صراع التيارات الفكرية التحررية التحديثية (الليبرالية)
قديم 23-08-2015, 06:48 PM   #1
alg17
 
الصورة الرمزية صديق القمر
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
المشاركات: 1,938
افتراضي صراع التيارات الفكرية التحررية التحديثية (الليبرالية)

صراع التيارات الفكرية التحررية التحديثية (الليبرالية)
* مدخل :
نشأ في هذه المرحلة النهضوية قبل الحرب العالمية الاولى ، وفي وسط هذه المجابهات الفكرية تيار تحرري تحديثي اطلق عليه أو عرف بـ التيار الليبرالي ، شدد على الافكار القومية كبديل للخلافة، والعلمانية كبديل للدمج بين الدين والدولة ، والعقلانية النسبية كبديل للأيمان المطلق واليقينيات، والتحرر الاجتماعي والثقافي كبديل للأمتثال التقليدي .
وكان بين ابرز رواد هذا التيار في مرحلته النهضوية : ناصيف اليازجي ، ابراهيم اليازجي ، بطرس البستاني ، يعقوب صروف ، قاسم امين ، احمد لطفي السيد ، نجيب عازوري ، سليم البستاني، جرجي زيدان ، رفيق العظم ، شكيب ارسلان ، ولي الدين يكن ، جميل صدقي الزهاوي ، معروف الرصافي ، احمد فارس الشدياق ، رفاعة رافع الطهطاوي ، خير الدين التونسي ، والاثنان الاخيران سبق الحديث عنهما ، وقلنا ان فكرهم تراوح بين الفكر الديني والفكر التحرري التحديثي .
ومعظم هؤلاء قالوا بالقومية كبديل للخلافة وعملوا في سبيلها ، ان كان باحياء اللغة العربية وادبها ، او بالعمل السياسي في سبيل اقامة الوحدة على اساس اللغة والاقليم والانتماء الآثيني، لا الدين أو الطائفة ، او بالدعوة للعلم والعقلانية .

* ناصيف اليازجي 1800-1871 :
ابراهيم اليازجي 1847-1906 :
بطرس البستاني 1819-1893 :
عمل ناصيف اليازجي بأتجاه اليقظة القومية باسهاماته في احياء اللغة العربية وادابها ، وبين اهم اعماله (مجمع البحرين) الذي اعاد فيه فن المقامات . وكان ابنه ابراهيم هو الذي اطلق تلك الصرخة القومية الاولى في بداية النهضة العربية :
تنبهوا واستيقضوا ايها العرب فقد طمى الخطب حتى غاصت الركب
وفي اثرهما انطلق بطرس البستاني من فكرة الرابطة الوطنية رافضا الطائفية في مدرسته – المدرسة الوطنية – التي اسسها عام 1863 على مبدأ (الحرية الدينية ومبدأ الجامعة الوطنية) أثر اصطدامه مع الارساليات الانجيلية التبشيرية التي نهجت نهجا تمييزيا دينيا في التربية ، وكان بين اساتذة المدرسة الوطنية ناصيف اليازجي . وقد عملا معا للتأكد من ان ينشأ طلبة المدرسة على مبدأ التسامح الديني والقيم الوطنية وقد ضمت طلبة من مختلف الطوائف في وقت كانت كل طائفة تسعى في مناطقها لتأسيس مدارسها الخاصة بها .
حرر بطرس البستاني – ربما – اول نشرة سياسية اسبوعية ظهرت في سورية بعنوان (نفير سورية) التي اصدرها عام 1860 أثر الفتن الطائفية والتي كان يستهل اعدادها بنداء (يا ابناء الوطن) ويختمها بتوقيع (من محب الوطن) وقد توجه في هذه النشرة الى سائر الطوائف ليس على اساس انتمائهم الطائفي بل على اساس كونهم شركاء في الانتماء الى امة واحدة مما جعل ناصيف نصار يصف (نفير سورية) بأنها (اول وثيقة مهمة للفكر القومي في تاريخ الشرق الادنى الحديث) .
ناشد بطرس البستاني مختلف ابناء الوطن من منطلق القناعة بعدم المزج بين الامور الدينية والامور السياسية والمدنية ، مميزا بين التدين الصحيح والتعصب المذهبي الذي (ينشأ عن قلة الديانة) وطالب مختلف ابناء الوطن نسيان الماضي والتوجه معا الى المستقبل (كأعضاء عائلة واحدة ابوها الوطن وامها الارض وخالقها واحد هو الله وجميع اعضائها من طين واحد وقد تساووا في المصير الى مآل واحد) .
من اجل هذه الغايات الوطنية العلمانية القائمة على محبة الوطن والتعاون والمساواة والحرية في ظل شرائع تكفل الحقوق المدنية للأفراد والجماعات ، عمل البستاني في احياء اللغة العربية وتجديدها ونشر العلم ، فشارك في الجمعية السورية التي تأسست عام 1857 واصدار (نفير سورية) وانشأ المدرسة الوطنية – كما مر ذكره – والف قاموسه العربي (محيط المحيط) في جزأين عام 1870م وموسوعة (دائرة المعارف) التي صدر منها ستة اجزاء .
كان بطرس البستاني كذلك قد انشأ مجلة (الجنان) وحررها بين عام 1870 وعام 1886 مصدرا اياها بشعار (حب الوطن من الايمان) وكان غايتها نشر المعارف العمومية من علمية وادبية وتاريخية . وكان في ما كتب ودرس قد شدد على التعليم باللغة العربية كي (لا تصبح سورية بابل لغات كما هي بابل اديان) ، على عكس ما فعلت المؤسسات التعليمية التي تديرها الارساليات .
ومن مآثر البستاني ( خطاب في تعليم النساء) طالب فيه بأعطاء المرأة حقوقها المشروعة ومساواتها بالرجل . وقد وصف من قبل مجايليه بأنه (اول رسول نسائي سوري) .
وكان البستاني قد قرن بين القومية والعلمانية ، فميز بوضوح بين الاديان التي اعتبرها علاقة بين الانسان والخالق ، والمدنيات التي هي علاقات بين الانسان والانسان وبين المواطن والحكومة في الوطن الواحد ، وعلى اساس هذا التمييز تبنى الهيئة الاجتماعية والدولة الحديثة اللتين يكون بهما التمدن .
انه في الوقت الذي حذر اصحاب هذا الاتجاه التحرري التحديثي (الليبرالي) من الانقسامات التي يثيرها الاوربيون لمصلحتهم الخاصة ، نجد انهم وضعوا آمالا كبرى على التقاليد الاوربية التحديثية (الليبرالية) وتنبوا بعضها في اطلاق حركة التحديث في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية .
وكان من نتائج انتشار هذا الوعي القومي التحديثي ان تأسست جمعيات سرية ومجلات ونشرات وطنية ، مما جعل السلطة العثمانية تنتبه للأمر فانتهجت مزيدا من القمع الذي أدى الى هجرة عدد من هؤلاء المفكرين الى مصر . وكان من بين هؤلاء يعقوب صروف وفارس نمر اللذان انتقلا بمجلتهما العلمية (المقتطف) الى مصر – ظهرت اصلا في بيروت عام 1876 – وجرجي زيدان الذي اصدر عام 1892 مجلة الهلال الشهيرة . وكان زيدان بين زعماء الثورة الطلابية التي حدثت عام 1882 في الكلية الانجيلية – سميت هذه الكلية بعد ذلك الجامعة الامريكية في بيروت – كانت هذه اول ثورة طلابية من اجل حركة الفكر واستعمال اللغة العربية في التعليم ، ودفاعا عن استاذ طرد من كلية الطب بسبب الحديث عن داروين ونظريته في التطور . وطرد من سلك التعليم يعقوب صروف وفارس نمر اللذان كتبا في (المقتطف) مقالة ينتقدان بها الكلية السورية الانجيلية لإهتمامها بنشر الدين أكثر من نشر المعرفة ولا ستعمال اللغة الانكليزية بدلا من العربية في التعليم في خدمة مصالح اجنبية. وقد ربطا بين تعليم العلوم باللغة العربية من جهة والابداع والوعي القومي والحضاري وجمع كلمة الامة المتعالية على الفروق الاجتماعية والطائفية واحياء آمالها من جهة اخرى .

* يعقوب صروف 1852-1927 :
دعا يعقوب صروف لاعتماد العلوم الطبيعية والاجتماعية وارساء اسس التحليل الاجتماعي للمعرفة مشيرا الى مقولات أبن خلدون وهربرت سبنسر واوغست كونت . واعتبر ان هذه العلوم والصناعة هي في اساس التقدم الحضاري الغربي وان غيابها هو في اساس التخلف الشرقي فيكون علينا كعرب ان نقتدي بهم .
وقد اشاد صروف بالتجربة اليابانية ، فاليابان (تستحق ان تكون قدوة لكل الامم الشرقية والغربية ايضا . لأنها تركت تقاليدها القديمة وسارت في خطة اوصلتها في خمسين سنة الى ما لم تبلغه دولة اوربية في خمسمائة سنة) .
ولارتقاء الامم شرطان لابد منهما في نظر صروف : (ان تكون الامة مستعدة للأرتقاء وليس في شرائعها وتقاليدها ما يبعدها عنه .. وان يقوم منها اناس ذوو علم وعزم يعزمون كيف يرشدونها في سبيل الارتقاء ويقومون على مقاومة العقبات التي تعترضهم) .
من ناحية اخرى لم يفت صروف ، رغم دعوته للتحرر من التقاليد المعيقة للتقدم ان يقرن بين التحديث والاعتماد الذاتي والاستقلالية في شبابه فيقول عام 1883 : (فلا مستقبل لسورية ولا تمدن حقيقيا ما لم تغزل هي خيوط تمدنها وتنسجها في نولها او تنقل ما طاب من التمدن الاوربي وتغرسه في تربيتها وتسقيه بعرق رجالها .. ان حلة التمدن الاوربي تناسب الذين حاكوها وحكيت لهم) . ومع هذا كان يهم صروف دائما تحسين صورة العرب في الغرب مما (يزيدنا رفعة في عيونهم) رغم نقده التعالي الغربي .

* قاسم أمين 1863-1908 :
اهتم قاسم امين في مجال التحديث الاجتماعي الذي يقع ضمن هذا التيار – التيار التحرري التحديثي (الليبرالي) – بقضية تحرير المرأة حيث نشر في هذا المجال كتابين هما (تحرير المرأة) و (المرأة الجديدة) . وجاء اهتمامه هذا كجزء لا يتجزأ من دعمه للحركة الوطنية المصرية ومن منطلق تحرري تحديثي (ليبرالي) يختلف اختلافا بينا عن منطلق صديقه محمد عبده ، وان جمع بينهما الاهتمام بالأصلاح ويقضايا العائلة والمرأة .
رأى قاسم امين ، ان هناك علاقة وثيقة بين اصلاح اوضاع المرأة واصلاح أوضاع الامة واخلاقها كما لفت النظر الى التلازم الوثيق بين انحطاط المرأة وانحطاط الامة ويعود انحطاط المجتمع في رأيه الى جهل العلوم ويكون الانقاذ بالتالي بالتغلب على الجهل بنشر العلم .
وبين دوافع اهتمامه بالمرأة اعتقاده ان الجهل ينشأ في العائلة او بالاحرى من طبيعة العلاقات السائدة بين الرجل والمرأة .
بدأ تحليله من منطلق الدارونية القائل ان العلاقات الاجتماعية تتسم بالتناقض والتصادم فذهب الى ان النوازع التي تنظم العلاقات ضمن العائلة هي نوازع نفسها التي تنظم العلاقات في المجتمع ككل ، فيكون اضطهاد المرأة شكلا من اشكال الاضظهادات الاخرى . لذلك نبه بقوله الشهير : (فأنظر الى البلاد الشرقية تجد ان المرأة في رق الرجل ، والرجل في رق الحاكم ، فهو ظالم في بيته مظلوم إذا خرج منه . ثم الى البلاد الاوربية تجدان حكوماتها مؤسسة على الحرية واحترام الحقوق الشخصية فأرتفع شأن النساء فيها الى درجة عالية من الاعتبار وحرية الفكر والعمل) .
هناك في نظر قاسم أمين علاقة بين السلطة الاجتماعية – كما تتمثل خاصة بالسلطة العائلية والسلطة المؤسساتية الدينية – من ناحية والسلطة السياسية . كما تستبعد المرأة في العائلة ويكون للرجل تلك السلطة المطلقة في منزله هكذا يستبعد الشعب في علاقته بالحكم والدولة فالخليفة هو أيضا يحكم من دون قيد أو دستور .
هنا يتوقع قاسم امين ردا تسويغيا مألوفا فيسرع الى التوضيح : (ربما يقال ان هذا الخليفة كان يحكم بعد ان يبايعه افراد الامة .. ونحن لا ننكر هذا ، ولكن هذه السلطة التي لا يتمتع بها الشعب إلا بضع دقائق هي سلطة لفظية . اما في الحقيقة فالخلفية وحده صاحب الامر .. غير مؤمن بأن الواجب عليه ان يشترك احدا في امره) .
ان حال المرأة كما وصفها قاسم امين هو جزء من حال (البلاد التي تدار بحكومة استبدادية لأنها تحكم كذلك بقانون القوة .. ومضت القرون على الامم الاسلامية وهي تحت حكم الاستبداد المطلق اساء حكامها في التصرف وبالغوا في اتباع اهوائهم واللعب بشؤون الرعايا ، بل لعبوا بالدين نفسه في اغلب الازمنة ، ولا يستثنى منهم الا عدد قليل لا يكاد يذكر بالنسبة الى غالبهم .. وكان من اثر هذه الحكومات الاستبدادية ان الرجل في قوته اخذ يحتقر المرأة في ضعفها .. وقد يمكن ان يتوهم من اول وهلة ان الشخص الواقع عليه الظلم يحب العدل ويميل الى الشفقة لما يقاسيه من المصائب التي تتوالى عليه لكن المشاهد يدل على ان الامة المظلومة لا يصلح جوها ولا تنفع ارضها لنمو الفضيلة .. وعاشت المرأة في انحطاط شديد .. ليس لها شأن ولا اعتبار ولا رأي ، خاضعة للرجل لانه رجل ولانها امرأة .. واستعملها الرجل متاعا للذة .. له الحرية ولها الرق ، له العلم ولها الجهل ، له العقل ولها البله ، له الضياء والفضاء ، ولها الظلمة والسجن ، له الامر والنهي ولها الطاعة والصبر) .
استعان قاسم امين في كتابه الاول (تحرير المرأة) بالنصوص الدينية في دفاعه عن حقوقها ولكنه في كتابه الثاني (المرأة الجديدة) استعان بالعلوم الاجتماعية في الغرب ولجأ الى مفاهيم الحرية والتقدم والمدنية ، وخاصة مفهوم الحرية الفردية ، ومنها : حرية التعبير والاعتقاد وحتى عدم الاعتقاد بالله والانبياء ورفض التقاليد فالمهم في المجتمع حسب رأيه ليس التقاليد الموروثة ، بل (مصلحة المجتمع) .
وفي كتابه الثاني (المرأة الجديدة) يتكامل المفهوم التحرري التحديثي (الليبرالي) اذ دعا قاسم امين الى التحرر من نزعة تحري الكمال في الماضي حتى في الماضي الاسلامي فالطريق المؤدية للنهضة – اذا كان لها ان توجد في المستقبل – هي العلم الذي بلغ ذروته في اوربا . واضاف امين انه من العبث تبنى علوم اوربا من دون تبني المبادئ الخلقية خلفها ، فتوصل بذلك الى ان الدين لا يستطيع بحد ذاته بناء مجتمع ودولة متقدمين . وكان بتوصله الى مثل هذه النتائج قد هدم جسوره مع تيار استعادة الماضي واقترب من مد جسور مع التيار الثوري التقدمي المستقبلي .

* احمد لطفي السيد 1872-1936 :
يعتبر احمد لطفي السيد احد اهم رموز الحركة التحررية التحديثية (الليبرالية) في المرحلة التأسيسية النهضوية وما بعدها . وقد قال ودافع بقوة عن الفكرة القومية المصرية وكانت محور تفكيره– نادرا ما اشار الى العروبة كبديل لفكر الخلافة ومفهوم الامة الاسلامية – واظهر السيد تعلقا بفكرة الحرية ، كما قرأ عنها ، في الفكر الاوربي واعتبرها الغذاء الضروري للحياة فآلمه استبداد الدولة في مصر وعلاقات الامر والطاعة أو السيد والعبد وخنوع الشعب وعبادته للقوة ولكنه لم يكن يعني كثيرا بمسألة العدالة الاجتماعية كغيره من التنويريين التحرريين (الليبراليين) .
ساهم السيد في صياغة فكر حزب الامة المصري وهو حزب النخبة وكبار الملاكين وفي التعبير عنه تقول احدى وثائق تأسيس حزب الامة التي نشرت عام 1907 في صحيفة (الجريدة) التي كان يرأس تحريرها احمد لطفي السيد وقد ساهم هو نفسه في صياغتها : (ان السنن الالهية والنواميس الطبيعية قضت ان تكون رقي كل امة على يد .. اولي الرأي فيها) .
ان (القومية الليبرالية) التي قال بها السيد هي قومية نخبوية رأت من مصلحتها التعاون مع بريطانيا وان فاخرت بالوطنية المصرية) .

Advertisement



* نجيب عازوري 1881-1916 :
يعتبر نجيب عازوري واحد من المفكرين التحديثيين الذين تمحور فكرهم حول الفكرة القومية العربية والعلمانية – بفصل السلطة المدنية عن السلطة الدينية - .
تلقى عازوري تعليمه في مدرسة فرنسية ، واقام في باريس فترة من الزمن ، وكان فرنسي الثقافة وانطلق في نشر افكاره ودعوته من العمل الصحفي ، مستخدما اللغة الفرنسية لإيصال تلك الافكار والنداءات الى القارئ الاوربي بوجه عام والى الجمهور الفرنسي واوساطه الصحفية بنوع خاص .
اسس عازوري في باريس عصبة (الوطن العربي) عام 1904 واصدر مجلته الشهرية (الاستقلال العربي) جاعلا شعارها (بلاد العرب للعرب) وذلك بقصد نشر افكاره ودعوته وتعريف القراء بالقضايا العربية والشرقية التي كرس نفسه لخدمتها وقد استمرت هذه المجلة في الصدور ابتداء من نيسان/1907 وحتى حزيران/1908 لكي تتوقف غداة قيام الانقلاب العثماني واعلان الدستور في الامبراطورية العثمانية .
كما الف كتابا باللغة الفرنسية نشره عام 1905 في باريس بعنوان (يقظة الامة العربية) . التي كانت تشمل في رأيه المشرق العربي لا مصر والمغرب . واتهم اوربا بأثارة النزعات الطائفية والخلافات الداخلية . وشارك في المؤتمر العربي العام الاول في باريس في حزيران في عام 1913 ، وكان اول من حذر من سعي الصهيونية لإقامة دولة يهودية في فلسطين تتناقض مع اليقضة العربية وتنبأ انه سينشأ بينهما صراع الى ان تتغلب الواحدة على الاخرى – كما سيأتي تفصيل طرحه هذا لاحقا – غير ان عازوري لم يربط بين هذه الحركة الصهيونية والنزعة الاستعمارية الغربية فأدرك مطامع الاولى ولم يدرك تماما ما ستشكله فرنسا وبريطانيا من خطر على العرب فأظهر تعاطفا معهما من موقع الرغبة بالاستقلال عن الخلافة العثمانية والتحرر من سياسة الاستبداد التركي التي اعتبرها في اساس التخلف العربي .
يقول جورج انطونيوس في معرض تقويمه للحملة الصحفية والنضالية التي شنها عازوري بانها اثارت بعض الاهتمام في اوربا آن ذاك لكنها لم تحدث تأثيرا ذا شأن بالنسبة للحركة العربية . فـ(بغض النظر عن قيمة هذه الحركة فان ظهورها في عاصمة اجنبية وبلغة اجنبية كان امراً في ذاته يدعو إلى شلها والحد منها . ولم يقدر لها ان تنفذ إلى اعماق الحركة . وقيمتها الرئيسية لنا في هذا الكتاب انها تقدم لنا مثلا على انحراف بعض الداعين إلى الثورة ومدى ابتعادهم عن مصادر وحيها وإلهامها بسبب التعليم الأجنبي ) .
بيد آن هذه النظرة النقدية إلى دعوة عازوري لا يسعها التقليل من شأن الأفكار التي نادى بها عازوري ولا هي تشكل سبباً كافيا للعدول عن دراسة تلك الأفكار ، ومحاولة الوقوف على الملامح الرئيسية لتفكير صاحبها ، ولا سيما في أيقاظ وتنبيه الوعي القومي العربي على طبيعة وحقيقة الخطر الصهيوني المحدق بالآمة كلها والمتربص بالمصير العربي قاطبة . يؤكد عازوري في مقدمة كتابه على الطابع السياسي لعمله ، وينبه القاريء إلى تركيزه على (الشطر الأسيوي من المسألة الشرقية) والصورة التي يرسمها في البيان الموجه من عصبته إلى الدول الكبرى هي أن العرب داخل الأمبراطورية العثمانية ( قد وعوا تجانسيتهم القومية التاريخية والعنصرية ) ، وأن هذا الوعي سوف يؤدي بهم إلى الانفصال ( عن الشجرة العثمانية لكي ينعموا بالأستقلال الذاتي في دولة لها حدودها الطبيعية) .
وأنطلاقا من وعيه لمكانة الاقطار العربية واهميتها على كافة المستويات بالنسبة لمصالح الدول الاوربية الكبرى ، يمهد عازوري إلى الحل الذي يقدمه ويطرحه في كتابه بتذكير الاوربين : ( أن الذين كتبوا حول القضية الشرقية حتى وقتنا الحاضر حصروا درسهم في البلقان وتركيا الاوربية ، معتقدين أنه يوجد في مقدونيا الحل الوحيد لهذه المعضلة الشائكة ولم يعيروا أي اهمية لممتلكات السلطنة الأسيوية في حين أن البلاد العربية تشكل العقدة الحقيقية في اللغز) .
فهو يريد معالجة الموضوع من زاويتين :- هناك الحركة العربية التي ينشر عازوري لواء دعوتها في الأنفصال والتحرر والأستقلال ومن جهة ثانية هناك الخطر الصهوني الذي يتربص بفلسطين (الصورة المصغرة للوطن العربي) ويرسم صورة لحدودها الطبيعية (أكثر اتساعاً من التي امتلكوها في مختلف مراحل وجودهم التاريخي) .
في كتابه ينبه عازوري الى الصراع الذي تراءى له اتيا لا محالة بين ظاهرة القومية العربية (العروبة) وبين المساعي اليهودية الرامية الى انشاء دولة صهيونية في فلسطين . وليس من قبيل المبالغة ان الذين تسنى لهم الإطلاع على شيء من افكار عازوري وجدوا ضالتهم في طروحاته المشحونة برؤيا ثابتة للمصير العربي ابتدأ من مطلع القرن العشرين وهي طروحات ازدادت اهميتها ومصداقيتها طيلة عقود المحنة العربية .. حتى انها صارت معاصرة لتفكيرنا وملازمة لأزمة الوجود العربي الراهنة حيال الخطر البارز المحدق به حيث يقول عازوري : (ان ظاهرتين هامتين متشابهتي الطبيعة بيد انهما متعارضتان لم تجذبا انتباه احد حتى الان تتضحان في هذه الاونة في تركيا الاسيوية اعني : يقظة الامة العربية وجهد اليهود الخفي لإعادة تكوين مملكة اسرائيل القديمة على نطاق واسع . ومصير هاتين الحركتين هو ان تتعارك بأستمرار حتى تنتصر احدهما على الاخرى وبالنتيجة النهائية لهذا الصراع بين هذين الشعبين اللذين يمثلان مبدأين متضاربين يتعلق بهما مصير العالم بأجمعه) .
كان عازوري بحق احد الرواد الذين نبه الامة العربية الى المخاطر التي يشكلها الخطر الصهيوني على الوطن العربي واول صيحة واضحة المعالم نادت بأن وحدة العرب هي الطريق الوحيد لكي يستطيع العرب من خلالها المساهمة في رفد الحضارة الانسانية بالعطاء .
لقد اسهم الفكر التحرري التحديثي – الذي عرف في الطروحات التاريخية والفكرية والسياسية بالفكر الليبرالي – بالدعوة للوحدة القومية والعلمنة والاستفادة من تجارب الشعوب خاصة في المجالات العلمية ولكنه لم يميز كفاية بين مثل هذه الاستفادة وما تقتضيه من الحرص على الاستقلالية الثقافية والسياسية والاقتصادية من جهة والدعوة للإقتداء بالغرب واتخاذه نموذجا لحيانتا من جهة اخرى .
ان الدعوة الى تقليد اوربا لم تدرك عمق التهديد الغربي لاستقلالية الشعوب الاخرى وسلبها حريتها ومواردها وحقوقها بتقرير مصيرها .
كذلك لم تستوعب الحركة التحررية التحديثية (الليبرالية) اهمية تحقيق العدالة الاجتماعية في مجتمعاتها بل ظلت تنظر الى هذه الامور من موقع الطبقات والاسر الحكمة .
من الناحية الفكرية ان التيار التحرري التحديثي (الليبرالي) لم يمثل نسقا مذهبيا متكاملا . وانما نشأ على ايدي مجموعة من المثقفين والمفكرين يركز كل منهم على جانب معين من (الحرية) وقد يتناقض مع ما يدعو اليه في جانب او جوانب اخرى .
وهكذا ركز احمد لطفي السيد على الدعوة الاقليمية (مصر للمصريين) ولكنه لم يؤمن بجدوى مقارعة الاحتلال البريطاني . ودعا طه حسين الى حرية التفكير والبحث العلمي ولكنه مارس السياسة من خلال حزب الاقلية (الاحرار الدستوريين) .
وركز الشيخ علي عبد الرزاق على الطابع غير السلطوي للدين الاسلامي ولكن شأنه شأن اخيه مصطفى عبد الرزاق مؤسس (علم اصول الفقه) والدكتور محمد حسين هيكل . كانوا جميعا يمارسون السياسة من خلال حزب الاقلية المعادي للأغلبية أو الوفد .
اما سلامة موسى فكان اشتراكيا تطوريا علمانيته المفرطة مثل سائر المفكرين المسيحيين المستنيرين كأنطون فرح ويعقوب صروف وشبلي الشميل عاقت امكانية استنبات فكر تحرري تحديثي (الليبرالي) متوازن .
ودعا قاسم امين الى تحرير المرأة ولكنه لم يملك رؤية سياسية متكاملة .. وهكذا لم يتكون تيار تحرري تحديثي (ليبرالي) متجانس التفكير موحد المذهب عميق الارتباط بالبيئة الوطنية والقومية .. وجاء الكفاح الوطني في مواهجة الاستعمار ثم تصاعد المد الفكري الاسلامي كبديل اكثر تكاملا سواء في الصورة السلفية او التوفيقية ليهيمن على مفكري هذا التيار فاصبحوا اكثر ميلا في النهاية الى فكرة الوطنية او الاسلام او العروبة اخيرا وبذلك اخفق هذا التيار على صعيد الفكر .


-------------------------------- هوامش
القاها في اجتماع سري لنفر من اعضاء الجمعية السورية العلمية في سنة 1868 ، ولا يوجد نص كامل لمتن هذه القصيدة لأنها لم تدون بل تناقلها الناس على صفحات القلوب خوفا من بطش الاتراك . انظر : انطونيوس ، جورج– يقظة العرب ، تاريخ حركة العرب القومية ، ترجمة ناصر الدين الاسد واحسان عباس ، ط3 ، بيروت ، دار العلم للملايين ، 1969 ، ص11

بركات – المجتمع العربي في القرن العشرين ، ص832
نصار ، ناصيف – نحو مجتمع جديد ، مقدمات اساسية في نقد المجتمع الطائفي ، ط2 ، بيروت ، دار النهار ، 1970 ، ص19
المصدر نفسه ، ص24
المصدر نفسه ، ص28
بركات – المجتمع العربي في القرن العشرين ، ص 832-833
المصدر نفسه ، ص833
عون ، سامي – ابعاد الوعي العلمي ، دراسة في الفكر العربي الحديث ، دط ، بيروت ، منشورات المكتبة البوليسية ، 1986 ، ص328
المصدر نفسه ، ص343
المصدر نفسه ، ص345
نشرا في القاهرة ، الاول عام 1899 ، والثاني عام 1900
أمين ، قاسم – المرأة الجديدة ، القاهرة ، مطبعة المعارف ، 1900 ، ص7
المصدر نفسه ، ص177
امين ، قاسم – تحرير المرأة ، القاهرة ، مكتبة الترقي ، 1899 ، ص14-16
امين ، قاسم – المرأة الجديدة ، ص174-178
عبد الحكيم ، طاهر – مصدر سبق ذكره ، ص210-213
Negib Azoury –Le Reveil de La Nation Arabe dans L’Asie Turque en Presence des intirets et des Rivalites des Puissances Etrangeres de la curie Romaine et du Patriacat Occumenique, Plon , Paris , 1905 .
وترجمته العربية – يقظة الامة العربية في تركيا الاسيوية ازاء وجود مصالح لكل من الدول الكبرى الاجنبية والكرسي الرسولي البطريركية المسكونية واشتداد التنافس فيما بينها . وقد ترجم الكتاب الى العربية – يقظة الامة العربية . تعريب وتقديم احمد بوملحم ، تقديم د. زاهية قدورة ، دط ، بيروت ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 1978 .
أنظر تفاصيل ذلك – عازوري نجيب – يقظة الامة العربية ، تعريب احمد بو ملحم ، تقديم زاهية قدورة ، دط ، بيروت ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 1978
انطونيوس ، مصدر سبق ذكره ، ص 173
رزوق ، اسعد – نجيب عازوري الوحدوي المجهول ، المستقبل العربي ، العدد4 (11/1978) ، ص94
عازوري – مصدر سبق ذكره ، ص41
المصدر نفسه ، ص 47
المصدر نفسه ، ص49
التوقيع
ليس بإنسان ولا عالم من لايعي التاريخ في صدره
ومن درى أخبار من قبله أضاف أعمارا إلى عمره

صديق القمر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
الليبرالية, التيارات, التحديثية, التحررية, الفكرية, صراع

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
صراع التيارات الفكرية النقدية الثورية التقدمية صديق القمر تاريخ 0 23-08-2015 06:54 PM
صراع القوى العظمى حول القرن الافريقي صديق القمر علوم سياسية 0 21-09-2011 12:49 PM

sitemap

الموقع يخضع لسياسة ادسنس لقراءة الشروط بالعربية انقر هنا أو بالانجليزية Google Adsense Privacy Policy   

 abuse@alg17.com


الساعة الآن 08:27 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.11 Alpha 3
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
adv helm by : llssll
المواضيع المنشورة في المنتدى تعبر عن رأي اصحابها وجميع المواضيع التي تخالف سياسة الموقع يتم حذفها

Search Engine Friendly URLs by vBSEO

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138