نظريات الفلسفة في العصر الحديث
قديم 09-12-2010, 02:28 PM   #1
alg17
 
الصورة الرمزية صديق القمر
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
المشاركات: 1,938
نظريات الفلسفة في العصر الحديث

بحث حول نظريات الفلسفة في العصر الحديث

مقــــــــــــدمة

شهدت الفلسفة تطورات عديدة مهمة، فمن الإغريق الذينأسّسوا قواعد الفلسفة الأساسية كعلم يحاول بناء نظرة شموليّة للكون ضمن إطار النظرةالواقعية، إلى الفلاسفة المسلمين الذين تفاعلوا مع الإرث اليوناني دامجين إياه معالتجربة ومحولين الفلسفة الواقعية إلى فلسفة إسمية، إلى فلسفة العلم والتجربة فيعصر النهضة ثم الفلسفات الوجودية والإنسانية ومذاهب الحداثة وما بعد الحداثةوالعدمية.
الفلسفة الحديثة حسب التقليد التحليلي في أمريكا الشمالية والمملكةالمتحدة، تنحو إلى أن تكون تقنية بحتة تركز على المنطق والتحليل المفهومي. وبالتاليفإن مواضيع اهتماماتها تشمل نظرية المعرفة، والأخلاق، طبيعة اللغة، طبيعة العقل. هناك ثقافات واتجاهات أخرى ترى الفلسفة بأنها دراسة الفن والعلوم، فتكون نظرية عامةودليل حياة شامل. وبهذا الفهم، تصبح الفلسفة مهتمة بتحديد طريقة الحياة المثاليةوليست محاولة لفهم الحياة. في حين يعتبر المنحى التحليلي الفلسفة شيئاً عملياً تجبممارسته، تعتبرها اتجاهات أخرى أساس المعرفة الذي يجب اتقانه وفهمهجيداً.
لفلسفة لفظة يونانية مركبة من الأصل فيلو أي محبّة وصوفيا أي الحكمة، أيأنها تعني محبة الحكمة وليس امتلاكاً لها [ تستخدم كلمة الفلسفة في العصر الحديثللإشارة إلى السعي وراء المعرفة بخصوص مسائل جوهرية في حياة الإنسان ومنها الموتوالحياة والواقع والمعاني والحقيقة. تستخدم الكلمة ذاتها أيضاً للإشارة إلى ماانتجه كبار الفلاسفة من أعمال مشتركة.
إن الحديث عن الفلسفة لا يرتبط بالحضارةاليونانية فحسب، لكنها جزء من حضارة كل أمة، لذا فالقول "ما هي الفلسفة ؟" لا يعنيإجابة واحدة. لقد كانت الفلسفة في بادئ عهدها أيام طاليس تبحث عن اصل الوجود،والصانع، والمادة التي اوجد منها، أو بالاحرى العناصر الأساسية التي تكون منها،وطال هذا النقاش فترة طويلة حتى أيام زينون والسفسطائيين الذين استخدموا الفلسفة فيالهرطقة وحرف المفاهيم من أجل تغليب وجهات نظرهم، لكن الفترة التي بدات من أيامسقراط الذي وصفة شيشرون بانة "انزل الفلسفة من السماء إلى الأرض"، أي حول التفكيرالفلسفي من التفكير في الكون وموجدة وعناصر تكوينة إلى البحث في ذات الإنسان، قدغير كثيرا من معالمها، وحول نقاشاتها إلى طبيعة الإنسان وجوهرة، والايمان بالخالق،والبحث عنة، واستخدام الدليل العقلي في اثباتة، واستخدم سقراط الفلسفة في اشاعةالفضيلة بين الناس والصدق والمحبة، وجاء سقراط وافلاطون معتمدين الاداتين العقلوالمنطق، كأساسين من أسس التفكير السليم الذي يسير وفق قواعد تحدد صحتة أوبطلانه.
سؤال : "ما الفلسفة ؟" هذا السؤال قد أجاب عنه أرسطو. وعلى هذا فحديثنالم يعد ضرورياً. إنه منته قبل أن يبدأ، وسيكون الرد الفوري على ذلك قائماً على أساسأن عبارة أرسطو عن ماهية الفلسفة لم تكن بالإجابة الوحيدة عن السؤال. وفي أحسنالأحوال إن هي إلا إجابة واحدة بين عدة إجابات. ويستطيع الشخص - بمعونة التعريفالأرسطي للفلسفة - أن يتمثّل وأن يفسر كلاً من التفكير السابق على أرسطو وأفلاطونوالفلسفة اللاحقة لأرسطو. ومع ذلك سيلاحظ الشخص بسهولة أن الفلسفة، والطريقة التيبها أدركت ماهيتها قد تغيرا في الألفي سنة اللاحقة لأرسطو تغييرات عديدة.
وفيالوقت نفسه، ينبغي مع ذلك ألا يتجاهل المرء أن الفلسفة منذ أرسطو حتى نيتشه ظلت - على أساس تلك التغيرات وغيرها - هي نفسها لأن التحولات هي على وجه الدقة احتفاظبالتماثل داخل "ما هو نفسه" (...) صحيح أن تلك الطريقة نتحصّل بمقتضاها على معارفمتنوعة وعميقة، بل ونافعة عن كيفية ظهور الفلسفة في مجرى التاريخ، لكننا على هذاالطريق لن نستطيع الوصول إلى إجابة حقيقية أي شرعية عن سؤال: " ما الفلسفة ؟ " أمااليوم وبالنظر إلى ما هو متوفر من المعارف وعلى ما هو متراكم من أسئلة وقضايامطروحة في العديد من المجالات إلى التقدم الذي حققه الفكر البشري في مختلفالمجالات، فلم يعد دور الفيلسوف فقط حب الحكمة أو الذهاب إليها والبحث عنها بنفسالأدوات الذاتية وفي نفس المناخ من الجهل الهائل بالمحيط الكوني وتحلياته الموضوعيةكما كانت عليه الحال سابقا، إن الفيلسوف الآن بات مقيداً بالكثير من المناهجوالقوانين المنطقية وبالمعطيات اليقينية في إطار من التراكمات المعرفية وتطبيقاتهاالتكنولوجية التي لا تترك مجالاً للشك في مشروعيتها. في هكذا ظروف وأمام هكذامعطيات لم يعد تعريف الفلسفة متوافقاً مع الدور الذي يمكن أن يقوم به الفيلسوفالمعاصر والذي يختلف كثير الإختلاف عن دور سلفه من العصور الغابرة.































- أولا النظرية التطوّرية :‏
ظهرفي نهاية النصف الأول وبداية النصف الثاني من القرن العشرين، عدد منالأنثروبولوجيين الذين بدأوا يضعون نظرية خاصة لدراسة المجتمعات الإنسانية ومراحلتطوّرها، وموقع التغيير الثقافي في ذلك. وكان من أبرز هؤلاء، عالم الآثار الإنكليزي(جوردن تشايلد )، والأميريكيان : (جوليان ستيوارد) و (ليزلي هوايت) الذي دعا إلىعدم استخدام النظم الأوروبية كأساس لقياس التطوّر، وضرورة إيجاد محكّات أخرى يمكنقياسها وتقليل الأحكام التقديرية بشأنها .‏
فقدأكّد / هوايت / في كتابه " علم الثقافة " المنشور عام 1949، أنّ من المهمّ ألاّتقتصر النظرية التطوريّة على تحديد مراحل معيّنة لتسلسل النمو الثقافي، وإنّما لابدّ من إبراز العامل أو العوامل التي تحدّد هذا التطوّر. ويمثّل عامل " الطاقة " فيرأيه، المحك الرئيس لتقدّم الشعوب. أي أنّ المضمون التكنولوجي في ثقافة ما، يحدّدكيانها الاجتماعي واتّجاهاتها الأيديولوجية. (فهيم، 1986، ص203)‏

وقدانقسم هذا الاتّجاه الثقافي التطوّري، إلى ثلاث مدارس تنادي كلّ منها بمجموعة منالقضايا
العامة : (وصفي، 1971، ص 455)‏
المدرسة الأولى : تأخذ بالمسلّمة القائلة بأن التاريخ إنّما يتجه فيتتابع وحيد حين تتطوّر النظم والعقائد، استناداً إلى مبدأ الوحدة السيكولوجية لبنيالبشر. ومن هنا تتطوّر الثقافة في العالم الإنساني، حيث تتشابه الظروف العقليةوالتاريخيّة .‏
المدرسة الثانية : تأخذ بالمنهج المقارن حين تعالج هذا التتابعالتطوّري للنظم والمعتقدات الإنسانية، بعقد المقارنات المنهجيّة المنظّمة بينالشعوب والثقافات، في سائر المراحل المبكرة لأطوار الثقافة، بحثاً عن المصادرالأثنولوجية للسمات الثقافية.‏
المدرسة الثالثة : تأخذ بفكرة البقايا أو المخلّفات والرواسبالثقافية، على اعتبار أنّ هذه البقايا القائمة في المجتمع، إنّما هي شواهد منالناحية المنطقيّة، وأنّ المجتمع قد مرّ في مراحل أقلّ تطوّراً ومراحل أكثر تركيباًوتطوّراً.‏
وقدمهّدت أفكار التطوّرية الجديدة، إلى نشوء تخصّص أثنولوجي جديد يبحث في العلاقاتالمتبادلة بين البيئة الطبيعية والثقافة، وعرف فيما بعد باسم الأيكولوجيا الثقافية ((Cultural Ecology-. والتي تستند إلى النظرية البيئية التي يعود تاريخها إلى / هيبوقراط / اليوناني، ومن ثمّ إلى / مونتسيكو / الذي وضع أسس هذه النظرية (المدرسة) والتي يتبعها بعض علماء الأنثروبولوجيا في العصر الحديث. وتتلخّص آراء هذه المدرسة،بأنّ العوامل الطبيعيّة للمنطقة، ولا سيّما الظروف المناخيّة، قد كوّنت المظهرالخارجي للأفراد، وعيّنت طراز حياتهم. وقضت على كلّ فرد لا يملك الصفات التي تتّفقوتلك البيئة (حمدان ،1989، ص 101 )‏
ويعتمد الأيكولوجيون الثقافيون في تفسير التباين بين ثقافات الشعوبالمختلفة، على ظاهرة التنوّع البيئي كما يهتمّون بالكشف عن كيفيّة تأثير الثقافة معما يحدث في البيئة من تغيرات جذرية، على تكيّف الفرد وتفاعله الاجتماعي. (Freidle, 1977, p307)
وتتلخّص وجهة نظرهم هذه، في جملة (التأثير القوي / الطاغي للبيئة) وأنّ أثر البيئة كبير على الثقافة في مجالات كثيرة. ويستشهدون على ذلك، بسكانالأسكيمو، وسكان أوستراليا الأصليين، وتأثّر ثقافة كلّ من هذه الشعوب بالبيئةالمحيطة. ولكنّ ثمّة معارضون في العصر الحديث لهذه النظرية، لأنّهم يرون أنّ كثيراًمن البيئات المتشابهة، تضمّ ثقافات وحضارات مختلفة. (حمدان،‏
ص 101)‏
وهكذابدأت الأنثروبولوجيا تأخذ مساراً جديداً لتأكيد النسبية الثقافية والاتّجاه العلمي / الموضوعي في الدراسات الأثنولوجية، حيث بذلت محاولات جادة للنظر إلى الثقافة منخلال مفهومات أفراد المجتمع وتصوّراتهم، وليس من منطلق الباحث الأثنولوجي ونظرتهالخاصة .‏
وكانمن نتيجة ذلك، ظهور أربعة اتّجاهات في الدراسة الأثنولوجية، استمرّت حتى نهايةالسبعينات من القرن العشرين، استطاع الأنثروبولوجيون بعدها أن يوحّدوا اهتماماتهمويوجّهوا دراساتهم الاجتماعية / الثقافية، من أجل تحرّر الإنسان وتقدّمه .‏
وفيمايلي عرض موجز لهذه الاتّجاهات الأربعة :‏
1- الاتّجاه التغييري الموجّه :‏
بعدتلاشي الاستعمار وحصول معظم المجتمعات المستعمرَة على استقلالها، قلّ اهتمامالأنثروبولوجيين بدراسة عملية المثاقفة، واتّجهوا إلى دراسة طبيعة التغيّراتالاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن استخدام التكنولوجية الغربية الحديثة إلىالمجتمعات التي خضعت للاستعمار، بقصد تنميتها وتطويرها. وشجّعتهم على ذلك، الحكوماتالغربية المنتجة لهذه التكنولوجية، والهادفة من ورائها إلى تحقيق تغيّراتأيديولوجية معيّنة / سياسية وثقافية واجتماعية /.‏
لقدأعطت الظروف السياسية الجديدة ، دفعة كبيرة لدراسة حركية التغييرات الناجمة عنعمليات نقل التكنولوجية الحديثة إلى الثقافات التقليدية في المجتمعات المتخلّفة. وقدّ قدّم العالم الأنثروبولوجي الأمريكي / جورج فوستر/ في كتابه " الثقافاتالتقليدية والتغيير التكنولوجي – عام 1963" تحليلاً للعوامل التي تساعد في قبولالتغيير، والعوامل التي تحبطه، وركّز في مناقشة هذه العوامل على المضموناتالاقتصادية والثقافية والنفسيّة . ( فهيم، 1986، ص 207)‏
إلاّأنّ الأهداف التي كانت وراء نقل التكنولوجية إلى المجتمعات التقليدية تحت مصطلح " التنمية"، أثارت الكثير من القضايا الأخلاقية، ولا سيّما تلك الأضرار التي قد تصيبالإنسان وبيئته، وذلك بسبب عدم حاجة المجتمعات النامية إلى هذه التكنولوجية، أو عدممناسبة استخدامها في تلك المجتمعات. وعلى الرغم من ذلك، فقد كان لهذا الاتّجاه أثركبير وواضح في الأنثروبولوجيا التطبيقية.‏
2- الاتّجاه التطبيقي :‏
أدّىتنامي الاتجاهات التحرّرية في الفكرالأنثروبولوجي، في الستينات والسبعينات منالقرن العشرين، إلى تراجع توظيف الأثنولوجيا لخدمة الأهداف السياسية، أيّاً كانتطبيعة دراساتها وأنواعها. ونشأ بدلاّ من ذلك تخصّص جديد يعرف بـ " الأنثروبولوجياالتنموية " حيث يقوم الباحثون الأنثروبولوجيون بتقديم خبراتهم المعرفية / النظريةوالميدانية / التطبيقية، في خدمة المشروعات الاقتصادية والاجتماعية. أي أنّ نتائجالدراسات الأنثروبولوجية التطبيقية، أصبحت توظّف لخدمة الدول النامية في عملياتالتغيير التنموي المخطّط.‏
واستناداً إلى ذلك، أصبحت مسألة استخدام المعرفة الأنثربولوجية (إيجاباً أو سلباً) من القضايا الهامة التي أثارت اهتمام الباحثين والمسؤولين علىحدّ سواء. وهذا ما دفع الجمعية الأنثربولوجية الأمريكية إلى تشكيل لجنة في عام 1968، لبحث المسؤوليات الأخلاقية التي يجب أن يتحمّلها الباحثون الأنثروبولوجيون،تجاه المجتمعات التي يقومون بدراستها، ولا سيّما تلك المصلحة التي تستخدم نتائجالبحوث الأنثروبولوجية من أجلها.‏
وانتهى ذلك إلى إصدار بيان " وثيقة الأخلاقيات الأنثروبولوجية " عام 1973، حدّدت بموجبها علاقة الأنثروبولوجيين بالأفراد (الجماعات) المدروسين من جهة،ومسؤولياتهم تجاه الدول في المجتمعات المضيفة من جهة أخرى .وهذا كلّه يدخل فيمسؤوليات الباحث الأنثروبولوجي، ولا سيّما الأمانة المهنية والأخلاقية، وحمايةالأفراد الذين يتعامل معهم. وكان من نتيجة ذلك، ظهور ثلاثة اتّجاهات فرعية بشأنإجراء الدراسات الأنثروبولوجية واستخداماتها .‏
الاتجاه الأول : ذو نزعة تقليدية، يرى أنّ القيم العامة والسياسة،لا علاقة لهما بالعلوم الاجتماعية، وما على الباحث الأنثروبولوجي إلاّ تقديمالحقائق التي يحصل عليها كما هي ومن دون الاهتمام بنتائجها، على اعتبار أنّ العلممنفصل عن القيم الأخلاقية .‏
وهنايقترح / جورج غيرفيتش/ تعريفاً لاجتماعية المعرفة يشمل موضوع هذا الاختصاص معاعتبارات منهجية أساسية. وإذا اقتصرنا على الحدّ الأدنى منه، كانت اجتماعية المعرفة (سوسيولوجيا المعرفة) هي أولاً دراسة الترابطات الوظيفية التي يمكن إيجادها بينجانبين :‏
أولها : أنواع المعرفة المختلفة، ودرجة تبلور الأشكال المختلفة داخل هذه الأنواع منالمعرفة وأنظمتها المختلفة، أي (تراتب هذه الأنواع) .‏
وثانيهما : الأطر الاجتماعية، بما فيها المجتمعات الشاملة، والطبقاتالاجتماعية، والمجموعات الخاصة، والتعبيرات المجتمعية المختلفة (العناصر الميكرواجتماعية ).‏
وهذاالمشروع لا يتمّ إلاّ بدراسة مدقّقة لجوانب أخرى، تتلخّص في :‏
1- العلاقة بين تراتب أنواع المعرفة، وتراتب المستحدثات الأخرى للحضارة.‏
2- دور المعرفة وممثّليها، والأنماط المختلفة للتعبير والتواصل، ونشر المعرفة .‏
3- مظاهر الاقتراب والابتعاد بين أنواع المعرفة المختلفة، وذلك بحسب ارتباطاتها بأطراجتماعية معيّنة .‏
4- الحالات الخاصة من التباعد بين الأطر الاجتماعية والمعرفة .( لبيب، 1987، ط3،ص21-22)‏
ويتضمّن عمل / غيرفيتش / هذا محاولتين أساسيتين ؛ تصنيف أنواعالمعرفة وأشكالها من جهة، وتحديد العلاقة بين المعرفة والأطر الاجتماعية من جهةأخرى.‏
الاتجاه الثاني : ركّز على فكرة مبدأ النسبية الثقافية الذي يتناولفي جوهره، مشكلة طبيعية ودور القيم في الثقافة. ويمثّل معالجة علمية استقرائيةلمشكلة فلسفية قديمة، مستخدماً معطيات حديثة عن شعوب عديدة، لم تكن من قبل فيمتناول الباحثين، وهي مستمدّة من دراسة أنظمة القيم في مجتمعات ذات تقاليد وعاداتوأعراف مختلفة .‏
ويعبّر عن مبدأ النسبية الثقافية باختصار : على أنّ الأحكام فيهاتبنى على التجربة، ويفسّر كلّ فرد التجربة حسب ثقافته الخاصة. فثمّة أمثلة توضح لناتأثير المفاهيم لدى شعب ما، على نظرة هذا الشعب إلى العالم الطبيعي .. فالهنود فيالجنوب الغربي من الولايات المتّحدة الأمريكية، يقولون بوجود ستة اتّجاهات رئيسيةبدلاً من أربعة، فهم يضيفون (الأعلى والأسفل) إلى الشمال والجنوب والشرق والغرب،وذلك انطلاقاً من وجهة النظر القائلة بأنّ الكون ذو ثلاثة أبعاد. وهم في ذلكواقعيون تماماً.‏
وإنّمن يقول بوجود قيم ثابتة، سيرى أنّ لدى بعض المجتمعات أنظمة تجعله يؤمن بضرورةإعادة التحقّق من صحّة نظريته. فهل ثمّة قيم أخلاقية ثابتة؟ أم أنّ القيم الأخلاقيةتكون ثابتة طالما اتّفقت مع اتجاهات شعب ما، في فترة زمنية معيّنة من تاريخه؟والإجابة عن هكذا أسئلة، تؤلّف إحدى إسهامات علم الأثروبولوجيا الكبرى في تحديدمكان الإنسان في العالم وتحليل مقوّماته. (هرسكوفيتز، 1974، ص65-66)‏
وهذايتطلّب عدم التدخّل في شؤون الآخرين، وضرورة وضع قواعد أخلاقية تضبط استخدامالنتائج التي تتوصّل إليها الدراسات الأثنولوجية. إلاّ أنّ بعض الأنثروبولوجيين يرىأنّه من الصعوبة أن يكون الباحث محايداً تماماً تجاه ما يجري أمامه أو حوله. ولذلك، فإنّ مسؤولية الباحث الأنثروبولوجي، توجب أن يطلع الأفراد الذين يتعامل معهم علىنتائج بحثه، واختيار أفضل السبل لتغيير واقعهم، وبما يتناسب مع إمكاناتهم الماديةوالبشرية من جهة، وأوضاعهم الثقافية من جهة أخرى .‏
الاتّجاه الثالث : يرى أنّه يتوجّب على الباحث الأنثروبولوجي، أنيتّخذ موقفاً أيديولوجياً محدّداً قبل القيام بالدراسة. وقد أكّدت الأنثروبولوجيةالبريطانية (كاتلين جوف) رائدة هذا الاتجاه، في كتابها " ثورة العالم وعلم الإنسان " الصادر عام 1968، أنّ على الأنثروبولوجيين أن يحدّدوا موقفهم تجاه أمرين : إمّاخدمة الاستعمار أو مناهضته. وذلك من خلال تبنّي أيديولوجية غربية واضحة المبادىءوالأهداف، ولا سيّما تجاه مصالح المجتمعات النامية .‏
وإذاكانت الثقافات تقيّم أحياناً، بعبارتي : (متمدّن و بدائي )، فإنّ هاتين العبارتينبسيطتان بساطة خادعة، إذ دلّت المحاولات لتحديد الفرق بينهما، على وجود صعوبات غيرمتوقّعة. غير أنّ التمييز بين هاتين العبارتين المتضادتين، هام بالنسبةللأنثروبولوجيين، بشكل خاص. فكلمة (بدائي) تستخدم عادة، لوصف الشعوب التي جرىالتقليد على أنّ يهتمّ بها – غالباً- علم الأنثروبولوجيا، وهي الشعوب التي منحتدراستها عالم الأنثروبولوجيا معظم المعطيات الأولية اللازمة له.‏
ويؤثّر المفهوم الذي يتضمّنه مثل هذا الاستعمال في الكثير منالأحكام، على طرائق حياة الشعوب. وتدلّ آثار الماضي التي يكشف عنها التنقيب فيالأرض، أنّ التبدّل المستمرّ – وإن كان بطيئاً – هو القاعدة العامة. وبالتالي، يمكنأن نستخلص أنّه ما من شعب حيّ يعيش اليوم، كما كان يعيش أجداده أو أجدادنا. (هرسكوفيتز، 1974، ص74)‏
ثانيا-النظرية المعرفيّة‏:
إنّالانتقادات التي وجّهت إلى الاتجاه البنائي / الوظيفي، بسبب اعتماده على سلوكاتالأفراد الظاهرة وما يقوم بينهم من علاقات على أرض الواقع، وإغفاله الجانب الحركي (الديناميكي) في دراسة الثقافة الإنسانية، أدّت إلى تبنّي نظرية جديدة في الدراسةتتناسب مع التغييرات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي أعقبت الحرب العالميةالثانية. ومن هنا برزت فكرة النظرية المعرفية في دراسة الثقافة الإنسانية، والتيتبحث في طرائق تفكير الناس وأساليب إدراكهم للأشياء، والمبادىء التي تكمن وراء هذاالتفكير والإدراك، ومن ثمّ الوسائل التي يصلون بوساطتها إلى كلّ منهما .. فهم أصحابالمجتمع، ومن العدل أن نتعرّف إلى آرائهم فيها .‏
كماجاءت النظرية المعرفية ردّاً على الماركسية، التي يقول فيها عالم الاجتماع الفرنسيالمعاصر / ميشيل فوكو / : أنّها أثارت في نفسه الكثير من الاهتمامات، ولكنها أخفقتفي إشباع هذه الاهتمامات إخفاقاً شنيعاً. بل إنّه ذهب إلى حدّ القول : " إنّالماركسية كانت تجتذب إليها الشباب، ولكنّهم كانوا يدركون بسرعة أنّها مجرّد نوع منأحلام المراهقة، التي تدور حول إمكان وجود عالم آخر أفضل من هذا العالم الذي نعيشفيه ."‏
ولذلك، ابتكر / فوكو/ تخصّصاً جديداً أضفى عليه " تاريخ أنساق الفكر " في إطار ما أطلق عليه مصطلح " إبستيمة Episteme " والمستمد من أصل الكلمةاليونانية التي تشير إلى العلم والمعرفة. ولذا يمكن ترجمتها بعبارة " إطار المعرفة ". ويحدّد فوكو ثلاثة (انقطاعات) أساسية يتميّز كلّ منها بإطار معرفي خاص :‏
الانقطاع الأوّل : حدث في أواسط القرن السابع عشر وأدّى إلى القضاءعلى الاتجاه الذي كان سائداً من قبل، نحو إبراز و (توكيد) أوجه الشبه بين الأشياءالمختلفة، أو بين (مخلوقات الله كلّها) حسب ما يقول / أوتو فريدريش Otto Friedrich / وظهور الميل الذي ساعد (عصر العقل) نحو إبراز و توكيد أوجه التفاوت والاختلافوالتفاضل بين الأشياء. وهو ميل سيطر على تفكير القرن الثامن عشر بوجه خاص.‏
الانقطاع الثاني : حدث بعد الثورة الفرنسية بقليل، ويتمثّل في ظهورفكرة الثقدّم التطوّري في المجالين : الاجتماعي والعلمي، على السواء. وتعتبر هذهالفكرة بمنزلة الإطار المعرفي الذي يميّز العصر الحديث ويسيطر عليه سيطرة تكاد تكونتامة.‏
أمّاالقطع الثالث : هو ما يمكن أن يتبلور فيما يمرّ به العالم الآن، ويصبح قطعاً فيمجرى التاريخ. وعلى الرغم ممّا كتبه حول هذه النقطة، فإنّه لم يقدّم أي تحديد دقيقواضح المعالم لذلك (القطع ). كما أنّه لم يقدّم أي تفسير مقنع عن الطريقة التي تتمّبها هذه التوقّعات والانكسارات، أو الانقطاعات وأسباب حدوثها.‏
ولكن،إذا كانت المعرفة قوّة، كما يقول / فوكو / فإنّه انتهى من ذلك إلى الاعتقاد بأنّالقوّة والمعرفة تتضمّن إحداهما الأخرى بالضرورة، وأنّ كلاًّ منهما تتطلّب الأخرىوتؤدّي إليها. وعلى هذا الأساس، فإذا كان كلّ عصر من العصور التي تكلّم عنها، قدأفلح في تكوين صور وأشكال معرفية جديدة وتطويرها وإبرازها، بما يعبّر عن ذلك العصرومقوّمات الحياة فيه، ويمكن عن طريقها التعرّف إليه، فهذا يعني في نهاية الأمر أنّكلّ عصر من هذه العصور، إنّما كان يمارس في حقيقة الأمر، أشكالاً جديدة من القوّة .( أبو زيد، 2001،ص94)‏
وقدأعطى هذا الاتّجاه المعرفي مفهوماّ جديداً للثقافة وطبيعتها الفكرية الثقافية،باعتبارها تشكّل (خريطة معرفية إدراكية) كما قال / جيمس داونز / في كتابه " الطبيعةالإنسانية ". فالخريطة الإدراكية لأي شعب من الشعوب، تحتفظ بملامح عامة ومقوّماتأساسية وثابتة، ولكنها – مع ذلك – لا تخلو من بعض الاختلافات والتفاصيل الدقيقة منجيل إلى آخر، لا بل من فئة اجتماعية إلى فئة أخرى، وفي المرحلة الزمنية الواحدة. وهذا يعني أنّ لكلّ مجتمع، تصوّراته الخاصة عن العالم والكون، تختلف عن تصوّر غيرهمن المجتمعات الأخرى (أبو زيد، 1977، 249 )‏
تبلورت النظرية المعرفية في الدراسات الأنثروبولوجية / الثقافية، فيالستينات من القرن العشرين، ومن خلال مدرستين رئيسيتين : المدرسة البنائية فيفرنسا، والمدرسة الأثنوجرافية الجديدةفي أمريكا .‏
1- المدرسة البنائية :‏
يعدّ / كلود ليفي ستروس / مؤسّس المدرسة البنائية في الدراسات الثقافية / الأنثروبولوجية. فهو يعرّف النظرية البنائية (البنيوية) بأنّها تقوم على التمييزبين الصورة والمضمون، بحيث تكمن أصالتها في طريق تصوّرها للارتباط بينهما. ولكن ماأخذ على / ستروس / هو أنّه أدرك المجتمع كقواعد لا كتصرّفات .. أي أنّه يصطنع لنفسهمعقولية كاملة على أساس يردّ البشر والزمر الاجتماعية إلى وظيفة محدّدة، بدلاّ منأن يبني هذه الوظيفة على علامات مشخّصة، يعتقدونها فيما بينهم. (أوزياس، 1973، ص 46 )
ويأخذمفهوم البنية عند/ ستروس / طابع النسق (النظام)، حيث تتألّف البنية من مجموعةعناصر، يمكن لأي تحوّل في أحدها أن يحدث تحوّلاً ما في العناصر الأخرى.ولذلك يقول / ستروس / إنّ العبرة في دراسة الظواهر (النظم) الاجتماعية، إنّما هي للوصول إلىالعلاقات القائمة فيما بينها. والدافع إلى ذلك، هو أنّ حقيقة الظواهر الاجتماعيةليست في ظاهرها كما تبدو عياناً للملاحظ، بل تكمن في مستوى أعمق من ذلك بكثير، ألاوهو مستوى دلالتها. (ابراهيم، 1976، ص 35)‏
ومنهنا فإنّ مهمّة الباحث الأساسية، في العلوم الإنسانية عامة والأنثربولوجية خاصة،تكمن في التصدّي للظواهر الإنسانية الأكثر تعقيداً، أو الأكثر تفكّكاً وعدم اتسّاق. وذلك بقصد الكشف عن عوامل هذا التعقيد أو هذا الاضطراب. والوصول بالتالي إلى البنيةأو (البنى) التي تحدّد العلاقات الكامنة في الظواهر والأشياء .‏
وإذاكان / ستروس / يعتبر (البنائية) منهجاً وليست نظرية أو فلسفة خاصة، فإنّه من جهةأخرى يحدّد هدف الأثنولوجيا بالكشف عن العمليات المعرفية (العقلية والإدراكية) عندالأفراد داخل المجتمعات الإنسانية، بغية الوصول إلى تفسير حول تعدّد الثقافاتواختلاف بعضها عن بعض. وهذه العمليات تنشأ وتتبلور داخل العقل الإنساني من خلالالتعلم، حيث يتعلّمها الفرد منذ الصغر عن طريق اللغة، وتكوّن ما أطلق عليه (الأبنيةالعقلية، التي تشكَّل الثقافات على أساسها. ولذلك، يمكن أن تتّخذ هذه البناءاتالشكلية للتركيب اللغوي، نماذج يقتدي بها الباحثون في العلوم الإنسانيةوالاجتماعية، كما يمكن أن تتحقّق معها الدقّة العلمية عند دراسة الإنسان. (زكريا، 1980، ص 9)‏
لقدسعى / ستروس / إلى أن يربط بشكل منهجي ، بين الدراسات اللغوية والاجتماعيةوالأثنولوجية، وكان لهذه المحاولة أصداء كبيرة وعميقة في الفكر الأنثروبولوجيالتقليدي الخاص بالعلوم الاجتماعية المختلفة، بل وفي الدراسات الأدبية والإنسانيةبوجه عام .( حجازي، 1972، ص 180)‏
إنّالعلاقات الاجتماعية في أي نظام اجتماعي، لا يمكن أن تفهم إلاّ في إطار عمليةالتواصل والتبادل بين الأفراد الذين يشكّلون هذا النظام الاجتماعي. وذلك عن طريقدراسة العمليات العقلية التي تحكم تفكير هؤلاء الأفراد، وتوجّه سلوكاتهم وعلاقاتهمضمن البنية التي تؤلّف ثقافتهم .‏
2-المدرسة الأثنوجرافية الجديدة :‏
ظهرتهذه المدرسة في أمريكا مع بدايات الستينات من القرن العشرين، مترافقة مع المدرسةالبنائية سابقة الذكر. وتستند هذه النظرية إلى نتائج علم اللغة، والعلاقة المتبادلةبين علم اللغة والأثنولوجيا، والاستفادة بالتالي من هذين العلمين في تبنّي منهجمتكامل للبحث في العلوم الاجتماعية .‏
وقدبرز اهتمام الأمريكيين بالصلة بين اللغة والثقافة، منذ عام 1964 حين اقترح / ديلهايمز / مصطلحاً جديداً لتلك الصلة، يتمثّل في (الأنثروبولوجيا اللغوية) والذييعتمد على دراسة اللغّة في إطارها الاجتماعي . (حجازي، 1972، ص 154).‏
وانطلاقاً من هذا المصطلح، بدأ الأنثروبولوجيون اللغويون المعاصرونيهتمون بتطوير المدخل اللغوي في دراسة الثقافة، بحيث تؤدّي دراساته عن أصل اللغةومراحل تطوّرها، إلى مجالات دراسيّة جديدة حول تطوير الأسس الاجتماعية والإعلامية،التي تقوم عليها الحياة الإنسانية الحاضرة والمستقبلية .(Freidle,1977,p.280) ولذلكقام عدد من الباحثين الأنثروبولوجيين في أمريكا، بإجراء دراسات لغوية بقصد تأكيدعلمية دراسة الثقافة الإنسانية، وذلك من خلال وصف الثقافة وتحليلها وفقاً لتصوّراتالأفراد ومفاهيمهم، التي تتجلّى في سلوكاتهم اللغوية .‏
واستناداً إلى هذا المنهج التحليلي، أظهرت نتائج دراسات أثنوجرافيةمتعدّدة، اختلافات الأسس والمعايير بين الشعوب، والتي يصنّف الأفراد بموجبها فيالمجتمعات المختلفة مفاهيمهم واتّجاهاتهم، فيما يتعلّق بتصنيف الأشياء المختلفة،كالألوان أو الطعام أو الحيوان أو النبات، وغيرها من مكوّنات البيئة المحيطة. وهذايعني أنّ الأثنوجرافيا الجديدة، تسعى إلى دراسة الثقافة من خلال وصفها وتحليلها،كما يراها أصحابها، وليس كما يراها الباحث الأنثروبولوجي، وذلك بالاعتماد على تحليلاللغة التي يستخدمها أفراد المجتمع.‏
لقدبرز اهتمام الأثنوجرافيين الجدد منذ بداية السبعينات من القرن العشرين، بالدراساتالميدانية لجمع المعلومات عن اللغات والثقافات المرتبطة بها، ونشرت كتب كثيرة حولذلك. إلاّ أنّ هذا الاتجاه – على الرغم من أهميته في دراسة الثقافة –واجه نقداً منبعض الأنثروبولوجيين الأمريكيين ذاتهم، ولا سيّما / جيلفورد جيرتز/ الذي دعا إلى مايسمّى الآن بـ (الأنثروبولوجيا الرمزية )، وطالب أن يهتمّ الباحث بالمعنى والرمزالمصاحبين للممارسات الثقافية، بدلاً من الاعتماد على ما يقوله الأفراد عن ثقافتهم. ورأى أنّه ليس من المهمّ مطلقاً أن نسعى إلى تأكيد تكامل العناصر الثقافية، لأنّهاليست إلاّ مجموعة منفصلة من العواطف والمعتقدات والقواعد، التي يتناقض بعضها مع بعضفي أحيان كثيرة .( فهيم، 1986، ص 234)‏
وتأسيساً على ما تقدّم، نجد أنّ فروع الدراسات الأنثربولوجيةالمعاصرة، تعدّدت وتنوّعت تحت مظلّة علم الأنثروبولوجية العامة .، مماّ أدّى إلىزيادة المشتغلين في هذا الميدان، من الباحثين والأكادميين، في العالم عامة، وفيأوروبا وأمريكا خاصة. ومع ذلك، فإنّ الأنثروبولوجيا ما زالت تعاني من التشتت وعدمإثبات هويتها وشرعيتها كعلم من العلوم الإنسانية / الاجتماعية، وثمّة محاولات جادةمن الأنثروبولوجيين المحدثين لإنقاذه ورسم معالم مستقبلية له، تكون واضحة وثابتةتتناسب مع معطيات العصر، ومتغيّراته السريعة والمتلاحقة.‏
وهذاما يعطي للأنثروبولوجيا المعاصرة دوراً هاماً في تعزيز السلام العالمي وتأكيدإنسانية الإنسان، وذلك من خلال المواقف التي يتبنّاها الأنثروبولوجيون في مناهضةالتفرقة والتمييز، واستعمار الشعوب الأخرى والسيطرة على مقدّراتها. وتعزيز دورالدراسات الأنثروبولوجية، الإيجابي والفعّال في خدمة القضايا الإنسانية، وفيمقدّمتها التحرّر بأشكاله المختلفة، والبناء والتنمية الشاملة، ولا سيّما فيالبلدان التي تسعى إلى ذلك.‏
ثالثا : النظرية اللاهوتية اليهودية :
المقصود هنا النظرية اللاهوتية THEOLOGIE هي الأفكار والمعتقدات الدينية اليهودية وفي هذا الصدد يعتقد اليهود بوجود توراتين أو شريعتين نزلت على النبي موسى مكتوبتين وشفهيتين وهناك فئة قليلة من اليهود لا تعرف الأسفار الخمسة الأولى منسوبة إلى موسى وتعرف هذه الفئة بالسامرين وتوجد لديهم نسخة قديمة من الأسفار الخمس .
رابعا : النظرية الوجودية :

التعريف :

الوجودية اتجاه فلسفي يغلو في قيمة الإنسان ويبالغ في التأكيد على تفرده وأنه صاحب تفكير وحرية وإرادة واختيار ولا يحتاج إلى موجه. وهي فلسفة عن الذات أكثر منها فلسفة(*) عن الموضوع. وتعتبر جملة من الاتجاهات والأفكار المتباينة التي تتعلق بالحياة والموت والمعاناة والألم، وليست نظرية فلسفية واضحة المعالم. ونظراً لهذا الاضطراب والتذبذب لم تستطع إلى الآن أن تأخذ مكانها بين العقائد والأفكار.

التأسيس وأبرز الشخصيات:

يرى رجال الفكر الغربي أن سورين كيركجورد 1813 – 1855م هو مؤسس المدرسة الوجودية. ومن مؤلفاته: رهبة واضطراب.

أشهر زعمائها المعاصرين: جان بول سارتر الفيلسوف الفرنسي المولود سنة 1905م وهو ملحد ويناصر الصهيونية له عدة كتب وروايات تمثل مذهبه(*) منها: الوجودية مذهب إنساني، الوجود والعدم، الغثيان، الذباب، الباب المغلق.

ومن رجالها كذلك: القس كبرييل مارسيل وهو يعتقد أنه لا تناقض بين الوجودية والنصرانية.

كارل جاسبرز : فيلسوف ألماني.

بسكال بليز : مفكر وفيلسوف فرنسي.

وفي روسيا: بيرد يائيف، شيسوف، سولوفييف.

الأفكار والمعتقدات:

يكفرون بالله ورسله وكتبه وبكل الغيبيات وكل ما جاءت به الأديان(*) ويعتبرونها عوائق أمام الإنسان نحو المستقبل. وقد اتخذوا الإلحاد مبدأ ووصلوا إلى ما يتبع ذلك من نتائج مدمرة.

يعاني الوجوديون من إحساس أليم بالضيق والقلق واليأس والشعور بالسقوط والإحباط لأن الوجودية لا تمنح شيئاً ثابتاً يساعد على التماسك والإيمان وتعتبر الإنسان قد أُلقي به في هذا العالم وسط مخاطر تؤدي به إلى الفناء.

يؤمنون إيماناً مطلقاً بالوجود الإنساني وتخذونه منطلقاً لكل فكرة.

يعتقدون بأن الإنسان أقدم شيء في الوجود وما قبله كان عدماً وأن وجود الإنسان سابق لماهيته.

يعتقدون أن الأديان والنظريات الفلسفية التي سادت خلال القرون الوسطى والحديثة لم تحل مشكلة الإنسان.

يقولون: إنهم يعملون لإعادة الاعتبار الكلي للإنسان ومراعاة تفكيره الشخصي وحريته وغرائزه ومشاعره.

يقولون بحرية الإنسان المطلقة وأن له أن يثبت وجوده كما يشاء وبأي وجه يريد دون أن يقيده شيء.

يقولون: إن على الإنسان أن يطرح الماضي وينكر كل القيود دينية كانت أم اجتماعية أم فلسفية أم منطقية.

Advertisement

يقول المؤمنون منهم إن الدين(*) محله الضمير أمَّا الحياة بما فيها فمقودة لإرادة الشخص المطلقة.

لا يؤمنون بوجود قيم ثابتة توجه سلوك الناس وتضبطه إنما كل إنسان يفعل ما يريد وليس لأحد أن يفرض قيماً أو أخلاقاً معينة على الآخرين.

أدى فكرهم إلى شيوع الفوضى الخلقية والإباحية الجنسية والتحلل والفساد.

رغم كل ما أعطوه للإنسان فإن فكرهم يتسم بالانطوائية الاجتماعية والانهزامية في مواجهة المشكلات المتنوعة.

الوجودي الحق عندهم هو الذي لا يقبل توجيهاً من الخارج إنما يسيِّر نفسه بنفسه ويلبي نداء شهواته وغرائزه دون قيود ولا حدود.

لها الآن مدرستان: واحدة مؤمنة والأخرى ملحدة وهي التي بيدها القيادة وهي المقصودة بمفهوم الوجودية المتداول على الألسنة فالوجودية إذاً قائمة على الإلحاد.

الوجودية في مفهومها تمرد على الواقع التاريخي وحرب على التراث الضخم الذي خلفته الإنسانية.

تمثل الوجودية اليوم واجهة من واجهات الصهيونية الكثيرة التي تعمل من خلالها وذلك بما تبثُّه من هدم للقيم والعقائد والأديان.

الجذور الفكرية والعقائدية:

إن الوجودية جاءت كردِّ فعل على تسلط الكنيسة(*) وتحكمها في الإنسان بشكل متعسف باسم الدين(*).

تأثرت بالعلمانية وغيرها من الحركات التي صاحبت النهضة الأوروبية ورفضت الدين والكنيسة.

تأثرت بسقراط الذي وضع قاعدة "اعرف نفسك بنفسك".

تأثروا بالرواقيين(*) الذين فرضوا سيادة النفس.

كما تأثروا بمختلف الحركات الداعية إلى الإلحاد والإباحية.

الانتشار ومواقع النفوذ:

ظهرت في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى ثم انتشرت في فرنسا وإيطاليا وغيرهما. وقد اتخذت من بشاعة الحروب وخطورتها على الإنسان مبرراً للانتشار السريع. وترى حرية الإنسان في عمل أي شيء متحللاً من كل الضوابط. وهذا المذهب يعد اتجاهاً إلحاديًّا يمسخ الوجود الإنساني ويلغي رصيد الإنسانية.

انتشرت أفكارهم المنحرفة المتحللة بين المراهقين والمراهقات في فرنسا وألمانيا والسويد والنمسا وإنجلترا وأمريكا وغيرها حيث أدت إلى الفوضى الخلقية والإباحية الجنسية واللامبالاة بالأعراف الاجتماعية والأديان.

ويتضح مما سبق:

أن الوجودية اتجاه إلحادي(*) يمسخ الوجود الإنساني ويلغي رصيد الإنسانية من الأديان وقيمها الأخلاقية. وتختلف نظرة الإسلام تماماً عن نظرية الوجودية حيث يقرر الإسلام أن هناك وجوداً زمنياً بمعنى عالم الشهادة ووجوداً أبديًّا بمعنى عالم الغيب. والموت في نظر الإسلام هو النهاية الطبيعية للوجود الزمني ثم يكون البعث والحساب والجزاء والعقاب.

أما الفلسفة الوجودية فلا تسلم بوجود الروح ولا القوى الغيبية وتقوم على أساس القول بالعدمية والتعطيل فالعالم في نظرهم وجد بغير داع ويمضي لغير غاية والحياة كلها سخف يورث الضجر والقلق ولذا يتخلص بعضهم منها بالانتحار.





















مصادرالفصل ومراجعه :‏
- ابراهيم، زكريا (1976) مشكلة البنية – أضواء على البنيوية، مكتبة مصر، القاهرة .‏
- أبوزيد، أحمد (1977) ماذا يحدث في علوم الإنسان والمجتمع، مجلّة عالم الفكر، الكويت،مجلّد 8، العدد (1) .‏
- أبوزيد، أحمد (2001) الطريق إلى المعرفة، كتاب العربي 46، مجلّة العربي، الكويت .‏
- برمان، غليز (1983) قوانين التطوّر الاجتماعي – طبيعتها واستخداماتها، دار التقدّم،موسكو .‏
- حجازي، محمود فهمي (1972) أصول البنيوية في علم اللغة والدراسات الأنثروبولوجية،مجلّة عالم الفكر، عدد حزيران (يونيو)، الكويت.‏
- حمدان، زياد (1989) الثقافات الاجتماعية المعاصرة، دار التربية الحديثة، عمّان .‏
- رونتال و يودين (1984) الموسوعة الفلسفيّة، ترجمة : سمير كرم، دار الطليعة، بيروت .
- زكريا، فؤاد (1980) الجذور الفلسفية البنائية، مجلّة كليّة الآداب، العدد الأوّل،جامعة الكويت .‏
- فهيم، حسين (1986) قصّة الأنثروبولوجيا- فصول في تاريخ الإنسان، عالم المعرفة (198)، الكويت .‏
- لبيب، الطاهر (1987) سوسيولوجية الثقافة، دار الحوار، اللاذقية .‏
- هرسكوفيتز، مليفيل. ج (1974)، أسس الأنثروبولوجيا الثقافية، ترجمة : رباح النفاخ،وزارة الثقافة، دمشق .‏
- Freidle , John (1977) Anthropology , Harper and Row Publishers , New York .
- Harris, Marvin (1968) A History of Theories of Culture, Thomas Crowell Company , New York .
- Kessing ,Roger (1981) Culture Anthropology : A Contemporary perspective , Holt Rinehart and Winston , 2 th Edition

الوجودية وواجهتها الصهيونية، د. محسن عبد الحميد.
- مباحث في الثقافة الإسلامية، د. نعمان السامرائي.
- سقوط الحضارة ، كولن ولسن.
- دراسات في الفلسفة المعاصرة، د. زكريا إبراهيم.
- الوجودية المؤمنة والملحدة، د. محمد غلاب.
- عقائد المفكرين في القرن العشرين، عباس محمود العقاد.
- المذاهب المعاصرة وموقف الإسلام منها، د. عبد الرحمن عميرة.

التوقيع
ليس بإنسان ولا عالم من لايعي التاريخ في صدره
ومن درى أخبار من قبله أضاف أعمارا إلى عمره

صديق القمر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
الحديث, العشر, الفلسفة, نظريات

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الفلسفة العربية : تاريخ الفلسفة الإسلامية بين التماثل والاختلاف مسيكة محمد فلسفة 0 20-05-2015 01:34 AM
الفلسفة العربية : تاريخ الفلسفة الإسلامية بين التماثل والاختلاف مسيكة محمد فلسفة 0 20-05-2015 01:29 AM
بحث حول نظريات الاستثمار الاجنبي أسماء الإقتصاد والمناجمنت 1 12-11-2012 10:50 AM
مواضيع ماجستير : نظريات الاعلام والاتصال صديق القمر مسابقات الماجستير 2015 0 31-07-2012 07:03 PM
بحث حول النهضة العربية في العصر الحديث صديق القمر تحميل بحوث ومذكرات جاهزة 1 15-11-2010 04:11 PM

sitemap

الموقع يخضع لسياسة ادسنس لقراءة الشروط بالعربية انقر هنا أو بالانجليزية Google Adsense Privacy Policy   

 abuse@alg17.com


الساعة الآن 10:42 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.11 Alpha 3
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
adv helm by : llssll
المواضيع المنشورة في المنتدى تعبر عن رأي اصحابها وجميع المواضيع التي تخالف سياسة الموقع يتم حذفها

Search Engine Friendly URLs by vBSEO

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138