؤية الدنيا فلن تستطيع ان تخفيها عن قلبها ).
ومما يرويه في هذا المجال ساخرا من نفسه ، كما يسخر من غيره انه بات عند فتاة انكليزية وفي اليوم التالي خرج إلى متنزه فأذا بتلك الفتاة ( تماشي رجلاً يغازلها ، فلما رأتني تبسمت وسلمت علي . وكأن سلامها لم يسؤ الرجل ، فأنه نزع لي قبعته فعجبت جداً من عدم غيرته ، اذ لو كانت الفتاة عندي لحجبتها عن النور ) .
ان مثل هذه السخرية والطرافة لا تخفي على احمد فارس الشدياق خبر قسوة الحياة، ولكنها تؤكد لنا انه خرج منها سليماً معافي .

* عبد الرحمن الكواكبي 1854 – 1902 :
اثار الكواكبي السؤال نفسه الذي شغل المصلحين الدينين والتحرريين التحدييثين (الليبرالين) ، في هذه المرحلة النهضوية ، فبحث مثلهم في اسباب الخلل والضعف والركود والتقهقر في حياة الامة ، وقدم حلولا في كيفية تحقيق النهضة المرجوة . ولكنه في معالجته لهذه القضايا تمكن من ان يتميز عن الاخرين وان يصبح رائدا ًمن رواد التقدمية العربية المعاصرة ، فلا ينطبق عليه من مصطلحات عباس محمود العقائد عندما ميز بين الرجعي (الانسان .. الجامد الذي يعيش في الايام الماضية) او العصري (الانسان الذي يعيش عصره) او الطوباوي (الانسان –الحالم الذي يعيش في الايام المقبلة) .
الكواكبي ، ليس هو بالرجعي ، فقد شن هجوما على الفكر التقليدي الذي تتمسك به المؤسسة الدينية على الرغم من دعوته للعودة الى الاسلام الصحيح الاول في كتابه (ام القرى) وليس هو بالعصري ، فقد تجاوزه الى البحث الى المستقبل . وليس هو بالطوبى فقد دقق تدقيقا واقعيا في تناقضات عصره .
في رأيي ، ومن خلال قراءتي لكل من كتابيه المشهورين (سجل مذكرات جمعية ام القرى) و (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) ، انه تمكن من ان يتحرر من انتماءاته العائلية والدينية والطبقية. فتجاوز المفاهيم والمعتقدات السائدة في عصره الى القول بأستبدال النظام السائد بنظام بديل يقوم على مقولات القومية والعلمانية والديمقراطية والاشتراكية .
شخص النظام الذي أراد تقويضه بانه نظام مستبد مطلق جبري مذهبي طبقي تقليدي واسير للأوهام والتعصب والجهل والنفاق والتخلف ، وتصور نظاما بديلا يقوم على العلم والتبصر وتحكيم العقل والتسامح والحرية والعدالة .
ظهر كتابه (ام القرى) اولا في جريدة (المؤيد) عام 1899 ، ثم اعاد محمد رشيد رضا نشره في مجلته (المنار) بعد ان حذف منه عبارات نقد الدولة العثمانية ، وهي طبعة مختلفة عن الطبعة المتداولة الآن ، ومن المعروف عن كتاب (ام القرى) انه يوميات مؤتمر تخيل الكواكبي انه عقد في (مكة) بين مفكرين من الاقطار الاسلامية تحت شعار (لا نعبد إلا الله) ، ويبدو واضحا فيه انه اهتم في الاساس بإقامة الحكم على اساس ديمقراطي ، وحمل مسؤولية داء الخلل الذي اصاب المجتمع الى (الجهال المتعممين الذين يزينون للأمراء معاداة الشورى ، ويحثونهم على الانفراد بالرأي من دون الناس جميعا .. حتى صارت الحكومات تجبي الاموال من الفقراء وتمنحها للاغنياء الذين يوالونها .. وانتشر تحريف الدين حيث غدا يعني الطاعة العمياء والاتكالية ) .
وقد شجب التقليد والتعصب للمذاهب ، وركز على اهمية طلب الحرية ومقاومة الاستبداد ، وعدد اسباب فساد الادارة العثمانية .
عبر بلسان المنتدين عن زوال عزة الدين بعد ان كان عزيزا ، وميز بين اهل التبصر واهل التقليد ، وتوصل إلى ان مسألة تقهقر الاسلام نتيجة ألف عام او اكثر ، ودعا إلى ان يترك جانباً اختلاف المذاهب المتبعة تقليداً . وشبه الحالة النازلة بالمسلمين بالمرض ، وانتقد العقيدة الجبرية التي تقول بأن الانسان مسير ، على عكس القدرية التي تعتبر ان الانسان خالق لافعاله . واوضح ان البلية هي في فقدان الحرية التي عرفها بأن يكون الانسان مختاراً في قوله وفعله ، مشدداً على لا حرية التعليم والخطابة والطباعة والمباحثات العلمية . وقد ربط بين الحرية والعدالة حتى لا يخشى انسان من الظلم والظالمين ، وذهب الى ان السياسة الاسلامية تحولت عن اشتراكيتها الاولى فتفرقت الامة الى طوائف متباينة متعادية و (خرج الدين من حضانة اهله وتفرقت كلمة الامة) . واقترب كثيرا من القول بالعلمنة حين اتفق على (ان داءنا الدفين دخول ديننا تحت ولاية العلماء الرسميين ، وبعبارة اخرى تحت ولاية الجهلة المتعممين .. وهم المقربون من الامراء على انهم علماء وارتبط القضاء والامضاء بهم) .
فيما يتعلق بموقفه من القومية ، تخلى الكوالبي عن فكرة الخلافة أو أية فكرة اخرى تدعو لاقامة نظام سياسي ديني ، واقتنع بالفكرة القومية العربية .
لقد نادى الكواكبي في كتابه (ام القرى) بعودة الخلافة الى مصدرها في الجزيرة العربية والى القيادة العربية ، ولكن ذلك لا يجوز ان يستدل منه ان الخطاب الكواكبي لم يكن قوميا بل دينيا كما استدل بذلك عزيز العظمة في كتابه (العلمانية من منظور مختلف) . لقد اغضبه كره الاتراك للعرب وبحث في لغتهم مستخرجا الادلة على هذا الكره وتوصل الى عدم امكانية التعايش معهم مما يقتضي قيام كيان عربي ودولة عربية موحدة .
لقد شدد الكواكبي في كتابه (طبائع الاستبداد) على عنصري اللغة والوطن او الارض في تكوين الامة ، ورأى ان (رابطة الوطن فوق كل رابطة) . وقد توجه الى العرب من المسلمين ومن غير المسلمين فنادى : (ياقوم : وأعني منكم المسلمين .. ان جرثومة داءنا هي خروج ديننا عن كونه دين الفطرة والحكمة .. انا جعلناه دين الخيال والخبال ، دين الخلل والتشويش .. يا قوم : قد ضيع دينكم ودنياكم ساستكم الاولون وعلمائكم المنافقون .. يا قوم : وأعني بكم الناطقين بالضاد من غير المسلمين ، ادعوكم الى تناسي الاساءات والاحقاد .. فهذه امم اوستريا وامريكا قد هداها العلم لطرائق شتى واصول راسخة للأتحاد الوطني دون الديني والوفاق الجنسي دون المذهبي ، دعونا ندير حياتنا الدنيا ونجعل الاديان تحكم في الاخرى فقط . دعونا نجتمع على كلمة سواء إلا وهي : فلتحيى الامة فليحيى الوطن فلنحيى طلقاء اعزاء) .
وبذلك توصل الكواكبي الى العلمنة إذ انه ذهب ابعد من مجرد القول بتوحد الطوائف في امة واحدة الى مقولة فصل الدين عن الدولة أو السلطتين الدينية والسياسية فإن (ادارة الدين وادارة الملك لم تتحدا في الاسلام تماما إلا في عهود الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز فقط ولا يوجد في الاسلام نفوذ للدين مطلقا في غير مسائل إقامة الدين) .
ونبه الكواكبي الى المضار التي تلحق بالدين نتيجة لإصرار البعض على خلطه بالنظام السياسي واعتبر ان الكثير من هؤلاء (لا يتراؤون بالدين إلا بقصد تمكين سلطتهم على البسطاء من الامة) . ويتخذونه (وسيلة لتفريق الكلمة وتقسيم الامة شيعا) . ويستمدون افكارهم من (الزوائد الباطلة مما يطرأ عادة على كل دين بتقادم عهده) وبتأثير من (غوغاء العلماء الغفل الاغبياء) . الذين حشوا (رؤوسهم محفوظات كثيرة كأنها مكتبات مقفلة) .
وحذر الكواكبي ليس فقط من المتاجرين بالدين بل ايضا من استخدامه في بث روح الاستكانة والخنوع فيقول (ان المتدين المعذب قد يسلي نفسه بالسعادة الاخروية ، فيعدها بجنان ذات افنان ونعيم مقيم اعده له الرحمن .. ولبسطاء الاسلام مسليات اضنها خاصة بهم يعطفون مصائبهم عليها وهي نحو قولهم : الدنيا سجن المؤمن إذ احب الله عبدا ابتلاه.. وكل هذه المسليات المثبطات تهون عند ذلك السم القاتل الذي يحول الاذهان عن التماس معرفة سبب الشقاء فيرفع المسؤولية عن المستبدين ويلقيها على عاتق القضاء والقدر) .
بل ان الكواكبي يرى بوضوح ان الاصلاح لا يتم عن طريق الدين في ظل الاستبداد والتخلف، فيحذر بقوله : (والامر الغريب ان كل الامم المنحطة من جميع الاديان تحصر بلية انحطاطها السياسي في تهونها بامور دينها ، ولا ترجو تحسين حالتها الاجتماعية إلا بالتمسك بعروة الدين .. ويريدون بالدين العبادة ، ولنعم الاعتقاد لو كان يفيد شيئاً، لكنه لا يفيد ابدا ، لانه قول لا يمكن ان يكون وراءه فعل ، وذلك ان الدين بذر جيد .. فإذا صادف مغرسا طيبا نبت ونما ، وإذا صادف ارضا قاحلة مات وفات .. وما هي ارض الدين ؟ ارض الدين هي تلك الامة التي اعمى الاستبداد بصرها وبصيرتها وافسد اخلاقها ودينها ، حتى صارت لا تعرف للدين معنى غير العبادة والنسك .. وقد علمنا هذا الدهر الطويل مع الاسف ، ان اكثر الناس لا يحفلون بالدين إلا إذا وافق اغراضهم بناء عليه ، ما اجدر الامم المنحطة ان تلتمس دواءها عن طريق احياء العلم واحياء الهمة) .
كان هاجس الكواكبي الاساسي التحرر من الاستبداد ، فشغلت هذه الموضوعة ذهنه واستولت على اهتمامه اكثر من اية موضوعة اخرى . لقد عرف الاستبداد على انه (التصرف في الشؤون المشتركة بمقتضى الهوى بدلا من ادارتها بمقتضى الحكمة) او انه (غرور المرء برأيه والآنفة عن قبول النصيحة) وانه (الاستقلال في الرأي وفي الحقوق المشتركة) أو انه (تصرف فرد أو جمع في حقوق قوم بالمشيئة وبلا خوف تبعة) .
ورأى الكواكبي ، ان (المستبد يتكحم في شؤون الناس بأرادته لا بأرادتهم ، او يحكمهم بهواه لا بشريعتهم) . واعتبر الكواكبي ان الاستبداد يفسد الدين ، وهذا ما شهده المسلمون (منذ قرون الى الآن من استعانة مستبديهم بالدين .. وهؤلاء المهيمنون على الاديان كم يرهبون الناس من غضب الله.. وان السياسيين يبنون كذلك استبدادهم على اساس من هذا القبيل ، فهم يسترهبون الناس بالتعالي .. ويذلونهم بالقهر والقوة) فيجد العوام (معبودهم وجبارهم مشتركين في كثير من الحالات والاسماء والصفات .. وبناء عليه يعظمون الجبابرة تعظيمهم الله) وبذلك تصبح بين الاستبدادين السياسي والديني (مقارنة لا تنفك) ويكون (قصر المستبد) هو(هيكل الخوف منه) كما يكون (الملك الجبار هو المعبود) .

Advertisement

وعندما يقترن الاستبدادان الديني والسياسي يفسد العلم وتفسد التربية ، فيستخلص الكواكبي ان (الاستبداد والعلم ضدان متغالبان ، فكل ادارة مستبدة تسعى جهدها في اطفاء نور العلم والغالب ان رجال الاستبداد يطاردون رجال العلم وينكلون بهم ، فالسعيد مهنم من يتمكن من مهاجرة دياره .. واكثر العلماء والاعلام والادباء النبلاء تقلبوا في البلاد وماتوا غرباء .. اما المستبدون الشرقيون فأفئدتهم ترتجف من صولة العلم) .
ومن خلال بحثه في (طبائع الاستبداد) توصل الكواكبي الى القول بـ(الفلسفة الاشتراكية) مشيرا الى (الاستبداد الاجتماعي المحمي بقلاع الاستبداد السياسي) الذي (يرسخ ..في الامم التي يكثر اغنياؤها) ويخاف الفقراء ظالميهم (خوف دناءة ونذالة .. وان الانسان لايكون حراً تماما مالم تكن له صنعة مستقلة فيها ، أي غير مرؤوس لاحد ) فيكون التحرر من الاستبداد بتثبيت ( العدالة والمساواة بوضع حد لاحتكار القلة لثروات البلاد ، فأن اهل السياسة والاديان ومن يلتحق بهم ،وعددهم لايبلغ الخمسة في المائة ، يتمتعون بنصف ما يتجمد من دم البشر او زيادة .. مثال ذلك ، انهم يزينون الشوارع بملايين المصابيح لمرورهم فيها احيانا متراوحين بين الملاهي والمواخير ولا يفكرون في ملايين من الفقراء يعيشون في بيوتهم في الظلام .. ثم اهل الصنائع النفسية والكمالية والتجار الشرهون والمحتكرون وامثال هذه الطبقة ، ويقدرون كذلك بخمسة في المائة ، يعيش احدهم بمثل ما يعيش به العشرات او المئات او الالوف من الصناع والزراع . وجرثومة هذه القسمة المتفاوته المتباعدة الظالمة هي الاستبداد .. لايطلب الفقير معاونة الغني .. ولا يلتمس منه الرحمة ، انما يلتمس العدالة .. ان المال هو قيمة الاعمال ولا يجتمع في يد الاغنياء الا بانواع من الغلية والخداع . والعدالة تقتضي ان يؤخذ قسم من مال الاغنياء ويرد إلى الفقراء بحيث يحصل التعديل ولا يموت النشاط للعمل. وهذه القاعدة تسعى ورائها جمعيات .. منتظمة .. تقصد حصول المتساوي او التقارب في الحقوق والحالة المعاشة بين الناس ، وتسعى ضد الاستبداد المالي ، فتطلب ان تكون الاراضي والاملاك والان المعامل .. مشتركة الشيوع بين عامة الامة ، وان الاعمال والثمرات تكون موزعة بوجوه متقاربة بين البشر) وذلك بحسب اصول تمنع (تراكم الثروات المفرطة المولدة للاستبداد) .
من منطلقات القومية العلمانية والديمقراطية الاشتراكية ، حرض الكواكبي ضد استبدادية كل من السلطة الدينية والسلطة السياسية منبهاً إلى ان الظالم لو (راى على جوانب المظلوم سيفاً لما اقدم على الظلم) وإلى ان على (الرعية ان تعرف مقامها :- هل خلقت خادمة لحاكمها .. ام هي جاءت به ليخدمها لا ليستخدمها ) .

* شبلي الشميل 1850- 1917 :
ربما كان الشميل اول من عني بين المفكرين العرب بالاشتراكية كعقيدة ونظام شامل ، واعتمد منهجاً علميا ًمادياً في تحليله للشؤون الاجتماعية والتاريخ العربي . وقرن الشميل بين الاشتراكية والتقدم الاجتماعي معتمداً منهج الفكر العلمي كبديل للفكر الغيبي المثالي . واذا كان الدواء لدى جمال الدين الافغاني ومحمد عبدة ومحمد رشيد رضا، العودة إلى الدين ، فأن الدواء لدى الشميل هو في العلم ، والعلم عنده ليس (علم الكلام)كما في الماضي بل هو (علم تجربة وعمل)وفي طليعته العلوم الطبيعية والعمرانية والفلسفة المادية .
بدأ الشميل من حالة السبات المتقادمة التي ارهقت الامة حتى باتت (في رتبة .. لا هي بالميتة فتدفن جثة هامدة ، ولا هي بالحية فتبعث بشراً سوياً) .
وفي نظره (ان اصلاح المجتمع لا يكون بالدين بل بالعلم الذي يحرر الانسان من الجهل والتعصب ). وبذلك يكون الشميل قد تخلى ليس عن الطائفية فحسب بل عن الدين بحد ذاته وعن الرؤية الغيبية المهيمنة على العقول والنفوس وحتى انسداد الافق .
وفي ثورته على الدين الممارس في الحياة اليومية لم ينطلق من موقع نظري علمي مجرد ومن زاوية (الفلسفة المادية ومذهب النشوء) بحد ذاتها ، بل من منطلق انشغاله الانساني بتأثيرات الدين السلبية على الفكر والمجتمع والسلوك المعيش ولكونه عنصر تفرقة ووليد خيالات ومشاعر واهية بدائية وليس وليد العقل والتقدم ).
في رأي الشميل ن ، ان المجتمعات تنهض وتتقدم بقدر ما ينتشر العلم ، وقصد به بالدرجة الأولى العلوم الطبيعية ، وبالدرجة الثانية العلوم البشرية وأخضع هذه لتلك . وتوقف عند العلم الطبيعي من حيث انه هدم الاعتقاد بأن (مواليد الطبيعة منفصلة عن بعضها البعض) ، وان (كل نوع من الانواع الحية خلق خاص وثابت لا يتغير) ، (فلما ترعرع العلم الطبيعي وأكتمل ، سقطت كل هذه الحواجز بين الكائنات في الطبيعة واتضح حينئذ انها جميعها من حي وجماد وانسان وحيوان من اصل واحد مشترك في موادها وقواها ، وانها جميعها متحولات بعضها إلى بعض ومنحلات بعضها إلى بعض) .
ان نظرته حول الدين تبدو غريبة لكونها مخالفة لاراء الغالبية العظمى من الناس. ومن ارائه هذه ان الانسان في القديم (عبد كل من رأى له سلطانا عليه) بما فيه الملوك ، ثم تحولت العبادات إلى اديان (بعد أن ارتقى الانسان واصبحت الشرائع المدنية بأيدي الاقوياء ألة يتصرفون فيها لمصلحتهم . فصار من اللازم لمصلحة الاجتماع وضع نظام يكبح جماح الجبابرة الصالحين ويخفف من الضعفاء المظلومين .. على انها عادت في ايدي الرؤساء كما كانت الشرائع المدنية بأيدي الملوك انفسهم . ولكنها مع ذلك هونت على الانسان تحمل الظلم في دنياه) .
وفي دفاعه عن ارائه هذه يوضح انه لم يتعمد نفي الاديان لغرض في نفسه ، بل بسبب عرقلتها العمراني فـ(نفعت كثيراً وأضرت كذلك ككل نظام يكون نفعه اكثر من ضرره في اوله ، ثم ينقلب في ايدي اتباعه إلى الضد او لأنه لا يعود يصلح ، شأن كل موضوع لابد من تعديله على الدوام ليوافق روح كل زمان ومكان) ، واستدرك بأنه يعتبر واضعي الاديان بين اكبر رجال الاصلاح في التاريخ ، ولكن (مصلح اليوم لايلبث ان يصير رزءاً ثقيلاً على مصلح الغد ..لوجوب التعديل على الدوام في كل اصلاح مهما كان .. واذا كنت قد قمت على الاديان من الجهة العلمية فلانها لامسوغ لها في العلم ، ومن الجهة الاجتماعية فلانها اضرت بجمودها وجمود اتباعها بها) .
وكان الشميل شديد الاحترام لمن يخالفه الرأي ، ودعا للتسامح في الاديان وفي المذهب وبين الاجناس والاوطان ، لان التسامح اساس العمران ، وفي سبيل الاصلاح الحقيقي . وقد كتب إلى صديقه محمد رشيد رضا (انت تنظر إلى محمد كنبي فتجعله عظيماً ، وانا انظر اليه كرجل واجعله اعظم . ونحن وان كنا في الاعتقاد .. على طرفي نقيض فالجامع بيننا العقل الواسع والاخلاص في القول وذلك أوثق بيننا لعرى المودة) .
وفي كتاب (كتابات سياسية واصلاحية )اطلق الشميل لقلمه الحرية منبهاً إلى ان سبب التأخير هو فقدان العلم والعدل والحرية ، وبغيابها تنشأ الانشقاقات بين الاجناس والطوائف والقبائل ، ويقل الامل بأتحاد كلمتها وكل ذلك من اسباب (انحطاط الدولة العثمانية) فأصبحت الامة في العقد الاول من القرن العشرين والملوك كالالهة على عروش مجدهم ، والناس كالسائحة في حقول جهلهم) .
وقد بحث في شخصية عبد الحميد (بسيكولوجيا وفزيولوجيا) ، فقال عنه انه ممثل للذكاء (الشرقي الفطري) والسياسة (الشرقية المكتسبة من تربية الشرق الاجتماعية) ، التي قصد من وراءها (مصلحة نفسه الخاصة) وتجلت من خلالها (قلة ثقته بغير نفسه وحذره من كل سواه واعتقاده الراسخ فيه ان مصلحته لا تتفق مع مصلحة غيره) ، فشبهه بـ(الملوك النازلين من فخذ جوبيتر) وتحدث عن (وسواسه الاضطهادي) بحيث انه (لم يطمئن له بال حتى جعل كل شيء في يده) .
وضم هذا الكتاب رسالة وجهها الشميل عام 1909 الى جمعية الاتحاد السوري في نيويورك نظر فيها الى نفسه (كباحث طبيعي في الاخلاق والطبائع) ، فنادى بتقوية روابط (الجامعة القومية) التي (يجب ان تنتهي بالجامعة الانسانية) ، وندد بالتراضي في العلاقات بين الطوائف والملل والمذاهب والنحل المختلفة التي تألف منها المجتمع السوري في زمانه حتى ان الجهل (حضر .. بينها خنادق لا اتصال فيها إلا على جثث القتلى) ، وساءه ان (السوري كفرد اعظم جدا منه كمجموع) حتى (عافت النفوس الاقامة في ارض تنبت شوك الظلم تحت سماء تمطر نار الغرم) .
كذلك اشتمل هذا الكتاب على مقالة بعنوان (سورية ومستقبلها) نشرها عام 1915، قال فيها مرة اخرى : (سوريا لا ينقصها شيء من المواهب الطبيعية لتكون في عداد الدول الممتازة في العمران .. ولكن .. السوري بات لا يقوى على مناهضة من يريد به شرا ، واريد به كامة ، لان تفرق المذاهب افقده العصبية الجامعة الكبرى التي لا تنهض امة بسواها ، ولان الجهل الذي خيم عليه كل هذه القرون ولا سيما تحت الحكم العثماني ، افقده كل مزايا العلم الذي لا يستتب الاستقلال إلا به . فتفرق المذاهب جعل فيه بدلا من العصبية الواحدة عصبيات ، كل واحد تقاوم الاخرى وتضعف كلمة المجموع .. والسوري سريع التحصيل للعلوم كافة .. ولكن ذلك فيه لا يتعدى الظواهر على الاكثر ويقتصر على الفرد وحده ولا يمتد منه الى المجموع لان السوري فرد كما تقدم وليس بمجموع . ولهذا فهو يخضع غالبا للظلم ولا يقوى على مناهضة هاضمي حقوقه) .
والشميل ادان التعصب الطائفي ونبه الى ضرورة النظر الى التعصب القومي انطلاقا من التشديد على الوحدة الاجتماعية بصرف النظر عن مختلف الفروق العنصرية والمحلية والطائفية والمذهبية ، ودعا لتأمين المساوات والتحرر من المؤسسات الرجعية ، ولفصل الدين عن الدولة ، وللتغلب على مختلف انواع الاستغلال والاستبداد . وقد ضمن مفهومه للأشتراكية تنظيم العمل من قبل الدولة لضمان العدالة الاجتماعية في توزيع الارباح . اما الغرض النهائي من الاشتراكية فهو في رأيه تحقيق السعادة على الارض واستعادة الفردوس المفقود ، ويكون ذلك عن طريق (وضع نظام يكبح جماح الجبابرة الظالمين ويخفف عن الضعفاء المظلومين) .
ودعا الشميل الى (احترام الحق بمكافأة العمل لئلا يصيب افراد المجتمع حيف يتصل ضرره بالاجماع كله) وتحديده للأشتراكية على انها (اصلاح حال الاجتماع باصلاح حال كل واحد فيه) . فـ(الاشتراكية الصحيحة هي المبنية على مبدأ العلوم الطبيعية) بحيث (يصير الناس في الاجتماع عاملين نافعين منتفعين كل واحد على قدر استحاقه ، حتى لا يبقى في الاجتماع اناس عاطلون وأخرون مغبونون يشوشون فيه ويفسدون) و (الاجتماع لا يتم .. الا إذا كان تكافؤ تام بين العمل والجزاء ، على عكس نظام الاجتماع القديم الذي اساسه سلطة الفرد ومبدأه الاعمال لمصلحة هذا الفرد ، فالناس في هذا النظام ارقاء يشقون ويكبدون ويقتلون .. ولا ينال الواحد منهم القوت الضروري إلا بشق النفس).
ومن ارائه في هذا المجال ايضا ما يتعرض لعلاقات القوة والاستغلال فيتحدث عن (بطش القوي بالضعيف) ، وعن ان (الجمهور حتى اليوم لا يستفيد كل الفائدة من تعبه ولا يستفيد الفائدة الكبرى منه حتى الساعة إلا افراد قليلون) ، و (النظام القديم نظام اثره يغرق بين الناس ويقتل الهمم ويطفئ المواهب) ، و (شدة التباين بين الناس .. تفقدهم الصلة فيما بينهم في كل امورهم المعاشية فتسوء حال الافراد ويتزعزع كيان الاجتماع . قصور فخمة بجانب اكواخ حقيرة . واحياء نظيفة بجانب احياء قذرة .. واصحاء تكتنفهم كل اسباب الراحة بجانب مرضى ينقصهم حتى القوت الضروري .. فنظام الاجتماع القديم وكما هو حتى اليوم تبذير في قوى الاجتماع) .
غير ان الشميل رغم تقدميته ، كان قد اتهم بالقسوة على النساء كما ورد في مجلة (فتاة الشرق) . لصاحبتها (لبيبة هاشم) فثارت ثائرته وكتب يوضح اراءه ومنها قوله (ان تعرف تاريخ شعب فأقرأ تاريخ فتاته) و (فتاة الشرق مظلومة وظالمها الرجل ، وما يظلمون إلا انفسهم) و (ان رفع الحجاب المعنوي عن العقل لابد ان يؤدي الى رفع الحجاب الحسي عن الجسم .. فتحرير العقل الى الغاية القصوى لا يتم بدون تحرير الجسم الى الغاية القصوى) و (المرأة منذ القدم مظلومة مهضومة الجانب من الرجل لانه اقوى منها ، وهي مظلومة في كل الشرائع دون استثناء لأن واضعيها رجال) و (قتل الجهل مواهبها العقلية والرجل يحسب انه بذلك صانها وصان نفسه بها ، وما صان فيها الا جهله، إذ المرأة مرآة الرجل جاهلة فجاهل ، وعالمة فعالم) .

* فرح انطون 1874-1922 :
توزع انطون في فكره بين الاشتراكية والعلمانية والعقلانية والقومية ومقاومة الاستعمار الغربي، وقرن بين النظرية والعمل التحريضي بجرأة متميزة في تاريخ الفكر العربي .
لجأ الى مصر بصحبة ابن بلدته طرابلس محمد رشيد عام 1897 لأن صناعة القلم في سوريا كانت في ظل الحكم العثماني المستبد (مقيدة بقيود وكأنها سلاسل حديد) ولكنه لقي في مصر اضطهادا قاسيا بسبب تنديده بالاستعمار الانكليزي ، فقد كان ينادي بالجامعة العثمانية ، قوية ومتطورة لتقف سدا منيعا ضد اطماع الغرب .
عمل في الصحافة وعاود نشر مجلته (الجامعة) التي كان قد اسسها في بيروت عام 1896 ، وهاجر من ثم الى نيويورك ، وهناك تابع نشر (الجامعة) بين عامي 1906 و 1908 ، ولكنه مالبث ان عاد الى مصر ، ساحة المعركة التي وجد نفسه غريبا خارجها.
في مصر عمل في عدة صحف ، فتابع الكتابة في جريدة (الاهالي) بتوقيع (فران) مختصر فرح انطون ، فأوقفت السلطة الجريدة ، فأنتقل مع زملائه الى جريدة (المنبر) فأقفلتها السلطة أيضا ، فأنتقلوا الى جريدة (المحروسة) التي لقيت المصير ذاته ، وكانت كل صحيفة يعمل فيها تغلق بسبب كتاباته الهجومية وانتقاداته العنيفة للأستعمار البريطاني، فتفكه اصحابه بأنه متخصص في اغلاق الصحف .
لم يدعو انطون بتقليد الغرب كما فعل عدد من التحرريين التحديثيين (الليبراليين) ، فقد نادى بالانتقال من طور (الاتباع) الى طور (الابتداع) في المعارف الشرقية ، فقال في مطلع القرن العشرين: (وإذا ساعدت الاحوال المعارف الشرقية ، فإنها ستنتقل ان شاء الله من طور (الاتباع) الى طور (الابتداع) ، وحينئذ ينبع في الشرق المبتكرون والمخترعون . ولا نعود نرى المعارف الشرقية عبارة عن نسخة من المعارف الاوربية وصدى لمجلاتها وجرائدها العلمية والسياسية .. وربما وصل الشرق الى هذا الزمن بعد قرن ونصف قرن إذا ساعدته الاحوال) .
وفي مقالة له ، يميز انطون بين (مذهب الذين يعتمدون على قواعد السلف واصولهم في الكتابة والتأليف ، فلا يخرجون عنها قيد اصبع) . ومذهب الذين (يحكمون عقولهم وافهامهم في جميع شؤونهم ويكرهون التقليد إذا لم يكن في محله ، ويرومون ان يكتبوا كما يشعرون) . فأنتسب انطون الى المذهب الثاني وأكد على ضرورة الاهتمام (بالمعاني قبل اهتمامه بالالفاظ) والنفور من (الاسجاع والالفاظ المترادفة والتعابير الخطابية التي تسرد منها سطرين او ثلاثة ولا يكون تحتها إلا فكر واحد). واطلاق (اللغة العربية من اسر الاهتمام بالالفاظ والسجع والمترادفات) .
ينتقد انطون مقولة الوحدة الاسلامية ، فالوحدة الحقيقية تتم بالولاء القومي والفصل بين السلطة المدنية والسلطة الدينية (فلا مدينة حقيقية ولا تساهل ولا عدل ولا مساواة ولا امن ولا ألفة ولا حرية ولا علم ولا فلسفة ولا تقدم في الداخل إلا بفصل السلطة المدنية عن الدينية) .
من هذا المنطلق أهتم انطون بأهمية الوحدة القومية مقارنا بين (التعصب الجنسي) المحمود في بعض وجوهه و (التعصب الديني) المذموم في مختلف وجوهه . وفي حديثه عن الشعور الوطني يميز ايضا بين الشعور الوطني الشوفيني المنافي للتقدم العلمي الصحيح ، ويتجلى في (احتقار باقي الاوطان) والشعور الوطني الطبيعي المؤلف للعلم والذي ينتج من النظر العقلي الموضوعي ويهدف الى (انماء مواهب المواطن وقواه دون اعتداء على احد او كراهة لأحد) .
وقد لجأ انطون الى الرواية في سبيل عرض افكاره الاجتماعية والسياسية ، فكتب ثلاث روايات : الدين والعلم والمال عام 1903 ، والوحش الوحش الوحش أو سياحة في ارز لبنان عام 1903 ، اورشليم الجديدة أو فتح العرب بيت المقدس عام 1904 .
كان لفرح انطون موقف واضح من الدين ودوره في المجتمع ، فقد اعلن كما ورد في روايته (اورشليم الجديدة) ان حياة رجال الدين ليست منعزلة عن الانقسامات الاجتماعية ، ورؤساؤهم يتمتعون بحياة مترفة ، و (لايمكن الاصلاح بواسطة الدين ، بل وحده العلم قادر على اصلاح الهيئة الاجتماعية) . لذلك طالب انطون بالتساهل الديني واعتماد العقل والعلم وفصل الدين عن الدولة بحيث تتم المساواة في المجتمع بين مختلف الاديان والطوائف والملل والجماعات من الانتماءات كافة .
كانت تلك هي ابراز واهم التيارات الفكرية المتصارعة في بداية عصر النهضة العربية (التيار الديني التقليدي والاصلاحي ، التحرري التحديثي (الليبرالي) ، النقدي الثوري التقدمي) . وربما نستطيع ان نستنتج ان التيار الديني الاصلاحي كان هو التيار الاوسع انتشارا ورسوخا غير ان بنيانه مالبث ان ضعف بانهيار الخلافة العثمانية في نهاية الحرب العالمية الاولى ، مما مهد الطريق لبروز التيارات والمعتقدات القومية في مختلف ارجاء الاقطار العربية وخاصة مصر والمشرق عامة .
كذلك نستنتج ان التيارات الفكرية تلك اتفقت في هذه المرحلة النهضوية على ان المجتمع العربي مريض ، وان لم يتفقوا حول نوعية العلاج والدواء .
وإنني أسأل : إذا كان المجتمع مريضا ، هل يكون الافضل معالجته على يد الشيخ محمد رشيد رضا أم على يد الطبيب شبلي الشميل ؟
هذا السؤال ربما تجيب عليه التيارات الفكرية المتصارعة في المرحلة اللاحقة بين الحرب العالمية الاولى والعالمية الثانية .


الهوامش
ــــــــــــــــــــــــــــــ

انظر : طرابلسي ، فواز وعزيز العظمة – أحمد فارس الشدياق ، سلسلة الأعمال المجهولة ، ط1 ، بيروت ، رياض الريس للكتب والنشر ، 1995
الشدياق ، أحمد فارس ، الساق على الساق في ما هو الفارياق أو إيام وشهور وأعرام في عجم العرب والأعجام ، قدم له الشيخ نسيب وهبة الخازن ، دط ، بيروت ، منشورات دار الحياة ، دت، ص31
المصدر نفسه ، ص32 – 33
المصدر نفسه ، ص 84
المصدر نفسه ، ص 149
المصدر نفسه ص 91
المصدر نفسه ، ص 523
المصدر نفسه ، ص 521 – 522 .
المصدر نفسه ، ص 524 – 525 .
المصدر نفسه ، ص 591 .
المصدر نفسه ، ص 216 .
المصدر نفسه ، ص 100 .
المصدر نفسه ، ص 524 .
المصدر نفسه ، ص 526 .
العقاد ، عباس محمود – الرحالة ( كاف ) عبد الرحمن الكواكبي ، د ط ، القاهرة ، مطبوعات المجلس الاعلى لرعاية الفنون والاداب والعلوم الاجتماعية ، 1959 ، ص 46
الكواكبي ، عبد الرحمن – الاعمال الكاملة للكواكبي ، سلسة التراث القومي ، اعداد وتحقيق محمد جمال الطحان ط1 ، بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 1995 ، ص 78 – 79
المصدر نفسه ، ص289
المصدر نفسه ، ص299
العظمة – مصدر سبق ذكره ، ص130
الكواكبي ، عبد الرحمن – الاعمال الكاملة لعبد الرحمن الكواكبي ، تحقيق ودراسة محمد عمارة ، دط ، بيروت ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 1975 ، ص48
المصدر نفسه ، ص206-208
المصدر نفسه ، ص148
المصدر نفسه ، ص80
المصدر نفسه ، ص148
المصدر نفسه ، ص75
المصدرنفسه ، ص154
المصدر نفسه ، ص12
المصدر نفسه ، ص187-188
المصدر نفسه ، ص134-136
المصدر نفسه ، ص138
المصدر نفسه ، ص141،143،156
المصدر نفسه ، ص156،157
المصدر نفسه ، ص 169 – 177
المصدر نفسه ، ص 138 – 139
الشميل ، شبلي – فلسفة النشوء والارتقاء (ط2 القاهرة ، المقتطف ، 1910 ) كما وردت في نصار. مصدر سبق ذكره ، ص 15
بركات – المجتمع العربي في القرن العشرين ، ص 846
الشميل ، شبلي – اراء الدكتور شبلي الشميل ، كما وردت في بركات – المجتمع العربي في القرن العشرين ص 846 – 847
المصدر نفسه ، ص 847
الشميل ، شبلي – حوادث وخواطر ، جمع واعداد وتحقيق اسعد رزوق ، دط ، بيروت ، دار الحمراء ، 1991 ، ص 212
الشميل ، شبلي – كتابات سياسية واصلاحية ، جمع واعداد وتحقيق اسعد رزوق ، دط ، بيروت ، دار الحمراء ، 1991 ، ص77
المصدر نفسه ، ص86-87
المصدر نفسه ، ص103-105
المصدر نفسه ، ص204-205
انظر ما الفه الشميل خاصة : اراء الدكتور شبلي الشميل ، فلسفة النشوء والارتقاء ، فلسفة المادية ومذهب النشوء ، حول الاشتراكية الحقيقية – المقتطف ، كانون الثاني ، 1913 ضمن كتابات سياسية واصلاحية
الشميل – حوادث وخواطر ، ص105-112 على التوالي
انظر مجلة فتاة الشرق ، ج2/1909 ، ج4/1910
الشميل – حوادث وخواطر ، ص87-88 و 95-97
انطون ، فرح – المؤلفات الروائية ، ساسلة التراث العربي المعاصر ، قدم لها ادونيس العكرة ، دط، بيروت ، دار الطليعة 1979 ، ص8-9
انطون ، فرح –الكاتب الشرقي وحاجاته ، الجامعة ، السنة 4 ، ح4/1902
المصدر نفسه
حوراني – مصدر سبق ذكره ، ص308
المصدر نفسه ، ص341
انظر : انطون ، فرح – المؤلفات الروائية ، ص60-62
المصدر نفسه ، ص17-18
التوقيع
ليس بإنسان ولا عالم من لايعي التاريخ في صدره
ومن درى أخبار من قبله أضاف أعمارا إلى عمره

صديق القمر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
التيارات, الثورية, التقدمية, الفكرية, النقدية, صراع

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
صراع التيارات الفكرية التحررية التحديثية (الليبرالية) صديق القمر تاريخ 0 23-08-2015 06:48 PM
صراع القوى العظمى حول القرن الافريقي صديق القمر علوم سياسية 0 21-09-2011 12:49 PM
مسار السياسة النقدية في ظل تحول الاقتصاد الجزائري أسماء علوم اقتصادية و التسيير و علوم تجارية 4 07-05-2011 09:11 PM
المؤسسات المالية و النقدية الدولية - السنة الأولى صديق القمر قانون العلاقات الدولية الاقتصادية 0 22-09-2010 10:22 PM

sitemap

الموقع يخضع لسياسة ادسنس لقراءة الشروط بالعربية انقر هنا أو بالانجليزية Google Adsense Privacy Policy   

 abuse@alg17.com


الساعة الآن 05:09 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.11 Alpha 3
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
adv helm by : llssll
المواضيع المنشورة في المنتدى تعبر عن رأي اصحابها وجميع المواضيع التي تخالف سياسة الموقع يتم حذفها

Search Engine Friendly URLs by vBSEO

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138