اسباب الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال

طلبة ليسانس تاريخ , ماستر , دكتوراه , مقالات ومواضيع وكتب في التاريخ



إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 23-08-2015, 06:27 PM   #1

 
الصورة الرمزية صديق القمر
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
المشاركات: 1,595
إرسال رسالة عبر Skype إلى صديق القمر
افتراضي اسباب الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال

هناك عدة عوامل تجعل وضع المهاجرين الجزائريين مختلفا ًَ عن بقية المهاجرين الاخرين إلى فرنسا . العامل الاول هو اختلاف الثقافة العربية الاسلامية عن الثقافة الكاثوليكية لدى المهاجرين الاسبانيين والبرتغاليين والبولونيين . فانتماء الجزائريين إلى ثقافة غير اوربية جعلتهم يعدون جنسا ً ليس في مستوى الجنس الاوربي المتحضر . والعامل الثاني هو انتشار الامية بين الجزائريين ، وقد نتج عن عدم اجادة العدد الكبير منهم القراءة والكتابة حرمانهم من الحصول على وظائف عالية وصعوبة المخاطبة مع زملائهم في المجتمع الفرنسي . واذا كان ليس من ذنب فرنسا ان يكون الايطاليون والاسبانيون المهاجرون اليها فقراء ويعيشون في بؤس فأنها تعد مشاركه ومذنبة في حق هؤلاء الجزائريين .
وبالنسبة للاسباب المباشرة للهجرة فأنها كثيرة وسنحاول هنا اعطاء نظره عامة عنها حتى يتسنى لنا ان نأخذ فكرة واضحة عن الدوافع الرئيسة للهجرة . وستجري مناقشتها على النحو الآتي :-
1- الاسباب الاقتصادية
****************
ان الجالية الاوربية بالجزائر لم تكن وحدها المسؤولة عن عرقله المساعي المبذولة لقيام صناعه بالجزائر وتوفير العمل لعدد لا يستهان به من العمال الجزائريين . صحيح ان المعمرين الــفرنسيين
الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
بالجزائر عارضوا انشاء صناعات ثقيلة لانها ستؤدي إلى رفع الاجور ، لكن فرنسا هي التي احجمت عن تـــصنيع الـــجزائر وذلك رغبة منها في ابقاء هذه الاخيرة تابعه للاقتصاد الفرنسي (1) ، كما ان رجال الاعمال الفرنسيين رفضوا استثمار اموالهم في الجزائر وتصنيعها لان اجور اليد العاملة منخفضة والبضائع القادمة من فرنسا لا تستطيع ان تتنافس مع ما ينتج في الجزائر . لهذا فأن الاقتصاد الفرنسي سيلحقه ضرر كبير فيما اذ تصنعت الجزائر (2) .

اما في فترة ما بين الحربين فقد ارتفع عدد المؤسسات ذات الطابع الصـــناعي إلى( 20540)مـؤسـسـة خلال عام 1924 ، وعدد العمال فيها ( 110230 ) عاملا ً .

ان هذه المؤسسات لم تكن قدرتها الاستيعابية لا تزيد على خمسة عمال . وهذا يعطينا صورة عن انعدام الصناعة القادرة على امتصاص اليد العاملة في الجزائر .كما ان هذه المؤسسات ذات الطابع الصناعي كانت تشغلها أياد فنية اوربية في معظمها ، وكانت اليد العاملة الاجنبية، التي تمثلت بالعمالة الاسبانية في ولاية وهران، والعمالة الايطاليه والمالطيه في ولاية قسنطينة،تشكل منافسا ً خـــطيرا ً لليد العاملة
____________________________
(1) مها ناجي حسين ، العلاقات الجزائرية الفرنسية ( دراسة تاريخية في تطور العلاقات السياسية والاقتصادية ( 1954 – 1978 ) ، رسالة ماجستير غير منشورة ، كلية التربية للبنات ، جامعة بغداد ، 2001 ، ص173 .
(2) تذكر مصادر اخرى اسبابا ً اكثر واقعية عن انعدام الصناعة في الجزائر فترجعها إلى عدم التأكد من بقاء الجزائر فرنسيه ، وان السلطة الفرنسية تفضل ابقاء الجزائر سوقا ً لمنتوجاتها ، ينظر : زوزو عبد الحميد ، المصدر السابق ، ص43 .
الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
الجزائرية في الميدانين الصناعي والزراعي ، ولم تخف منافسة هؤلاء للجزائريين الا في الثلاثينات بسبب ازمة التبادل بين الحكومتين الفرنسية والايطالية (1) .

ولم تتغير نظره تصنيع الجزائر الا في الحرب العالمية الثانية وذلك بعد ان وقعت فرنسا في قبضة المانيا ، وقد حصل ذلك في عام 1944 عندما قررت الحكومة السماح بقيام صناعات خفيفه وذلك رغبة منها في ادخال نظام اللامركزية في الصناعات الفرنسية ، وقد حدد دور الجزائر لتكون مصدرا ً للمنتجات الزراعية والمنجمية للدولة الاستعمارية ، فأدى ذلك إلى ضعف الصناعة وتدهورها (2) .

ان انعدام الصناعة التي هي المصدر الرئيس لدخل الافراد في عصرنا هذا ، يجعلنا نلقي نظرة على المصدر الثاني للدخل وهو الفلاحة. والمشكلة هنا ان الاراضي الجزائرية الخصبة في يد المعمرين، وذلك لان النظام الفرنسي كان هدفه في الجزائر استغلال الارض وتعميرها عن طريق الاوربيين من جنسيات مختلفة على حساب سكان تلك المناطق . وهذا ما يفسر تساوي عدد الاجانب بعدد الفرنسيين منذ
____________________________
(1) زوزو عبد الحميد ، المصدر السابق ، ص43 – ص44 .



(2) عبد المالك خلف التميمي ، المصدر السابق ، ص193 .
الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
الاحتلال عام 1830 حتى عام 1886 ، بل كان عددهم في بـعـض المناطق يفوق عدد الفرنسيين كما هي الحال في مدينة وهران عام 1896 (1) .

وفي اعقاب انتفاضة عام 1871 التي قادها محمد المقراني في منطقه القبائل ، اقتطع الفرنسيون في الجزائر مساحة ( خمسمائه الف هكتار ) من الاراضي ، عقابا ً لسكان المنطقة ، وخلال الثمانينات من القرن نفسه تم منح الشركات الاجنبية مساحات بلغت ( مئه واربعه واربعين الف هكتار ) . وفي ذات الوقت منح الفرنسيون ( مئه وستين الف ) هكتار من الغابات لعدد كبير من الاجانب والفرنسيين ، فضلا ً عن اربعمائه واربعين قرية استيطانية اقامها النظام الفرنسي بين اعوام 1840 – 1900 (2) .

وعندما هزمت فرنسا امام المانيا عام 1870 ، وخسرت مقاطعتي الألزاس واللورين ، قام الفرنسيون بنقل اعداد كبيرة من العوائل الفرنسية إلى الجزائر ومنحها اراضي ، موفره لهم اسباب الاســـتــــقــــرار فــــي الــــجـــزائـر (3) .
___________________________
(1) زوزو عبد الحميد ، المصدر السابق ، ص38 .
(2) صحيفة المجاهد ، الصحيفة الرسمية لحزب جبهة التحرير الوطني الجزائري ،الجزائر ، 16 حزيران 1959 .


(3) صلاح العقاد ، محاضرات عن تطور السياسة الفرنسية في الجزائر ، ص30 .

الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
وقد شجع هؤلاء المستعمرون الذين سيطروا على الاراضي الخصبة ، الزراعة التي تنتج المواد الاولية التي تدخل في الاقتصاد الفرنسي ، دون أي اهتمام بحاجات السكان الجزائريين ، فقد كان زراع الكروم ينتجون عشرين مليون طن كل عام (1) . كما ان زراعة القمح التي تعد اهم مصدر غذائي بالنسبة للجزائريين ، عدها الفرنسيون زراعة ثانوية (2) .

وهكذا اصبح حال الفلاح الجزائري يرثى له حتى وصفه الحاكم العام في الجزائر موريس فيوليت Mores Veoleit " وكيف لا يتأثر الانسان تأثرا ً عـميقا ً لحالة الفلاح البائس الذي يعمل بوسائل بدائية إلـــى ابــعـــد حــــد ويـــحـــرث بــــهـــا
____________________________
(1) لقد مرت فرنسا في عام 1887 بأزمة نتيجة انتشار حشرة (Phyloxerato) التي قضت على شجرة الكروم في فرنسا ، فكان لا بد من تعويض ذلك عن طريق العناية بالكروم في الجزائر ، ولذلك جاء زراع الكروم في مقاطعه " الميدي " في فرنسا إلى الجزائر ، وهكذا ازدادت زراعة الكروم زيادة هائلة حتى بلغت مساحتها عام 1888 ( 000 , 103 ) هكتار بعد ان كانت قبل عشر سنوات ( 000, 20 ) هكتار . وقد كانت لهذه السياسة اثرها البالغ في المواطن الجزائري ، حيث ادت إلى اختلال التوازن بين السكان الذين يزداد عددهم سنوياً وكمية الغذاء التي يحتاجون اليها . وعدت هذه الخطه ذات فائدة كبيرة بالنسبة للمهاجرين الـفرنسيين والاجانب ، ذلك لان الهكتار الواحد عند زراعته بالكروم يجلب ربحا ً لا يقل عن ( 90 الف فرنك ) ، في حين ان الهكتار من الحبوب لن يجلب اكثر من( 12 الف فرنك ) من الارباح ، للمزيد ينظر : ناصر الدين سعيدوني ، الجزائر منطلقات وافاق ، دار الغرب الاسلامي ، بيروت ، 2000 ، ص34 – ص36 .
(2) خرنان مسعود بن موسى ، المصدر السابق ، ص19 .
الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
الصخور التي طرد اليها وكيف لا يذهل الانسان لوضع المرأه التي ترتدي الاسمال وتساعد حيوانات الجر لحراثه بعض القطع الصغيرة ، بمحراث غالبا ً ما يكون من خشب ... وغله هذه الارض هي غله ضئيلة هزيلة تتراوح بين اربـــعمائة وخمسمائه كيلو غرام في الهكتار ، واحيانا ً لا تنتج ما يعادل البذور " (1) .

فقد وجد الفلاح الجزائري نفسه امام خيارين لاثالث لهما اما البقاء على ما هو عليه والعيش في بؤس شديد في ارضه ، او الهجرة والبحث عن عمل يمكنه من سد احتياجاته الضرورية وتوفير العيش لبقية افراد اسرته ، كتوفير الملبس والمأكل التي شحت بمرور الوقت بعد تمركز الفرنسيين في الجزائر إلى درجه انها لم تعد كافية لسد متطلبات السكان اللازمة والضرورية .

اما تربية المواشي فقد اصبحت هذه الحرفه قليلة الفائدة بسبب الغاء معظم المراعي وارتفاع الضرائب التي يطلبها المعمرون في مقابل السماح للمواشي بالرعي في اراضيهم بعد الحصاد ، وهذا ما جعل تربية الماشية في الجزائر تتناقص بمرور الزمن على الرغم من ان الجزائر كانت تملك قبل عام 1914 تسعه ملايين رأس ، اما في عام 1950 فــلــم يـكن في الجزائر اكثر من اربعه ملايين رأس (2) .
____________________________
(1) نقلا ً عن : خرنان مسعود بن موسى ، المصدر السابق ، ص19 .
(2) ابراهيم كبه ، اضواء على القضية الجزائرية ، مطبعة الرابطه ، بغداد ، 1956 ، ص31 -32 .

الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
فالشعب الجزائري عاش في بؤس اقتصادي كبير ، مطرودا ً من ارضه الخـــصبة ، مرغما ً على الاحتماء بالهضاب الجرداء الصـخرية بـعـد ان سـيـطـر المستعمرون الفرنسيون على الاراضي الخصبة (1) .

وهكذا فأن الجزائريين الذين بلغوا سن العمل في فترة الاحتلال تقاسموا العمل والانتاج مع الافراد انفسهم الذين كانوا يقومون بأستغلال هذه الاراضي ونتج عن ذلك تضاؤل فرص العمل في القطاع الزراعي الذي لم يعد قادرا ً على استيعاب الطاقات البشرية المتوفر لديه (2) .

والعامل الاخر الذي ساعد على تطوير انتاج المعمر الاوربي هو القرض الـمـالـي المخصص للتنمية الزراعية فاحصائيات عام 1952 تشير إلى حصول ( 316 , 16 ) معمر اوربي على اعانات مالية وقروض قدرت قيمتها بحوالي ( 222 , 16 ) مليون فرنك ، في حين ان الملاكين المسلمين الذين استفادوا من قروض او اعانات مالية لم يزد عددهم عن ( 447 , 8 ) ولم يتجاوز حجم المساعدات المقدمة اكثر من ( 2684 مليون فرنك ) . وكان لهذا النوع مــن المساعدات
____________________________
(1) ابراهيم كبة ، المصدر السابق ، ص58 .

(2) عمار بوحوش ، اسباب الهجرة إلى فرنسا ، مجلة الثقافة ، الجزائر ، العدد (14) ، نيسان 1973 ، ص53 .
الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
الاثر البعيد في حياة الاوربيين حيث قدر معدل الدخل السنوي للفلاح منهم في عام 1954 . بما يعادل 000, 770 فرنك بيــنما كــان مـعـدل دخل الفلاح الجزائري في تلك السنه 000 , 22 فرنك (1) .

وكان للتغير الاقتصادي الكبير في فرنسا ، اثر في تشجيع الهجرة الجزائرية اليها ، خاصة ، في الربع الاول من قرن العشرين ، بعد اهتمام الحكومة الفرنسية بتوسيع الصناعة وتطوير السياسة الاقتصادية لكي تتماشى مع التقدم السريع الذي بلغته دول اوربا الغربية. لذلك كانت بحاجة شديدة إلى اليد العاملة التي تسد حاجيات المصانع الفرنسية فاتجهت انظار رجال الاعمال الفرنسيين إلى الاستعانة بالمهاجرين الجزائريين وخاصة في الوظائف التي لا تحتاج إلى مهارة فنية فائقة (2) . كما ان انخفاض اجور العمل في الجزائر وارتفاع الرواتب الشهرية في فرنسا كانت سببا ً رئيسا ً للهجرة ، وكانت عروض العمل قليلة وفرص العثور على وظائف قليلة والسبب هو ان الجالية الاوربية التي كانت تقوم بتشغيل عدد محدود من العمال، لم تستطع الاستفادة من الطاقات البشرية الجزائرية بأقل التكاليف ، فلذلك كانت قلة فرص العمل ألحقت اضرارا ً بالغه سواء بالـعاملين او
____________________________
(1) عمار بوحوش ، اسباب الهجرة إلى فرنسا ، ص54 .


(2) عبد المالك خلف التميمي ، المصدر السابق ، ص191 .

الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
العاطلين ، وكان العامل الذي يحصل على عمل لا يمكنه المطالبة بأجور عالية ومدخوله سيبقى محدودا ً ما دام هناك عدة افراد على استعداد للقيام بالعمل نفسه بدون قيد او شرط، فالاحصائيات الفرنسية التي نشرت في عام 1954 تشير إلى ان كل واحد من اثنين من الجزائريين، أي نصف اليد العاملة تقريبا ً لم تكن تجد فرصه للعمل ، والذي يجد فرصته للعمل ، فأن الاجور تكون منخفضة ولا تغطي حتى ما يحتاجه. وكان هناك حوالي ( 000 , 300 ) عامل بالجزائر يعملون في الصناعة والتجارة ومدخول ( 000 , 200 ) من هؤلاء العمال كان لا يتجاوز ( 000 , 20 ) فـرنـك شـهـريـا ً . فكان معدل دخل العامل الجزائري في الجزائر يتراوح بين ( 74 – 91 ) فرنك في الساعة ، بينما نجد ان معدل دخل العامل في فرنسا ( 5 , 121 ) فرنك في الساعة . كما ان العامل الجزائري لم يكن من حقه الحصول على المنحة العائلية واستمر ذلك حتى عام 1941 (1) .

امــا التجارة الداخلية والخارجية فكانت بيد الفرنسيين والاوربيين (2)
____________________________
(1) عمار بوحوش ، العمال الجزائريون في فرنسا ، ص152 –153 .
(2) لا توجد إحصائيات دقيقة عن التجارة الداخلية في الجزائر خلال هذه الفترة . اما التجاره الخارجية فقد كان حجم التبادل مع الخارج قد تطور من سبعه ملايين فرنك عام 1831 إلى(559)مليون فرنك عام 1900،وفي عام 1913 بلغ حجم التبادل(1292)مليون فرنك ثم ارتفع إلى القمه في عام 1930 حيث بلغ (10) ملايين ونصفا من الفرنكات . ومنذ هذا التاريخ حتى عام 1936 كان حجم التبادل في انخفاض بسبب الازمة الاقتصادية لكلفه بدأ في الانتعاش من جديد منذ 1937 حيث كان حجم التبادل 6794 مليون فرنك ينظر : زوزو عبد الحميد ، المصدر السابق ، ص43 .
الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
ويكفي ان نقول ان تزايد نسبتهم في المدن الجزائرية على مر الاعوام قد اكد سيطرتهم على حركه التجارة بنوعيها الداخلية والخارجية (1) .
وهكذا اصبح المواطن الجزائري مهددا ً بالمجاعة والمرض ، حتى ان المنظمات الدولية التابعة لهيئة الامم المتحدة ذكرت بأن مستوى المعيشة في الجزائر ، يعد اوطأ مستوى في العالم ، وهذا ما اكده التقرير المقدم إلى البرلمان الفرنسي ، الذي اكد " ان مستوى معيشة المواطن الجزائري على درجة مروعة من الانخفاض ، اذ ان الطاقة الغذائية التي يحصل عليها من غذائه لا تتجاوز الثلث من معدل ما يحصل عليه الاوربي " (2) .
وهكذا نجد بأن العامل الاقتصادي خلال هذه المرحلة ، يأتي في مقدمة الاسباب التي دفعت إلى تزايد اعداد المهاجرين وفقا ً للقاعدة التي تقول ان الجزائر وظروفها المعاشية كانت بيئه طاردة على اساس ان كثيرا ً من الجزائريين . لاسيما الذين لم يجدوا عملا ً لم يستطيعوا تحمل الحالة المضنية في بلادهم ، بينما كان انتعاش الاقتصاد الفرنسي خاصة بعد الحرب العالمية الثانية عاملا ً جاذبا ً للمواطن الجزائري العاطل عن العمل (3) .
وقــد كـان لحــــجم العائله الجزائرية اثر كبير في دفع
____________________________
(1) زوزو عبد الحميد ، المصدر السابق ، ص43 .
(2) ازغيدي محمد لحسن ، تطور ثورة التحرير الوطني الجزائري 1956 – 1962 ، رسالة ماجستير غير منشورة ، كلية الاداب ، جامعة بغداد ، 1987 ، ص33-34 .
(3) رئيس حسين ، المصدر السابق ، ص88 .
الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
الجزائريين إلى الهجرة محاولين تحسيين اوضاعهم الاجتماعية والمالية، وهذه الظاهره تنطبق على عدد كبير من الاشخاص الذين كانوا يملكون محلات تجارية بسيطة او وظائف فنية في الادارات الحكومية ، فأن مدخول التاجر او الموظف البسيط حتى عام 1951 كان لا يتجاوز ( 350 , 42 ) فرنك وهذا الراتب لا يكفي للحصول على الحاجات الاساسية ، ولذلك تحتم على كثير من الافراد البحث عن عمل اضافي يمكنهم من التغلب على المصاعب المادية التي يجابهونها ، وفي حالة الفشل في ذلك ، يشرعون في التفكير في الهجرة إلى الخارج ما داموا لم يوفقوا في تحسين وضعهم ببلادهم لذلك توجهوا إلى فرنسا أملين ان يـنـالـوا مرتبات عالية تمكنهم من تلبية طلبات افراد عائلاتهم(1) .
وكـان العمال غالبا ً ما يذهبون إلى باريس وضواحيها التي تكثر فيها المصانع والمعامل ، وكان يعمل فيها ( 27% ) من العمالة الجزائرية (2) ،وفي المرتبة الثانية تأتي المقاطعات الواقعه على حدود ألمانيا ، حيث صناعات الحديد في مقاطعات الموزل ومرتفعات الفوج والراين الاعلى ، ثم مجموعات في الوسط الشرقي عن مدينه ليون وسنت اتين في الشمال على حدود بلجيكا حيث مناجم الفـــحم ومـصانع النسيج (3) ثم في الجنوب وعلى الاخص في مرسيليا (4) . ونــلاحــظ في الجدول رقم (5) توزيع المهاجرين في قطاعات العمل بفرنسا
____________________________
(1) عمار بوحوش ، العمال الجزائريون في فرنسا ، ص153 –154 .
(2) عيسى محمد ، مشكله الهجرة الجزائرية إلى اوربا وعلاقتها بالتنمية الاقتصادية ، مجله افاق عربية ، بغداد ، العدد (11) ، 1977 ، ص6 .
(3) فيليب رفله ، جمهورية الجزائر ، ص39 .
(4) Charles F.Gallagher , op . cit . p . 204 .
الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******



يتبع
التوقيع
ليس بإنسان ولا عالم من لايعي التاريخ في صدره
ومن درى أخبار من قبله أضاف أعمارا إلى عمره

صديق القمر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 23-08-2015, 06:28 PM   #2

 
الصورة الرمزية صديق القمر
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
المشاركات: 1,595
إرسال رسالة عبر Skype إلى صديق القمر
افتراضي رد: اسباب الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال

ومن خلال دراسة الجدول نلاحظ بأن معظم المهاجرين يمارسون اعمالا ً تعتمد على الجهد البدني ، والتي تدل على ان النسبة كبيره من العمالة الجزائرية المهاجرة غير متخصصة .

كانت لفرنسا رغبة في تسهيل الهجرة لامتصاص العناصر النشطة الجزائرية وتشغليهم في المناطق القاصية في فرنسا ، لاسيما ان فرنسا بحاجة إلى عمال ، فضلا ً عن اخلاء الجزائر من عناصر مناوئه ونشطة ، فضلا عن هولاء العمال الجزائريين كان هناك اعداد كبيرة من العمال من جنسيات اخرى في فرنسا قدرت اعدادهم بـ 598 الـــف ايطالي و 246 الف اسباني و 332 اللف بولوني ، و 132
____________________________
(1) صبحي فندي الكبيسي ، التكامل العربي في مجال القوى العاملة ، رسالة ماجستير غير منشورة ، كلية الادارة والاقتصاد ، جامعة بغداد ، 1982 ، ص270-271 .
الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
الف بلجيكي ، و 60 الف الماني ، و 55 الف سويسري، و 335 الف من جنسيات اخرى ( وحسب احصائية عالم 1955 – هـنـاك مليونا ونصف مليون عامل اجنبي ) (1) .

ومعنى هذا انه لا يوجد لفرنسا فضل في تشغيل العمال الجزائريين في فرنسا بل ان حاجتها إلى الايدي العاملة كانت شديدة .

ولا شك في ان الدافع الرئيس للهجره إلى فرنسا خلال هذه الفترة كان الدافع الاقتصادي ، نتيجة نظام اقتصادي شاذ اقيم خصيصا ً لصالح الاقلية الاوربية . وقد اصبح الوضع معه يفوق احتمال الجزائريين ، وبدت لهم فرنسا حينذاك مهربا ً من الحاله المضنية في بلدهم .

2- الاسباب السياسية
***************
عندما دخل المستعمر الفرنسي الجزائر في الخامس من تموز 1830 ، حاول بكل جهده القضاء على حضارة الشعب الجزائري والـــعمل على فرنسته ، وقمع أية حركة وطنية ، وبطرق وحشية ،
____________________________
(1) فيليب رفله ، جمهورية الجزائر ، ص36-37 .


الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
واعتقال الوطنيين ، واعدام الآلاف منهم ، إلى جانب حرمان الشعب من جميع حقوقه ، والحاقه بفرنسا (1) .

ان الادارة الفرنسية ، سخرت كل شيء لضمان سيادتهم ، وتثبيت امتيازاتهم في الجزائر ، فأخذت بطرد الجزائريين من المناصب الادارية ، عدا بعض الوظائف الدنيا ، وكان الحاكم الفرنسي العام للجزائر يجمع السلطات بـيـده ِ كافه ، ويتصرف بها بشكل دكتاتوري ، فهو غير مسؤول الا امام الحكومة الفرنسية (2) .

وقــد قـسـمت الجزائر اداريا ًَ إلى قسمين : مقاطعات الجنوب الخاضعة مباشرة للسلطات العسكرية الفرنسية ، ومقاطعات الــشمال حـيـث يـخـول نظام ( البلديات المختلطة ) (3) القائم فيها
____________________________
(1) احمد الجزائري ، كيف دخل الفرنسيون الجزائر ، دار الكتاب الجديد ، الجزائر 1962 ، ص25-30 .
(2) اسماعيل دبش ، السياسة العربية والمواقف الدولية تجاه الثورة الجزائرية ( 1954 – 1962 ) ، دار هومة للطباعة والنشر ، الجزائر ، 1999 ، ص17 .
(3) كانت تحت الرقابة المباشرة للاداريين الفرنسيين يسميهم والي العمالة ويملكون كل السلطات لمعالجه أي موقف شخصي وحالي . ولهؤلاء الاداريين مساعدون ومستشارون جزائريون تعينهم السلطة الفرنسية ايضا ً . وقد كان هؤلاء الاداريون مصدر شكوى متواصلة من الجزائريين ، لانهم كانوا يملكون قوة مطلقة . وكانت هناك نوعان من البلديات ( بلديات كومون ) وهي بلديات ذات سلطات كاملة حيث كان عدد المعمرين فيها كبيرا ً وبلديات مختلطة حيث كان عددهم قليلا ً للمزيد ينظر : ابو القاسم سعد الله ، المصدر السابق ، ص32-33 .
الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
للموظفين الاداريين الفرنسيين ، فرض سلطتهم بالقوة على السكان العرب ، دون حسيب او رقيب (1) . وحرم الجزائريون من الاشتراك في المجالس الاقليمية . هذا فضلا ً عن حرمانهم من الاشتراك في انتخاب نواب المعمرين ، الذين يمثلوهم في برلمان باريس ، الا من تنازل عن قانون الاحوال الشخصية الاسلامي ، وهذا نادر الحدوث في ذلك الوقت.


والمظهر الوحيد لمشاركه الجزائريين في الحياة العامة ، هو اشتراكهم في بعض المجالس البلدية والقروية ، وكانت مشاركتهم في المجالس البلدية ذات اهمية قليلة ، ولم يكن لهم رأي بل كانوا كما يسمونهم المعمرين " بني وي وي – Oui – Oui " الذين لا يستطيعون الا ان يرددوا في المجالس كلمة نعم نعم .


وعندما طلب بعض الجزائريين اللذين اعتنقوا المسيحية مساواتهم في الحقوق مع الاوربيين ، اعترض ( مـجلس الوفود ) (2)
____________________________
(1) ابراهيم كبه ، المصدر السابق ، ص33-34 .
(2) وهو مجلس مالي مثل المصالح الاقتصادية في الجزائر عام 1898 ، ويتألف هذا المجلس من اربعة وعشربن عضوا ً عن المعمرين الزراعيين واربعة وعشرون عضوا ً عن الاوربيين من اصحاب الحرف والصنائع ، مثل السكان الاصلييون بـ واحد وعشرين عضوا ً بينهم تسعه عن البربر،وينتخب الاوربيون ممثليهم كل ست سنوات بالاقتراع العام، اما السكان الاصليون فيتولى اعضاء المجلس البلدي انتخاب ممثليهم . وكان هذا المجلس بيد المعمرين وكانت اختصاصاته محدودا ً ، فأعترض المعمرون على ذلك فوسعت صلاحياته في 24 كانون الاول 1900 . للمزيد ينظر : صلاح العقاد ، المغرب العربي – الجزائر ، تونس، المغرب الاقصى – دراسة في تاريخه الحديث واحوالة المعاصرة ، ط3 ، مكتبة الانجلو المصرية ، القاهرة ، 1969 ، ص165-166 .
الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
بأنه لا يجوز عَد المسلم كاثوليكيا ً . وهذا دليل على ان كلمه مسلم لا تعني في اذهـان المعـمرين دينا ً معينا ً ، بل جنس السكان الاصليين المحتقر بالنسبة اليهم (1) .

اما بالنسبة للسلطة التشريعية فقد خضع السكان الاصليون لنوع من القضاء الاداري الذي لا تتوفر فية الضمانات المعروفة في فرنسا ، لان السكان الاصليين ( لايردعون الا اذا كان الحكم سريعا ً وقاسيا ً )، ولذلك انشئ نوع من المحاكم الخاصة والردعية ، تصدر منها الاحكام بسرعة ، رأسها رئيس البلدية او احد ممثلي الادارة . وكذلك حولت جميع محاكم الجنح إلى محاكم جنايات ، وسحبت جميع اختصاصات المحاكم الشرعية ، فيما عدا الاحوال الشخصية وقد بدأ الفرنسيون بتطبيق القانون المدني الفرنسي على السكان البربر(2) قبل العرب ، اعتقادا ً منهم بأن البربر لم يتأثروا بالاسلام الا سطحيا ً ، وبالتالي يــمــكــن ادمــاجــهــم بــطــريقة ايسر من العرب .
____________________________
(1) صلاح العقاد ، محاضرات عن تطور السياسة الفرنسية في الجزائر ، ص38-39 .
(2) هم سكان شمالي افريقيا القدامى ، انتشروا في المغرب والصحراء الكبرى حتى تخوم مصر وبعض جزر البحر المتوسط ، عرفوا في التاريخ باسماء عديدة منها ( الامازيغ ) وتعني في اللغة البربرية ( الاحرار – الاشراف ) . اختلف المؤرخون في اصولهم . فمنهم من ارجعهم إلى عروق اوربية ، ومنهم من قال بأنهم ينحدرون من اصول سامية شرق اوسطية . للبربر قبائل عديدة اشهرها : زناتة وصنهاجة وكتامة تعربت اغلبها ، واصبح من العسير التميز بين البربر والعرب بعد اربعة عشر قرنا ً من التاريخ المشترك . ينظر : عبد الوهاب الكيالي ، موسوعة السياسة ، ج1 ، ط3 ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، 1986 ، ص512 .

الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
وقد جمعت القوانين السارية على الجزائريين في قانون يـسـمـى ( قانون الوطنيين ) وهو عبارة عن عده استثناءات تتحول بمقتضاها اختصاصات السلطة القــضائية إلى السلطة الادارية ، ورفع بعض الضمانات عن حرية الافراد ، واهم هذه الاستثناءات هي : (1)
1- سلطة الحاكم العام في توقيع العقوبات دون محاكمة من اجل المحافظة على الامن العام .
2- الاخذ بمبدأ المسؤولية الجماعية عند وقوع جناية في حي من الاحياء او قبيلة من القبائل .
3- السماح للادارة بحبس الاشخاص او مصادرة املاكهم دون حكم قضائي .
4- وجوب حمل الجزائريين لترخيص خاص اذا ارادوا التنقل بين اقاليم الجزائر المختلفة .
5- توسيع سلطة القاضي ، ومنحها لمدير البلديه في حاله عدم وجود قاض ٍ بحيث تشمل الغرامات للاسباب الاتية :
أ- التلفظ بعبارات معادية لفرنسا .
ب- رفض السخرة او العمل في المزارع الاوربيه في اثناء الحصاد .
جـ - احداث أي نوع من انواع الشغب او مخالفة التقاليد المهذبه كالبصق في الطريق العام .
د- عدم الاذعان لاوامر ( القاده ) العمد .
هـ - الـــتـــأخـــر فــــي دفــــع الــضــرائــــب .
____________________________
(1) صلاح العقاد ، محاضرات عن تطور السياسة الفرنسية في الجزائر ، ص39-41 .
الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
وفقد ظلت هذه القوانين سارية المفعول حتى عام1919 ، حين خففت وألغي بعضها مكافأة للجزائريين على اشتراكهم في الحرب العالمية الاولى. إن من اهم القوانين الفرنسية التي طبقت في الجزائر ، القانون الذي صدر عام 1865 ، الذي نص على ان الجزائري المسلم هو فرنسي ومع ذلك يظل خاضعا ً للتشريع الاسلامي ، ويمكن للجزائري المسلم ان يحصل على حق المواطن الفرنسي اذ ، طلب ذلك وعندها ينطبق عليه القانون الفرنسي ، واذا اراد الاحتفاظ بالتشريع الاسلامي ، فليس له حقوق المواطن الفرنسي ، أي ان الجزائري رعوية فرنسية من حيث الجنسية ولكن ليس مواطنا ً له حقوق المواطن الفرنسي اذا ظل محتفظا ً بتشريعه الاسلامي (1) . ومعنى ذلك ان على المواطن الجزائري إذا اراد ان يباشر حقوقه السياسية ان يتنازل عن القواعد والحقوق التي شرعها الاسلام وجرى بها الشرع والعرف بين المسلمين في جميع الانحاء وعلى اختلاف العصور . لذلك لم يكن غريبا ً ان يتمسك المسلمون الجزائريون عامة بدينهم وان ينبذوا المسلمين المتـفرنسيين ويمـتنعوا عـن مصاهرتهم وعن دفنهم في مقابر المسلمين (2) .

وعلى الصعيد نفسه حرم الجزائريين المسلمين من ايه صفة من صفات المواطنة ، ولم يتمتعوا بأي حق من حقوق الفرنسيين ، رغم ان
____________________________
(1) فيليب رفله،الجمهورية الجزائر،ص36؛ العماد مصطفى طلاس،المصدر السابق،ص67.
(2) محمد رفعت ، التوجيه السياسي للفكرة العربية الحديثة ، دار المعارف ، القاهرة ، 1964 ، ص452 .
الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
عليهم الالتزامات والواجبات نفسها التي يخضع لها الفرنسي لكنهم محرومون من ابسط الحريات الديمقراطية (1) .

ان هذه القوانين جعلت المواطن الجزائري يفكر بالهجرة ، كما قامت الادارة الفرنسية بخرق الشريعه الاسلامية وذلك بحرمان التجمعات المحلية من حق اختيار قادة كل جماعة حسب ما جرى علية العرف والتقاليد الاسلامية ، كما قامت الادارة الفرنسية بأضطهاد الشخصيات المحلية التي كانت تحث رجال القرى والريف على مقاومة جيش الاحتلال ، بالمطالبة بالحقوق السياسية وابقاء الشخصية الجزائرية مستقلة عن الشخصية الفرنسية .

وشرع مرسوم فرنسي ضد الجزائريين في الرابع والعشرين من تشرين الاول 1870 ، جرد ابناء الجزائر المسلمين من المشاركه في هيئات المحلفين الشرعية التي تنظر في القضايا المقدمة إلى المحاكم . ونص هذا المرسوم على اعتبار الجنسية الفرنسية اساسية للتعين بأية هــيئة من هيئات المحلفين ، وقد استغل الفرنسيون هذا المرسوم واستولوا على اراض ٍِ شاسعه وتخلصوا من الجزائريين المعارضين لهم. فضلا ً عن تطبيق القوانين التي كانت سائده سابقا ً بالنسبة للمعمرين وتطبيق قوانين استثنائية خاصة بالجزائريين ، هذا الامر اثار غـــضب الــــجزائريين وانــــزعاجهم مـمـا دفـــعهم
____________________________
(1) ابراهيم كبه ، المصدر السابق ، ص34 .
الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
إلى الهجرة . وقد شرعت فرنسا في عام 1874 القانون بعد موافقه البرلمان الفرنسي على عدم تطبيق القوانين الفرنسية في الجزائر ، الا اذا وافق الحاكم العام في الجزائر عليها (1) . وهكذا جرد الجزائريون من جميع الحقوق السياسية ، كالمشاركه في الانتخابات البلدية او البرلمانية كما طبقت مجموعة من القرارات التي صدرت على شكل مراسيم متعددة من اجل فرض قيود معينة على الجزائريين حتى لا تتاح لهم فرصه مضايقة فرنسا . وهكذا ضاعفت فرنسا من جهودها لعزل الجزائريين وحرمانهم من المشاركه في الحياة السياسية . حين وافق البرلمان الفرنسي في عام 1889 على قانون يخول جميع الاجانب الاوربيين الذين حصلوا على الجنسية الفرنسية حق التصويت في الانتخابات البلدية والتشريعية ، فتزايد عدد الاوربيين الذين نالوا الجنسية بكل سهولة واصبحوا يشكلون كتلة قوية ضد الجزائريين الذين كان يصعب عليهم الحصول على الجنسية الفرنسية ما دامت هي المفتاح الرئيس للمشاركه في الحياة السياسية (2) .

وظلت هذه القوانين سارية المفعول حتى عام1919، والغي بـــعضها مــكافأة لـلجزائريين على اشتراكهم في الحرب العالمية
____________________________
(1) عمار بوحوش ، العمال الجزائريون في فرنسا ، ص156 .


(2) عمار بوحوش ، اسباب الهجرة إلى فرنسا ، ص57-58 .
الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
الاولــى،وهــكــذا تـحـقـقـت سـيـاسـة رئيس الوزراء(جورج كليمنصوGeorges Clemenceau ) (1) الـتـي رسمها اليساريون لمكافأه الجزائريين على اشتراكهم في الحرب (2) ، وذلك بأصدار قانون الرابع من شباط 1919 ، والذي سهل الاجراءات التي يحصل بمقتضاها الجزائري على حق المواطن الفرنسي . فبدل ان تمنح السلطات الادارية ترخيصا ً لكل جزائري يريد الحصول على حق المواطن الفرنسي ، اصبحت الطلبات تقدم إلى السلطات القضائية ، وعلى هذه السلطات ان تتحقق فقط من ان الجزائري الراغب في حق المواطن الفرنسي مستوف ٍ للشروط التي حددها التشريع الجديد (3) ومــــن اهـــــم هـــــذه الــــشـــــروط : (4)
____________________________
(1) سياسي فرنسي ( 1841 – 1929 ) ، رأس الوزارة مرتين ( 1906 – 1909 ، 1917 – 1919 ) لقب بالنمر ، وانتخب عضوا ً بمجلس النواب 1876 – 1893 ، وشيخا ً منذ 1902 . وفي 1906 اصبح وزيرا ً للداخلية،ورئيسا ً للوزارة،ونفذ الفصل بين الكنيسة والدولة . وفي مؤتمر الصلح في باريس كان كليمنصو اهم معارضي الرئيس الامريكي وودرو ويلسن ، وعد معاهدة فرساي غير كافية لضمان سلامة فرنسا ، هزم في انتخابات 1919 ،واعتزل بموطنه فاندي ، وكتب عده مؤلفات عن الحرب للمزيد ينظر : عبد الوهاب الكيالي ، كامل الزهيري ، المصدر السابق ، ص440 .

(2) العماد مصطفى طلاس ، المصدر السابق ، ص67 .

(3) صلاح العقاد ، المغرب العربي ، ص314 .

(4) عمار بوحوش ، تاريخ السياسي للجزائر من البداية ولغاية 1962 ، ط2 ، دار صادر ، بيروت ، 2005 ، ص216-217 .

الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
1- ان لا يقل سن أي مصوت عن خمسة وعشرين عاما ً .
2- ان يكون اعزب او متزوجا ً من امراة واحدة .
3- ان لا يكون قد ارتكب مخالفة او قام بعمل معاد لفرنسا .
4- ان يبقى مقيما ً في مكان واحد لمده عامين متتاليين .
5- ان يكون قد خدم في الجيش الفرنسي .
6- ان يأتي بشهادة حسن السلوك .
7- ان يعرف القراءة والكتابة باللغة الفرنسية .
8- ان يملك ارضا ً او عمارة او مسجل بأنه يدفع الضرائب .
9- اذ كان عنده منحة التقاعد .
10- اذ كان عنده وسام شرف فرنسي .
11- اذ كان ابنا ً لوالد يحمل الجنسية الفرنسية .
12- اذ كان حاملا ً للشهادة الاهلية .
وبناء ً على ما تقدم لوحظ على من هذه الشروط انها عبارة عن طلبات تعجيزية لمنع الجزائريين من المشاركه في التصويت ، فطلب شهادة حسن السيرة والسلوك يعني حرمان الاغلبية الساحقة من الجزائريين الذين تعرضوا للعقاب في اطار قانون الاهالي الذي عانى منه كل مسلم عاش في الفترة الممتدة من عام 1896 حتى عام 1918. اما بالنسبة لتحديد الاقامة بعامين متتاليين فقد عني انه لا يحق لمعظم الشباب المتنقل الذي يذهب إلى مواسم حصد القمح والشعير في مختلف مناطق الريف الجزائري ان يصوت في الانتخابات المحلية . هنا نستطيع ان نستلخص من ما تقدم ، ان الافراد القلائل الذين يحق لـهم
الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
التصويت هم تلك المجموعة الصغيرة من الجزائريين الذين خدموا في الجيش الفرنسي او حصلوا على اوسمة مقابل تقديم خدماتهم لفرنسا، او الذين يملكون ارضا ً واموالا ً . فهؤلاء لا يمكنهم خلق مشاكل للأوربيين في الجزائر والادارة الاستعمارية متأكدة من ولائهم لفرنسا ، وبالتالي تسلمهم شهادات حسن السيرة والسلوك بعد ان اظهروا رضاهم عن ادارة المعمرين الاوربيين في الجزائر . وبالنسبة للتمثيل في المجالس البلدية ، لم يتغير الوضع حيث بقي قانون الثالث عشر من كانون الثاني 1914 ساري المفعول ، وحسب هذا القانون فالجزائريون ينتخبون ثلث المرشحين في البلديات والثلثين للأوربيين. وفيما يخص التمثيل في المجالس العامة ، فقد ارتفعت نسبة التمثيل الجزائري من (20%) إلى ( 33% ) أي ارتفع عدد الممثلين المسلمين من ثمانية عشر في عام 1914 إلى تسعة وعشرين في عام 1919 . اما الاوربيون فقد احتفظوا بعددهم الكبير وهو سبعة وثمانون ، وعليه فأن عدد اعضاء المجالس العامة قد ارتفع من105 ( 87 للأوربيين و 18 للجزائريين المسلمين ) عام 1914 إلى 116 عام 1919 . اما تمثيل المسلمين الجزائريين في البرلمان الفرنسي بباريس فقد اهملته الاصلاحات تماما ً ولا توجد ايه اشاره لـهـذا الموضوع (1) . وتأسيساً لما تقدم يبدو ان تشريع شباط 1919 قد بني على فكره، إن ايصال المواطن الجزائري إلى درجه مواطن فرنسي ، له الحقوق الاجتماعية والسياسية نفسها التي للفرنسيين لا يمكن ان يتحقق فــي ذلك الوقت
____________________________
(1) عمار بوحوش ، تاريخ السياسي للجزائر حتى عام 1962 ، ص217 –218 .
الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
ولهذا اوضعوا تلك الشروط التي لا تفتح باب المواطنه ، الا لعدد قليل ، ومبعث رأي الادارة الفرنسية ، هو اعتقادها بأن الادماج يجب الا يتم دفعة واحدة ، بل بالتدريج وفي اطول مده ممكنة (1) .

الا انه كان لتزايد نشاط قادة رجال الاحزاب الوطنية الجزائرية والطبقة المثقفة التي ظلت تظهر امتعاضها من المعاملة السيئة التي تلقاها من الجالية الاوربية في الجزائر فضلا ً عن التخلف الاجتماعي ، قد كون دافعا ً قويا ً اخر للهجرة إلى فرنسا (2) ، فاضطر كثير من الشخصيات الوطنية إلى الهروب من مكان اقامتهم والتوجه إلى المدن الكبرى ليختفوا فيها،وان يهاجروا إلى فرنسا لمواصلة العمل السياسي .

وعلى صعيد ذي صلة استخدمت فرنسا كثيرا ً من الوسائل لجذب المهاجرين الجزائريين اليها منها القيام بغلق الحدود بوجه المـــهاجرين الـــجزائريين إلـى الـبلاد العربية ، وذلك بــاصــدارهـــا صـــحــيـفـتي ( الاخــــبـار ) (3)
____________________________
(1) صلاح العقاد ، محاضرات عن تطور السياسة الفرنسية في الجزائر ، ص46 –47 .
(2) خيري عبد الرزاق جاسم ، مشكله الاندماج الوطني في الجزائر ، رساله ماجستير غير منشورة ، كلية العلوم السياسية ، جامعة بغداد ، 1992 ، ص182 .
(3) صحيفة اسبوعية حكومية انشئت عام 1839 ووجهت من الادارة الفرنسية في الجزائر، وكانت تصدر بالفرنسية . وفي عام 1909 اصبحت تصدر باللغتين ( ست صفحات بالفرنسية وصفحتان بالعربية ) ، وقد استمرت في الصدور إلى عام 1934 ينظر : ابو القاسم سعد الله ، المصدر السابق ، ص155 .
الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
و ( المبشر ) (1) واللتين عملتا دعاية كبيرة لفرنسا عن طريق نشر معلومات خاطئة عن حالة المهاجرين الجزائريين السيئة في البلاد العربية (2) ، كما صدرت صحيفة اخرى باسم ( فرنسا الاسلامية ) (3) عام 1913 ، حملت نفس مبادئ الصحف السابقة كما بذل الفرنسيون جهودا ً كبيره لجذب المهاجرين الجزائريين نحو فرنسا بوعودهم بالمعونات والاوسمة والمعاملة الحسنه ، فضلا ً عن ذلك، كان لتأثير عائله الامير عبد القادر الجزائري (4) في الجزائريين كبيرا ًوعليه فـقد
____________________________
(1) صحيفة حكومية اخرى ، انشئت عام 1847 ووجهت من الادارة الفرنسية في الجزائر، صدرت باللغتين العربية والفرنسية.وكان هدف هاتين الصحيفتين الرسميتين هو اطلاع الجزائريين على الاخبار الرسمية واعطاؤهم توجيها ً لصالح فرنسا.ولهذا السبب كانت الصحيفتان ابعد ما تكونا عن التثقيف ينظر:ابو القاسم سعد الله،المصدرالسابق،ص155-156.
(2) خرجت اول دفعه من المهاجرين الجزائريين إلى البلاد العربية استنادا ً إلى دعاية السلطان عبد الحميد الثاني التي مفادها انه يستنكر باسم الجامعة الاسلامية ، الحكم الفرنسي الذي قاد الجزائريين إلى العبودية ، واخضع الشؤون الاسلامية لسلطتة ، وقضى على المؤسسات العربية ، وقد بدأت هذه الدعاية منذ ثمانينات القرن التاسع عشر وسخرت لهذه الدعاية الصحف والكتب والمنشورات مثل صحيفة ( المؤيد ) و ( المهجر ) وكذلك اسست جمعيات سرية لنشر فكرة الجامعة الاسلامية وانضم اليها عدد من الجزائريين وهذه الجمعيات هي التي شجعت الهجرة الجزائريه إلى البلاد العربية . للمزيد ينظر : المصدر نفسه ، ص139-140 .
(3) فرنسا الاسلامية ( لافرانس اسلاميك ) ، وهي صحيفة تأسست بين عام 1913 . وعام 1914 ، انشأتها فرنسا لاغراض دعائية كانت تهدف إلى اعداد الرأي العام الجزائري للحرب العالمية الاولى : ينظر : المصدر نفسه ، ص156 .
(4) زعيم وطني جزائري من مواليد وهران ، قاد الثورة المسلحة في الجزائر ضد الاحتلال الفرنسي عام 1832 واحرز انتصارات رائعة،بقي يقارع المستعمرين في بلاده طيله سبعة=
الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
قامت فرنسا باستدعاء احد ابنائه وهو الامير عمر ، إلى باريس عام 1911 لتسلم وسام " ليجون دونور Legon Donor " ، بأحتفال كبير، وعملت كثيرا ً من الدعاية ، فسخرت وسائل الاعلام الفرنسية والممثلين الفرنسيين في الجزائر والبلاد العربية ، دعايتها ليظهروا ان المهاجرين الجزائريين ، لاسيما عائلة الامير عبد القادر ، لم يكونوا ضد فرنسا . ونسبت الصحافة الفرنسية خبرا ً للامير عمر يشرح فيه للحكومة الفرنسية الوضع المؤلم الذي كان يعيش فيه المهاجر الجزائري في سورية ، وهذا ادعاء كان بعيدا ً عن الحقيقة الا إنه زاد من نسبة هجرة الجزائريين إلى فرنسا بين عامي(1900 – 1914) ، فبلغ عدد المهاجرين حــوالــي عـشـره الاف جزائري ، ونصف هذا العدد هاجر بين عامي ( 1912 – 1914 ) (1) .

وفي فرنسا بدأ المهاجر الجزائري يقارن حياته الصعبة تحت قـانون الاهالي في الجزائر بالحرية التي وجدها في مدن مرسيليا وبادي – كاي وباريس، حيث كانوا متساويا ً في الحقوق والواجبات مع العمال الفرنسيين ، وكان لهم دور في الاحزاب السياسية ، والصحافة ، وحرية الاجتماع ، وعاش في حرية لم يسبق له ابدا ً ان مارسها ، فبدأ
____________________________
= عشر عاما ً ، ثم استسلم مرغما ً لكي ينفية الفرنسيون إلى طولون عام 1847 ، انتقل مع اسرته إلى دمشق واستقر فيها إلى حين وفاته . وقدمت له الحكومة الفرنسية معاشا ً سنويا ً بناء على تدخل نابليون الثالث ، واشتهر بنبله وابائه واغاثته للمضطهدين . نقل رفاته من دمشق إلى الجزائر عام 1967 ،ينظر:عبد الوهاب الكيالي ، كامل الزهيري ، المصدر السابق ، ص374-375 .
(1) ابو القاسم سعد الله ، المصدر السابق ، ص149-151 .
الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
الكثير من الجزائريين يدرسون اللغة والثقافة المحلية ، ويستمعون إلى المحاضرات العامة ، ويقرأون الصحف ، ويتحدثون عن السياسة. فالجزائريون الممنوعون من السفر من بلده إلى اخرى داخل بلادهم الا برخصة ، وجدوا انفسهم في فرنسا يسافرون ويتناقشون ويجتمعون ويؤلفون جمعيات .. الخ ، وفي احيان كثيرة كانت رسائلهم المرسلة إلى عوائلهم في الجزائر تحتوي على وصف مبالغ فيه احيانا ً ، وافكار ومقارنه عن الحياة في فرنسا واختلافها عن الحياة في الجزائر (1) .

اما في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الاولى ، فقد لجأ الاستعمار الفرنسي في بلاد المغرب العربي إلى سياسة التفرقة العنصرية ، بين العرب والبربر فحاول تقسيم الجزائر في العشرينات من القرن الماضي على اساس عرقي ، وسعى إلى تنفيذ ذلك المخطط بقانون الظهير البربري الصادر في السادس عشر من ايار 1930 مستهدفا ً الفصل ما بين المناطق التي سكنها العرب والمناطق التي سكنها البربر بتقسيمات ادارية على اساس اللغه والحكم والقضاء بما فيها الاحوال الشخصية ، بمعنى اخر اراد المستعمر الفرنسي تقسيم المغرب إلى جزء عربي يخضع للتشريع الاسلامي وجزء بربري يخضع للأعراف والعادات والتقاليد القديمة لمجموعات البربر في شمال افريقيا وتمـــنع فيه اللغة العربية وتسود اللهجات البربرية الامازيغية (2) .
____________________________
(1) محلة المجاهد، الجزائر ، العدد 1211 ، بتاريخ 29 كانون الثاني 1982 ، ص36-37 .
(2) اسماعيل قيرة واخرون ، مستقبل الديمقراطية في الجزائر ، مركز دراسات الوحده العربية ، بيروت ، 2001 ، ص72 .
الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
ان فرنسا لم تكن تريد ان تحتل هذه البلاد ، مجرد احتلال وما كانت تريد منه ان يكون مجرد سوق لسلعها الصناعية ، ومصدرا ً للمواد الخام والايدي العاملة الرخيصة ، كما يريد ذلك معظم المستعمرين من معظم المستعمرات ، بل كانت السياسة الفرنسية في بلاد الشمال الافريقي تسير في اتـــجاهين ، احدهما ابادة السكان ، وثانيهما فرنسة الذين لم تشملهم عملية الابادة (1) .

كما اتخذت لتحقيق هذا الــغــرض عــدة وسـائـل منها تشجيع الناس على التجــنس بالجــنسية الفرنسية ، والدخول ضمن الرعايا الذين يطبق عليهم قانون الاحوال الشخصية الفرنسي ، مما دفع (جمعية العلماء الجزائريين ) (2) إلى الافتاء بأن من يفعل ذلك يعد مرتدا ً عن الدين الاسلامي (3) .

وعلى وفق ذلك ومنذ انتهاء الحرب العالمية الاولى ، حاولت الادارة الــفرنسية ان تظهر بمظهر المتحررة الاخـذ بـيد الجزائريين
____________________________
(1) محمد عمارة ، الامة العربية وقضية التوحيد ، الدار المصرية ، القاهرة ، د.ت، ص94 .
(2) انشئت هذه الجماعة عام 1930 في اعقاب الاحتفالات الاستفزازية التي اقامها الفرنسيون في الجزائر بمناسبة مرور مائه عام من احتلالهم للبلاد وكان قيامها رد فعل وطني وقومي لهذه التصرفات الفرنسية المستفزة ، واستجابه لضرورات واحتياجات المقاومة والدفاع عن الخصائص القومية للجزائريين ينظر : ابو القاسم سعد الله ، المصدر السابق ، ص100 .
(3) محمد عمارة ، المصدر السابق ، ص95 .
الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
للوصول بهم إلى مرحلة الحضارة والمدنية اللائقة بشعوب متصلة بالغرب ، وكانت فرنسا تخفي وراء ذلك رغبتها في كسب عدد من المواطنين ، لاسيما الذين اثبتوا جدارتهم في ميادين القتال ، كما اثبتوها في المصانع والمناجم ، وكان هذا تعويضا ً عن انخفاض نسبة المواليد في فرنسا نفسها ، واستغلالا ً للقوى البشرية والايدي العاملة الموجودة في شمال افريقيا فأصدرت قوانين الرابع من شباط 1919 الانفه الذكر ، وألغت بذلك القوانين الاستثنائية المطبقة على الجزائريين وساوت بينهم وبين المعمرين في شؤون الضرائب ، رغم تحديدها لنسبة عدد الناخبين الجزائريين ، دون ان تساوي بين هذه النسبة ونسبة المعمرين الاوربيين (1) .

وكذلك سمحت الحكومة الفرنسية عام 1947 للأحزاب الجزائرية بالعمل بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ، ولكن بشكل محدود وبشروط صعبة ، حيث قررت فرنسا تأسيس ( المجلس الوطني الجزائري ) وأوهمت الرأي العام ، ان عهد المساواة بين الجالية الاوربية وابناء البلد الاصليين قــد حل في الجزائر، وبذلك اصبح من حق الجزائريين اختيار ستين عضوا ً ليمثلوا الثمانية ملايين جزائري فــي الـــمجلس ، شـــأنهم في ذلك شأن المليون اوربي الذين
____________________________
(1) جلال يحيى ، المغرب الكبير ، ج3 ، دار القومية للطباعة والنشر ، مصر ، 1966 ، ص1058 .

الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
يمثلهم العدد نفسه في المجلس الوطني (1) . إلا انه عندما قامت الانتخابات التشريعية عام 1948 ، بادرت الادارة الفرنسية بالقاء القبض على اثنين وثلاثين من مرشحي(حركة انتصار الحريات الديمقراطية) (2) وحكمت عليهم بالسجن سبع سنوات ، قبيل اجراء الانتخابات التشريعية بيوم واحد . وفي مدينة سطيف وقالمة رفضت السلطات الفرنسية الاعلان حتى عن النتائج الانتخابية . كما لجأت الجالية الاوربية إلى تكوين حزب ( المستقلين ) الموالي لفرنسا (3) .

كما اقدمت ادارة الاوربيين في الجزائر على تزوير الانتخابات البرلمانية والبلدية وهي التي غيرت مجرى الامور بصيغة ملموسة بعد قانون 1947 . وهنا تأكد السياسيون الجزائريون بما لا يدع مجال للشك ان الادارة الفرنسية كانت مصممة منذ البداية على حرمانهم من الحصول على مقاعد في البرلمان الجزائري او مقاعد في المجالس البلدية المنتخبة ، واعطاء تلك المناصب لعملائها الــمـتــواطـئـيــن مـع الادارة الاســتــعـمــارية (4) .
____________________________
(1) د.ك.و ، رقم الاضبارة 5/6 ، رقم التصنيف 4819/311 ، و. (72) ، المصدر السابق ، ص124 .
(2) انشئت عام 1939 وهي امتداد لحزب الشعب الجزائري اعتمد في تركيبة على العمال والطبقة الكادحة ، وعبر عن المطالب الوطنية للشعب الجزائري . ينظر : أ.م.و.و. ، ملف ثورة الجزائرية ، ثورة الجزائرية مدرسة للنضال الوطني ، و. ( 80930 ) بتاريخ 1/11/1989 .
(3) عمار بوحوش ، اسباب الهجرة إلى فرنسا ، ص58 .
(4) عمار بوحوش ، التاريخ السياسي للجزائر حتى عام 1962 ، ص379 .
الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
ونتيجة للاعمال التي قامت بها الادارة الفرنسية ضد الجزائريين لذلك قام عدد كبير من اليساريين الفرنسيين بالدفاع عن حقوق الجزائريين . ومنهم نائب فرنسي ينتمي إلى حركة الجمهوريين الشعبيين يدعى (جان فونلبيط – اسبرابي Gan Vonlept Espriae ) حيث ارسل احتجاج إلى وزير الداخلية الفرنسي عام 1949 ، بسبب تزوير الانتخابات التشريعية في الجزائر، كما لفت الانتباه إلى عواقب تجريد الجزائريين من حقوق منحها اياهم البرلمان الفرنسي ، مبينا ً انه عار على الادارة الفرنسية ان تقوم بهذا العمل (1) وقد عدَّ الاوربيون في الجزائر هذا النقد استفزازا ً لهم .

نستخلص مما تقدم ان فرنسا لم تهتم بمطالب الجزائريين واصرت على عد الجزائر ارضا ً فرنسية . وقد قرر دستور فرنسا الصادر عام 1946 هذا الوضع وحذا حذوه دستور تشرين الاول عام 1958 ، الذي اصدره ديغول رئيس الدولة إذ نص على ان الجزائر جزء لا يتجزأ من الجمهورية الفرنسية ، وتتصرف الحكومة الفرنسية في ارض الجزائر وشعبها على هذا الاساس (2) .

وعليه فلقد كان انعدام المنظمات والهيئات التشريعية التي تمثل مصالح الجزائريين وتدافـع عن وجهه نظرهم سببا ً اخر للهجرة إلـى
____________________________

(1) عمار بوحوش ، اسباب الهجرة إلى فرنسا ، ص59 .
(2) محمد كامل ليلة ، المجتمع العربي والقومية العربية ، دار الفكر العربي ، القاهرة ، 1966 ، ص484 .
الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
فرنسا ، خاصة بعد تبين للجزائريين تواطؤ فرنسا وادارتها في الجزائر وتصميمها على قمع كل حركة سلمية تهدف إلى نيل الحقوق المدنية ، اتجهت نيتهم إلى العمل الحربي بدلا ً من الحوار السلبي . كما بدأوا في الاعوام الاخيرة التي سبقت اندلاع الثورة الجزائرية في العام 1954 ، بتحدي الادارة الفرنسية التي اضطهدت كل من تجرأ على انتقادها . وهكذا ، ولم تعد القضية هي التمثيل السياسي في المجالس البلدية والتشريعية ، وانما انعدام الثقة واضمحلال الأمل في تعايش سلمي بين الجالية الاوربية والشعب الجزائري . فالاتجاه الجديد بالنسبة للجزائريين هو عدم الثقة في كلمة الاوربيين وتجنيد الطاقات الشعبية لمعارك التحرير القادمة خاصة وان الادارة الفرنسية قد اخطأت في التقدير عندما ظنت انه في استطاعتها ابقاء جميع الجزائريين تحت سيطرتها ورفضت ان تأخذ بعين الاعتبار المصالح المشتركه للجزائريين والاوربيين (1) .
3- الاسباب الثقافية
**************
تمثلت تلك الاسباب بأساءات الاستعمار الفرنسي الكبيرة للدين الاسلامي، دين الاكثرية الساحقه من سكان الجزائر . فكان هذا احد الاسباب التي ادت إلى الهجرة ، ومن الممارسات الاستعمارية ضد الدين الاسلامي العمل على تصفية الاوقاف المحبسة على المؤسسات الخيرية،
____________________________
(1) محمد حربي ، جبهة التحرير الوطني الاسطورة والواقع 1954 – 1962 ، ترجمة كميل قيصر داعز ، دار الكلمة ، بيروت ، 1983 ، ص46-47 .
الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
وذلك بالاستيلاء على اراضي الحبوس والاوقاف الدينية (1) فارادت ضمها إلى الدولة ، بالرغم من ان الشريعة الاسلامية تحرم ذلك ( أي بيع اراضي الوقف ) (2) . فعمدت السلطات الفرنسية بمدينة الجزائر عام 1835 إلى التصرف في الفي وقف كان تابعا ً لـــمائتي شخص ومؤسسة ، والاستيلاء على ( سبعه وعشرين ) مسجدا ً و ( واحدى عشرة ) زاوية ومصلى ، وبذلك فقد الجزائريون بتصفية الاوقاف احد الاسس التي تقوم عليها حياتهم الثقافية والدينية والاجتماعية ، فتناقص عدد اماكن العبادة والتعليم بمدينة الجزائر من ( 186 مؤسسة ) منها ( 13 مسجدا ً جامعا ً و 108 مسـجد صغير ، و 32 مصلى ، و 12 زاوية ) إلى(12 مسجدا ً منها 8 مساجد كبيرة)بعد عام 1862(3) . كما حول المستعمر الفرنسي عددا ً من المساجد التي كانت من مفاخر الفن الاسلامي إلى كنائس ، في حين هدم قباب المساجد الاخرى ، وشرعت حكومة الاحتلال بتعيين خطباء وائمة المساجد مع مراقبة خطبهم ومواعظهم مقدما ً واشرفت مباشرة على الحج إلى مكة (4) ، فضلا ً عن ذلـــك لــجــأ الفرنسيون إلى غلق المدارس القرآنية وفتح بدلا ً
____________________________
(1) وهي ثروة شعبية هائله ، بالرغم من كونها غير قابله للانتقال من الوجهة الدينية والقانونية ، وهذه الاملاك كانت تمول المدارس والفقراء ينظر : ابراهيم كبة ، المصدر السابق ، ص34 .
(2) Louis De Bandicour , Louis La Colonisation del' ALgerie , Le CoFFre , Paris , 1985 , p . 188 .
(3) ناصر الدين سعيدوني ، المصدر السابق ، ص21-22 .
(4) Ibrahim Kubba , Lumiers Surprobkeme Algerien , Imprimerie Al Rubatah , Baghdad , 1956 , p . 34 .

الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
عنها مدارس تابعه لهم ، كما عملوا على اضعاف الدين الاسلامي لكونه عامل محافظة على اللغة العربية والتقاليد وتكوين النخبة من الجزائريين ليساعدوها في ذلك (1) .

وفيما يتعلق بالتعليم العالي الاسلامي ، فقد اتجه الحكام الفرنسيين إلى الاشراف عليه ، وتهيئة كوادر تتولى مناصب الدين والعدالة الاسلامية تتفق مع توجيهات السياسية الاستعمارية الفرنسية ، في وقت بدأت فيه اعداد المتخرجين من الطلبة بالتناقص نتيجة لركود التعليم الابتدائي الاسلامي ، حتى وصل العدد إلى ( 142 طالبا ً عام 1876 ، و 129 عام 1877 ، و 84 عام 1879 ، و 79 عام 1884 ، و 57 عام 1885 ) (2) .

وفي عام 1907 اعلنت الاداره الفرنسية في الجزائر فصل الدين عن الدولة ، واذ سحبت سلطتها الاسمية عن المسيحية واليهودية، احتفظت بها وبشكل فعال فيما يخص الدين الاسلامي ، بدعوى انه لا انفصال بــين الجانب الروحي والدنيوي في الاسلام . فالتميز الذي كان سائدا ً بين الاديان في الجزائر حتى عام 1907 ، اثـــار ســـخــط الــمــواطـــن الجزائري وغضبه لانه
____________________________
(1) ابراهيم كبة ، المصدر السابق ، ص34 .
(2) عبد القادر جغلول ، تاريخ الجزائر الحديث دراسه سوسيولوجية ، ترجمه فيصل عباس ، دار الحدثة ، بيروت ، 1981 ، ص162 .
الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
لم يشعر بالأمن على ارضه وحريته ولكن بعد عام 1907 اصبح يشعر بعدم الاطمئنان حتى على دينه (1) .

وقد عمد الاستعمار الفرنسي على تجريد الشعب الجزائري تماماً من شخصيته العربية بالقضاء على الثقافة الوطنية ، فبادر إلى محاربة اللغة العربية والتعليم (2) . وذلك لان اللغة العربية تحتل مركزا ً في الصراع الثقافي والحضاري الذي عاشته الجزائر في عهد الاحتلال الفرنسي ، لان هذا الاستعمار حاول منذ ان وطأ بقدميه ارض الجزائر ، العمل على فرنسة المجتمع الجزائري، ومحاولة نشر اللغة والثقافه الفرنسيتين ، وعمل على منع تدريس اللغة العربية في المدارس التي تخضع لاشرافه ، واصدر قرارا ً يعدها لغة اجنبية في الجزائر، وعد وزير الدولة الفرنسي شوتان Choutane ، تعليم اللغة العربية لأبنائها وبناتها ، بمثابه محاولة عدائية لصبغ الجزائر بالصبغة العربية (3) .

ان استهداف الاستعمار الفرنسي للغة العربية ، كانت غايته الرئيسة استبعاد الثقافه الاصلية للشعب الجزائري ، واحلال اللغة الفرنسية بدلا ً من اللغة العربية بهدف تحقيق تبعية ثقافية وحضارية ، ومن ثم الألحاق الجغرافي للجزائر بفرنسا (4) . ويتضح ذلك من خلال ما
____________________________
(1) ابو القاسم سعد الله ، المصدر السابق ، ص143 .
(2) خرنان مسعود بن موسى ، المصدر السابق ، ص28 .
(3) محمد عمارة ، المصدر السابق ، ص97 .
(4) Paul Marty , LeMaroc de demain , Comite d'AFrique Francaise ,
Paris , 1925, p . 339 .
الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
كتبه المؤرخ دي روفيكو : " اني انظر إلى نشر تعليمنا ولغتنا كأنجح وسيله لجعل سيطرتنا في هذا القطر تتقدم في احلال اللغة الفرنسية تدريجياً محل اللغة العربية . فالفرنسية تستطيع الانتشار بـين السكان خصوصاً، اذا اقبل الجيل الجديد على مدارسنا افواجا ًَ افواجا ً " (1) .

كانت اللغة العربية في الجزائر ، هي اللغة السائدة في جميع مرافق المجتمع قبل دخول الفرنسيين اليها ، في حين بدلت بها اللغة الفرنسية في ميادين الادارة في البلد خصوصا ً . فالجزائري في علاقاته مع سلطات بلاده ، او في شؤونه الخاصة ، حتى لدى كتابه رسالة او ارسال برقية يجب عليه ان يعرف الفرنسية (2) . في حين اصدرت وزارة الداخلية الفرنسية قرارا ً في الثامن من اذار 1938 ، جاء فيه : " إن اللغة العربية تعتبر لغة اجنبية " (3) .

لم تكن سياسة احلال اللغة الفرنسية محل العربية في الجزائر ، من اجل جعلها وسيله للتعليم والثقافة ، بل لكونها وسيله عملية للغزو الفكري عن طريق دراسة تاريخ فرنسا ، وجغرافيتها واقتصادها وادبها وتاريخ علمائها وإعلامها ، ومن ثم تصبح في فكر المتعلم قطبا ً اوحد ،
____________________________
(1) Yvonne Turin , AFFrontements culturel sdans L'algerie Coloniale , Ecoles , Medecines , Religion 1830 – 1880 , 2 me Edition , Entreprise National du Livre , Alger , 1983 , p. 40-41 .
(2) Mohammed Bacha – Hamba , Le Peuple Algero – Tunisien et Ia France , Biet Al Hikma , Arthage , 1991 , p . 33-34 .
(3) بسام العسلي ، عبد الحميد بن باديس ، دار النفائس ، د.م ، 1982 ، ص52 .
الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
فضلا ً عن انها استعملت لتكوين المساعدين الثانويين لخدمة الادارة الفرنسية في المناصب التافهة (1) .

وهكذا ، فان اللغة الفرنسية في الجزائر لم تكن في عهد الاستعمار وسيلة للتثقيف او تنمية المعرفة ، بل كانت وسيلة لمحو الشخصية العربية الجزائرية ، وكان المنظرون الاستعماريون يؤكدون ان الاسلام واللغة العربية هما ركيزتا هذه الشخصية ، وكما حاولوا ان يهدموا الركيزة الاولى عـن طريق ما سمي السياسة البربرية في الجزائر بالنسبة للأسلام ، حاولوا ان يهدموا الـــركيزة الثانية في احلال اللغة الفرنسية محل اللغة العربية (2).

لقد كان من اثر هذه الحقبة الاستعمارية المظلمة ، ان الجزائريين فقدوا العربية الفصيحة ، واصبح جمهرتهم أميين لكونهم لم يتعلموا العربية كما لم يتعلموا ايه لغه اخرى ، عدا الفرنسية التي اقرها الحكام الفرنسيون . وقد غدت لغة العمل والعلم ، لغه المدرسة والبيت والـــشـــارع والـــدوائــــر الــرســـمــيـة (3) .
____________________________
(1) صلاح العقاد ، محاضرات عن تطور السياسة الفرنسية في الجزائر ، ص48 .
(2) نازلي معوض احمد ، التعريب والقومية العربية في المغرب العربي ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 1986 ، ص58 .
(3) ابراهيم السامرائي ، التعريب والعربية في الجزائريين واقع قديم ورؤية مستقبلية ، مجلة المستقبل العربي ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، العدد 22 ، كانون الثاني 1981 ، ص107 .
الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
اما التعليم فقد سعى الاستعمار الفرنسي في الجزائر بكل الوسائل إلى تغيير بنية التعليم والتربية كجزء من مخطط واسع للفصل بين الانسان ومقوماته الحضارية في هذا البلد . فنتهج سياسة تعليمية سعى فيها إلى ترسيخ الثقافة والافكار الفرنسية في عقول الاجيال المتعلمة ، وقبل هذا تمكين الفرنسية في ان تصبح لغه التعليم الاساسية. لذا حارب الفرنسيون منذ احتلالهم الجزائر عام 1830 جميع الفعاليات الفكرية والتربوية والتعليمة لهذا البلد . ولعل في مقدمة اهداف الاستعمار الفرنسي التي سعى إلى تحقيقها في الجزائر ، هي ممارسة سياسة القضاء على التعليم الحر ، في حين كانت نسبة ضئيلة من المحظوظين تتعلم في المدارس الفرنسية في المراحل الاولى للتعليم، ولا يرقى إلى التعليم العالي الا من يثبت ولاؤهم لفرنسا ، لقد ارتفعت نسبة التــجـهيل والامــيــة إلى درجه وصلت فيها في نهاية عهد الاستعمار إلى (98%) من السكان (1) .

لم تكن السياسة التعليمية للاستعمار الفرنسي تسير في صالح الجزائريين فقد عملت المصالح الادارية الفرنسية على اهمال الكتاتيب القرآنية ومنع تعليم اللغة العربية ومبادئ الدين الاسلامي في المدارس الرسمية ، وارتبط ذلك بالتضييق على التحاق الجزائريين بــالمدارس
____________________________
(1) سليمان الرياشي ، منعم العمار واخرون ، الأزمة الجزائرية – الخلفيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية،مركز دراسات الوحدة العربية،بيروت، 1996 ، ص362 .
التوقيع
ليس بإنسان ولا عالم من لايعي التاريخ في صدره
ومن درى أخبار من قبله أضاف أعمارا إلى عمره

صديق القمر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 23-08-2015, 06:31 PM   #3

 
الصورة الرمزية صديق القمر
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
المشاركات: 1,595
إرسال رسالة عبر Skype إلى صديق القمر
افتراضي رد: اسباب الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال

4- الاسباب العسكرية
***************
هناك علاقة وطيدة بين الهجرة إلى فرنسا الالتحاق بالخدمة العسكرية من طرف الشباب الجزائريين ، ومنذ عام 1912 الذي تقرر
____________________________
(1) عمار بوحوش ، اسباب الهجرة إلى فرنسا ، ص62 .
الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
فيه فرض الخدمة العسكرية على جميع الشباب المسلمين الجزائريين بموجب القرار الذي صدر في الحادي والثلاثين من كانون الثاني والثالث من شباط من العام نفسه(1).

وكان الجزائريون يخدمون قبل هذا التاريخ في الجيش الفرنسي بعقود عمل فردية (2) فهذا القانون الذي صدر يفرض الخدمة العسكرية او البدل المالي على الجزائريين ، ولما كان كثير من الجزائريين لا يستطيعون دفع البدل المالي، فقد تحولت الخدمة العسكرية إلـى تجنيد اجباري ، مما ادى إلى اشتراك الجزائريين في حروب فرنسا التي لم يكن لهم فيها ايه مصلحة (3) .

احتج الجزائريون وكانت حركة ( الشبان الجزائريين) ، تمثل الحركة الوطنية العلمانية في الجزائر التي نشطت عام 1912 ، وضمت في صفوفها الشباب الجزائري الذي تخرج مــن المدارس الفرنسية ،
____________________________
(1) جلال يحيى ، السياسة الفرنسية في الجزائر ( من 1830 إلى 1959 ) ، ص191 .


(2) صلاح العقاد ، محاضرات عن تطور السياسة الفرنسية في الجزائر ، ص41 .


(3) زاهية قدورة ، تاريخ العرب الحديث ، دار النهضة العربية للطباعة والنشر ، بيروت ، 1975 ، ص74 .
الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******


وطالبوا بالمساواة السياسية مع المعمرين الفرنسيين في الجزائر حتى يقبل الجزائري الخدمة العسكرية الاجبارية في الجيش ، لذلك عارضوا إقدام على فرض الخدمة العسكرية بدون اعطاء حقوقهم السياسية (1) .

ومن الغريب ان المعمرين قد عارضوا التجنيد الاجباري للجزائريين،ولكن لاسباب مختلفة،فقد عدوا التجنيد وسيلة تمكن الجزائريين من الحصول على حقوقهم السياسية ، فلذلك عندما عارض الجزائريون جميعا ً التجنيد الاجباري سر المعمرون وسخروا صحافتهم ونوابهم في المجالس المحلية والمجلس الوطني الفرنسي لشن حملة ضــد الـــتجنيد الاجــبـــاري تـــأييدا ًللجزائريين،ولكن عــــندما وافــقــت جــــماعة الــنخبة(2) عــلـــى
____________________________
(1) نازلي معوض احمد ، التعريب والقومية في المغرب العربي ، ص73 .



(2) تشكلت عام 1907 من الجزائريين الذين جمعوا بين الثقافتين العربية والفرنسية مثل الصحافيين والمحامين والاطباء والمعلمين والصيادلة والقضاة ، وبعض التجار والعمال الزراعين والطلبة . ولم يكن برنامجها متطرفا ً ، طالبوا بالغاء قانون الجنسية المعروف بـ " ساناتو – كونسولت " العام 1865 ويعني التخلي عن الشخصية الجزائرية لصالح الجنسية الفرنسية ، كما كانوا طموحين ومتفتحي العقل ، ينتمون إلى الطبقة المثقفة ، وتزوج كثير منهم بنساء فرنسيات . ينظر : أ.م.و.و. ، رقم الاضبارة 11/3 ، و . ( 28) ، المصدر السابق .

الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******

التجنيد مبدئيا ً اثر اجتماعهم برئيس الوزراء الفرنسي جورج كليمنصو، عام 1908 منتظرين اعطاء الحقوق السياسية للجزائريين . شعر المعمرون بالخطر ، وذلك لان هدفهم الرئيس كان إبقاء الجزائريين على حالتهم رعايا للدولة الفرنسية (1) .

وهكذا استمرت فرنسا في تنفيذ خطتها بخصوص التجنيد الاجباري ، بغض النظر عن المعارضة الجزائرية ومطالبة الوطنيين بالحقوق السياسية . وبعد ان اصبح التجنيد قانونا ً في شباط 1912 ، اصدرت فرنسا قرارا ً في التاسع عشر من ايلول من العام نفسه أحتوى على بعض الاجراءات التي استهدفت تهدئة الجزائريين الثائرين على قانون التجنيد (2) .

وقد وعدت الاجراءات الـــجديدة الـــجزائريين المـجندين بمعاملة افــضـل فـي الــمستقبل اذ نــص قــرار الـتـاسـع عـــشـــر مـــن ايـلول عام 1912 على : (3)
____________________________
(1) ابو القاسم سعد الله ، المصدر السابق ، ص214-215 .


(2) عمار بوحوش ، التاريخ السياسي للجزائر ، ص204 .


(3) صلاح العقاد ، محاضرات في تطور السياسة الفرنسيه في الجزائر ، ص41 .
الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
1- اعفاء المجندين الجزائريين من الخضوع لقانون الاهالي ، والغاء بعض احكام القانون الاستثنائي كأعفاء الوطنين من حمل جوازات السفر في التنقل بين اقاليم الجزائر والتنقل بين الجزائر وفرنسا بعد تسريحهم من الخدمة العسكرية .

2- التقليل من عدد المخالفات التي يترتب عليها دفع غرامات ، فاذا ارتكب المجندون جرائم،فسوف يحاكمون امام القانون العام(بدلا ً من المحاكم الرادعة ).

3- بناء على طلبهم زيد عدد النواب الجزائريين في المجالس الاقليمية إلى الثلث، وان لهم الحق بعد التسريح من الخدمة العسكرية ، ان يشاركوا في انتخابات المجالس البلدية .

4- بعد ان ينهي المجندون ثلاث سنوات في الخدمة العسكريه ستكون لهم فرصة الوظيفة ،ولكن لن يكون ذلك الا بعد ان يبرهنوا على استعداد جيد للعمل .

ان هذه الافضليات لم تغير شيئا ً من احساس الجزائريين بالغبن والظلم ، بعد ان رأوا انفسهم مجبرين على التضحية بحياتهم لخدمة مصالح فرنسا . ولعل هذا السبب هو الذي جعل المؤرخين يربطون بين قانون الخدمة الاجبارية وبين حركة الهجرة الجزائرية الجماعية إلــى
الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
الخارج ، التي بدأت تظهر عام 1912 ، ففي هذا العام ، هاجرت ثمنمائه عائلة من تلمسان إلى سورية حيث قدمت لها السلطات العثمانية بعض المساعدات المالية (1) .

وعند نشوب الحرب العالمية الاولى ، زادت السلطات الفرنسية من تجنيد الشباب الجزائري ، واتسع هذا التجنيد عام 1916 ، فاستعملت الادارة الفرنسية في الجزائر الترغيب والترهيب في تجنيدهم، ولكي تحصل فرنسا على ولاء الجزائريين ، سخرت له دعاية واسعة ، كما استعملت سياسة الارهاب بأقصى حدوده ، وقامت بتدعيم فكرة القدرية بين الجزائريين لكي تظهر لهم ان ما حدث كان بأراده الله وانهم لا يستطيعون ان يغيروا أي شيء ، كما كانت تقوم بالدعاية النشيطة بين الجنود الجزائريين في ميدان المعارك فنجحت بعد ذلك فرنسا في تجنيد الاف الجزائريين ، معظمهم كانوا من الفلاحين والعمال الزراعيين ومن العاطلين عن العمل . وقد دفع بعض الجزائريين – بأعتراف الفرنسيين – مبالغ طائلة ، بما في ذلك الذهب ، لكي يعفوا اولادهم من التجنيد، ووجد البعض الاخر في الحرب خلاصا ًَ من حالتهم الاقتصادية الصعبة . وكان بعض جماعة النخبة يؤمنون بأنهم يدافعون بمشاركتهم في الحرب عن الحرية والديمقراطية ضد طغيان وبربرية المانيا كما كانت الدعاية الفرنسية تصفها بمهارة ، وهناك اخرون رفضوا ان يـــخدموا قـضية فــرنسا ، مهما كان الامر وهؤلاء هــم الذين
____________________________
(1) عمار بوحوش ، تاريخ السياسي للجزائر ، ص208 .
الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
اختفوا في الجبال الجزائرية واصبحوا نواه الثورات (1) .

وفي الرابع عشر من ايلول 1916 ، امرت فرنسا بتجنيد الجزائريين اجباريا ً بغض النظر عن الشروط التي نص عليها قانون التجنيد ، وفي السابع عشر من الشهر نفسه صدر قانون جديد يفرض التجنيد لاعلى الجنود فقط بل على العمال ايضا ً . وقد اثارت هذه الاجراءات غضبا ً شديدا ً في الجزائر حتى ان اولئك الذين كانوا مخلصين لفرنسا انذروها بعواقب وخيمة . واعلن الجزائريون معارضتهم للخدمة العسكرية والعمل من اجل فرنسا . لذلك قاموا في ذلك العام بمناسبة تجنيدهم في مدينة قسنطينة ، بالاضرابات واثاره المشاكل ، وفي الاوراس ايضا ً ولكن السلطات الفرنسية قمعت هذه المحاولات بسرعة وبشدة بالغة (2) .

ان ظهور فكرة التجنيد الاجباري في الجيش الفرنسي وفرضها على الجزائريين بوصفهم مواطنين فرنسيين ، كان الهدف منه ، الاستعانة بهم في الحروب ، فضلا ً عن تفكيك المجتمع الجزائري عن طريق الاستحواذ على شبابه وصرفهم من التكون في وسط اجتماعي مـــعــاد لــلــوجــــود الــفــــرنــســي (3) .
____________________________
(1) ابو القاسم سعد الله ، المصدر السابق ، ص230 –232 .
(2) عمار بوحوش ، تاريخ السياسي للجزائر ، ص209 .
(3) محمد الميلي ، ابن باديس وعروبه الجزائر ، دار العودة ، بيروت ، 1973 ، ص40 .

الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
ومع ذلك فأن الجزائريين الذين خدموا في الجيش الفرنسي ، مرغمين ، او غير مرغمين قد حصلوا على تجربة ثمينة من اجل قضية وطنهم . فقد حصلوا على تدريبات عسكرية واسعة ، وانضباط محكم ، وبعض التوجيه السياسي ، نتيجة للدعاية الفرنسية المتواصلة . فبدأ عدد من الجزائريين في التفكير في السياسة ، وساعدهم على ذلك صدور الصحف في الجزائر وظهور شـخصيات تـأثـرت بتــجارب هــذه الحرب واثرت بـالتالي في الحركات السياسية الجزائرية (1) .

بالمقابل فقد ترتب على الحرب ايضا ً نشوء طبقه من الجزائريين ، استطاعت ان تجمع بعض الاموال من جراء خدمتهم في الجيش ، وكان املهم العودة إلى الجزائر لشراء قطعة ارض تضمن لهم رزقا ً وحياة مستقرة (2) .

اما من الناحية السياسية : فقد أهاب اشتراك الجزائريين في الحرب وتضحياتهم فيها ، بعض الساسة الفرنسيين ، بالمطالبه بمنح
____________________________
(1) جلال يحيى ، السياسة الفرنسية في الجزائر ( من 1830 إلى 1959 ) ، ص275 .
(2) توضح الاحصائيات هذه الحقيقه ، ففي عام 1918 : اشترى الجزائريون من المعمرين اكثر من 300 , 20 هكتار مقابل 070 , 19 هكتار استولى عليه المعمرون . هذا على الرغم من مساعده الحكومة للمعمرين ، وعلى الرغم من ان الاوربي يبيع ارضه للجزائري اغلى مما يبيع به الجزائري للاوربي ، ولكن منذ عام 1920 عادت النسبه فتوازت وتقاربت، وان كان استرداد الجزائريين للارض قد استمر بصورة مطردة . ينظر : صلاح العقاد ، محاضرات عن تطور السياسه الفرنسية في الجزائر ، ص45 .
الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
الجزائريين زياده في الحقوق السياسية والاجتماعية التي يتمتع بها الاوربيون في الجزائر ، فتحقق لهم ذلك بأصدار قانون الرابع من شباط 1919فكان هذا القرار مكافأة للجزائريين على اشتراكهم في الحرب(1) .

فبعد الحرب العالمية الاولى اخذت الهجرة تتخذ طابعا ً جديدا ً جاء نتيجة للاحتكاك الذي وقع بين الفرنسيين الحقيقيين والجزائريين الذين عرفوا فرنسا من خلال تعاملهم مع الخليط السكاني من الاوربيين المقيمين بالجزائر . فاستدعاء الشباب من الجزائر إلى فرنسا خلال الحرب العالمية الاولى قد اتاح فرصه للمسلمين الجزائريين ان يتعرفوا على حقيقة مهمة وهي ان الفرنسيين الاصليين يحترمون الشعور الانساني ويتعاملون مع غيرهم بطريقه واقعية لا تشابة في شيء تلك النظره العابسة التي تعودوا مشاهدتها على ملامح الاوربي بالجزائر (2). كما ان هذا النوع من الهجرة لاداء الواجب العسكري قد مكن كثير من الجزائريين من الاحتكاك بالثقافة الاوربية والتعرف على وسائل التقدم الـحـديـثـة التي اجاد استغلالها المجتمع الاوربي وسخرها لتحقيق اهدافه (3) . ونتيجة لذلك ، تأثر عدد كبير من الجزائريين بالحياه الاوربـيـة واختاروا الهجرة إلى فرنسا بعد انتهاء الخدمة العسكرية .
____________________________
(1) صلاح العقاد ، محاضرات عن تطور السياسة الفرنسية في الجزائر ، ص46 .

(2) نازلي معوض احمد ، التعريب والقومية العربية في المغرب العربي ، ص65 .

(3) YoussF ALouane , op . cit . , p . 15 .
الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
وكان الجزائريون العائدين من فرنسا بعد الحرب ،يتكلمون على المعاملة الطيبة التي تلقوها في فرنسا ، فأنتشرت هذه القصص بسرعة بين ذويهم واقاربهم وكان لسان حالهم يقول " في فرنسا نحظى برضى الاوربيين ، وبمعاملتهم الطيبة، وهم يعلموننا المهن النافعه ، ويدفعون لنا الاجور " (1) ولم يبق امام الجزائريين الا ان يحذوا حذوا المهاجرين الاولين .

يمكن القول ان السبب الاول الذي ادى إلى الهجرة هي الخدمة العسكرية التي جعلت بعض الشباب يشعرون ان المجتمع الفرنسي قد قبلهم ومنحهم بعض الحقوق التي لم يحصلوا عليها في بلادهم . والشيء الذي اثار اعجاب عدد كبير من المهاجرين هو ان الفرنسي حريص على مصالحه وله رغبة شديدة في رفع انتاجه لكنه لا يتصرف بغطرسة وجبروت كالاوربي المقيم بالجزائر (2) .

كما ان الحروب الطويلة التي خاضتها فرنسا في القرن العشرين، وخاصة من 1946 إلى 1962 ، قد امتصت طاقات الشباب الفرنسي وتركت الاقتصاد الفرنسي يعاني من النقص الفادح في القوة البشرية التي تتطلبها التنــمية الصناعية . ولتدارك هذا النقص ، عــمــدت الـمـصـانـع الـفـرنـسـيـة إلـــى جـــلب
____________________________
(1) زوزو عبد الحميد ، المصدر السابق ، ص46 .
(2) عمار بوحوش ، اسباب الهجرة إلى فرنسا ، ص63 .
الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
العمال من الخارج والاستفادة منهم ما دامت اسواق العمل بفرنسا لا تفي بالعدد الكافي لتحقيق الاهداف المنشودة .

ولهذا اقبلت الصناعات الفرنسية على تشغيل العمال المهاجرين لانهم يعدون القوة الدائمه التي يمكن الاعتماد عليها في ايام الحرب والسلم لمواصلة العمل والانتاج (1) .

5- الاسباب الاجتماعية
***************
لقد ادى الاستغلال الاقتصادي البشع إلى ان يتحول الشعب الجزائري إلى رقيق اقتصادي خاضع لاستغلال ، لا يعرف أي معنى للأنسانية ، فالفلاح الجزائري ، يعمل في اليوم اربع عشرة ساعة مقابل اجر قليل لا يسد رمقه ِ ، اما النساء والاطفال فأن ظروفهم افظع من ذلك بكثير ، الامر الذي ادى إلى خلق ظروف اجتماعية سيئة للغاية . فالشعب كان محروما ً من ابسط الحقوق والحريات الضرورية للدفاع عن مصالحهم الاقتصادية ، كما حرموا من الفوائد الاجتماعية التي يتمتع بها العمال الفرنسيون والاوربيون في الجزائر كالمخصصات الـــعائلية والــضمأن الاجتماعي والتأمين على الحياة .. الخ (2) .

____________________________
(1) عمار بوحوش ، العمال الجزائريون في فرنسا ، ص163 –164 .

(2) ابراهيم كبة ، المصدر السابق، ص32 .
الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
وكانت الحاله الصحية للشعب الجزائري صعبة إذ فتكت بهم الاوبئه والامراض نتيجة لسوء التغذية حتى ان كثيرا ً منهم ذهبوا صرعى لهذه الامراض (1) ، واصبحت نسبة وفيات الاطفال من اعلى النسب في العالم في ذلك الوقت مع قلة اعداد الاطباء والمستشفيات (2).

هذه الاسباب فضلا ً عن البطالة المتزايدة ادت إلى هروب مئات الألوف من الجزائريين بحثا ً عن ظروف معيشية افضل في فرنسا .

كما عدت الخدمة العسكرية بالنسبة للشباب الجزائري بداية حياة جديدة حيث واجهوا الحياة العملية وعاشوا تحت نظام عسكري لم يراع َ فيه الا القيام بالواجب كما ينبغي . وفي الغالب تأثر الشباب بما شاهد وصعب عليه الانسجام مع الحياة المدنية التي تقوم اساسا ً على الطاعة العمياء للأقارب ومحاوله التحكم في مصير الغير . والنتيجة النهائية هي ان الشاب الذي ادى الخدمة العسكرية سعى للهرب من قريته التي عاش فيها والهجرة إلى المدن الكبيرة او فـــرنسا حيث ينال حريته َ الـفـرديـة ويــبني مسـتقبله بالطريقة التي تتماشى ورغبته (3) .
____________________________
(1) كان مرض السل من جمله الآفات التي يعانيها الجزائر . للمزيد ينظر : حزب الشعب الجزائري ، عن الحالة في الجزائر ، ص27 –28 .

(2) خرنان مسعود بن موسى ، المصدر السابق ، ص25 .

(3) عمار بوحوش ، اسباب الهجرة إلى فرنسا ، ص63 .
الفصل الأول ...***...***...***...***... الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال
************************************************** ******
يضاف إلى ذلك أن الاجيال السابقة التي هاجرت إلى فرنسا سواء من اجل البحث عن العمل او الحصول على شهادة علمية قد اصبحت مثلا ً تقتدى به الاجيال اللاحقة فالتجربة اثبتت ان مزايا الهجرة لا تقتصر على وجود فرص غير محدودة للعمل وتكوين ثروة ولكنها تمكن الافراد ايضا ً من اجادة مهنة معينة او الحصول على شهادة علمية والعودة إلى ارض الوطن لتسلم مناصب مهمة او اقامة مشروع تجاري يجلب الارباح الطائلة (1) .

ومن هذا يتضح لنا ان الهدف الرئيس من الهجرة ليس الرواتب المغرية بقدر ما هو الحصول على الكفاءة الفنية التي تفتح مجال الـتـرقـيـة الاجتـــماعية ومـشـاركـه الـنـخـبـة فـي الـــمسؤولية عـنـد الـعـودة إلـــى ارض الـــوطــن .







____________________________
(1) Roberto Aliboni , Arab Industriatisation and Economic intergration , London , 1979 , p . 166 .
صديق القمر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
الاستقلال, الجزائرية, الهجرة, اسباب, فرنسا, إلى, قبل

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الهجرة الجزائرية إلى فرنسا قبل الاستقلال صديق القمر تاريخ 3 23-08-2015 06:17 PM
التعليم في الجزائر بعد الاستقلال صديق القمر تحميل بحوث ومذكرات جاهزة 6 01-06-2015 05:11 PM
الظلم والفساد من اسباب هلاك الامم عبدالمالك جمال قسم الحوار العام 2 10-04-2012 10:51 PM
الهجرة - السنة الثانية تاريخ lmd صديق القمر تاريخ 0 09-01-2012 07:31 PM
اسباب تجعلنا نخسر رمضان عبدالمالك جمال الشريعة والحياة 2 05-08-2011 07:43 PM

sitemap

الموقع يخضع لسياسة ادسنس لقراءة الشروط بالعربية انقر هنا أو بالانجليزية Google Adsense Privacy Policy   

 abuse@alg17.com


الساعة الآن 07:05 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar

Search Engine Friendly URLs by vBSEO